الخميس، 4 يونيو 2020

الحركة التصويريّة الشعريّة The imagism movement، وأبرز أعلامها.

الحركة التصويريّة*الشعريّة

 The imagism movement

 وأبـــــرز أعلامــــــها 


إعداد وترجمة

مؤمن الوزان



____

* الصُوريّة



في محطة ميترو 

هذه الوجوه الشبحية في الزِّحام؛ تويجات فوق غصنٍ أسودَ نديِّ

- عزرا باوند

 وُلدتْ الحركة التصويريّة في إنجلترا وأمريكا في بداية القرن العشرين، بكونها ردة فعلٍ ضد الرومانطيقية والشعر الفيكتوري. تُشدد التصويرية على السهولة، ووضوح التعبير، والدقة من خلال استخدام الصور المرئية الفائقة الدلالة. 

على الرغم من أن عزرا باوند يُعد مؤسسَ التصويرية فإن جذور الحركة فكريًا تطورت بادئ الأمر مع الفيلسوف والشاعر الإنجليزي ت. ي. هيوم، الذي تحدث -بالتحديد في بداية سنة 1908- عن تأسيس الشعر على العرض ذي الدقة المطلقة لموضوعه بدون أي حشو زائد. كتب هيوم في مقالته "الرومانسية والكلاسيكية": "الصور في الشعر ذات المرأى الصارم المتماسك ليست مجرد زخرفة بل هي لب جوهره". 

تبنَّى عزرا أفكار هيوم عن الشعر في حركته التصويريّة، التي انطلقت بشكل جدي في عام 1912، حين أضاف عزرا العبارة لأول مرة إلى المعجم الأدبي خلال لقائه مع هيلدا دوليتل. اقترح عزرا بعد أن قرأ قصيدة هيلدا "هرمز الدروب Hermes of the ways" بعض التصويبات ووقَّع القصيدة باسم "هـ. د. التصويريّة (صفة نسبة إلى التصوير)" قبل أن يرسل القصيدة في تشرين الأول/ أكتوبر من ذات السنة إلى مجلة شعر. بعدها بشهر استخدم عزرا بنفسه عبارة "التصويريّ" حين نشر أعمال هيوم الشعرية الكاملة. 

هدف تيار الحداثة والتصويرية إلى أن تحلَّ التفاصيل الصارمة بدلًا من الأفكار التجريدية، والتوسع أكثر بهذه التفاصيل من خلال استخدام التشكيليّة. ابتعدت قصائد الشعر الحر والمثالية في قُصرها -كانت بشائر الإيجاز فيها واضحة، وذات صورة مُركَّزة لقصائد الشعراء الإغريق الغنائيين القدامى وشعراء الهايكو اليابانيين- عن أوزان الشعر المعروفة والتأملات الأخلاقية، مُخضعَةً كل شيء إلى ما أسماه هيوم يوما بـ "الصورة الصلبة الجافة".  

أما تعريف باوند للصورة فقد كان "تلك التي تعرض مُركَّبًا ذكيًا وذا عاطفةٍ مُلتقطة في لحظة من الوقت. إنَّ العرض لهذا "المُركَّب" بشكل فوري يمنحنا إحساسَ التحرّر المُفاجئ، إحساسَ الحرية من الحدود الزمانية والمكانية، إحساسَ النمو الطارئ- هذه الأحاسيس التي نَخبرُها في أعظم الأعمال الفنية".  

نشر باوند في آذار/ مارس 1913 مقالا بعنوان "A Few Don'ts by an Imagiste" مُعرِّفًا فيه منطلقات الفكرية للشعر التصويرية مقتبسًا إياها من قصائد الشاعر التصويري ف. س. فلينت: 

 

1- المعالجة الفورية للـ "الشيء" فيما لو كان موضوعيًا أو غير موضوعي. 

2- عدم استخدام أيّ كلمة لا تساهم في العرض بتاتا. 

3- تتألف قافية القصيدة بتتابعيّة العبارة الموسيقية لا تتابعية الإيقاع. 

 وفي عام 1914، صدرت مختارات شعرية "Des Imagistes" من تجميع وتحرير عزرا، ضمّت أعمال كلا من وليام كارلوس وليامز، وريتشارد ألدينغتون، وجيمس جويس، وهيلدا دوليتل، وآخرين. لكن الأجواء داخل المجموعة عصفت بها ريح الخلافات في ربيع السنة نفسها بخصوص قيادة المجموعة والسيطرة عليها. انتقدت الشاعرة آمي لوويل Amy Lowell عزرا بشأن ما اعتقدته بشأن وجهة نظره الشعرية القاصرة جدا، ومتوليَّةً قيادة الحركة ما بين سني 1915-1917. نشرت ثلاثة مختارات شعرية، وسُمِّيت جميعا Some Imagist Poets. انفصل لاحقا عزرا عن الحركة وسخر منها بتسميتها "Amygyism (نسبة التصويرية إلى آمي)"، وانتقل عزرا بتصويريته إلى فلسفة جديدة، ألا وهي "الدوَّاميَّة" مدَّعيا بأن "الصورة ليست فكرة بل عقدة أو كتلة… دوَّامة". 

بدأت لويل في عام 1917 بإبعاد نفسها عن الحركة التي اندمجت منطلقاتها الفكرية التصويرية في رحاب الحركة الحداثية الواسعة، واستمرَّت بتأثيرها في الشعراء عبر القرن العشرين.




عزرا باوند (1885-1972)




ولد عزرا لوميس باوند في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر في بلدة تعدين في منطقة هايلي، أيداهو، حيث عمل والده هيكتور في مكتب أراضٍ فيدرالي، أما أمه إيزابيل فقد كانت غير سعيدة بالسكن في بلدة صغيرة فانتقلت العائلة إلى وينكوت، شمالي فيلادلفيا حيث التحق الصبي عزرا بالعديد من المدارس قبل أن يُرسل إلى أكاديمية تشيلتينهام العسكرية في عام 1897. تحوّل بعدها إلى المدرسة الثانوية العامة ونال مقعدا  في جامعة بنسلفانيا في عام 1901. 


كوّن باوند مع هيلدا دوليتل في الجامعة أول علاقة غرامية رومانسية جادة ثم خطبها لاحقا، والتقى بصديق حياته الشاعر وليام كارلوس وليامز. انتقل بعدها إلى نيويورك لإكمال  دراسته وتخرج في جامعة هاميلتون في عام 1905، وعاد إلى جامعة بنسلفانيا لدراسة الدكتوراة في شعر التروبادور.


سافر عزرا -بعد أن فسخ خطوبته من هيلدا- إلى مدينة البندقية، حيث نشره بنفسه أول ديوان 


قصائد "شموع مطفأة A Lume Spento". انتقل بعد إلى لندن وهو مفلس حرفيًا آخذًا معه نسخًا من ديوانه معه. التقى هناك بعدة أشخاص من ضمنهم الروائية أوليفيا شيكسبير التي قدَّمته إلى كتّاب آخرين مثل الشاعر وليام ييتس. بدأ عزرا بعدها بتودد طويل مع ابنة أوليفيا دوروثي، الرسامة الشابة، الذي تُوِّج بالزواج في عام 1914.


في عصر إيجاد الابتكار الفني، كان عزرا متحمسًا لتطوير أسلوب شعري "حداثي" جديد. وتعاون بنفسه مع "مدرسة الصور" -تمحورت حول فكرة إن الصورة هي المبدأ المُنظِم للشعر، بشاعرها الطليعي والفيلسوف ت. ي. هيوم. استمدَّ عزرا إلهامًا مستفيضا من أصدقائه الفنانين، من بينهم الرسام ويندام لويس والنحّات هنري غادر-بريسكا، الذين طوروا أسلوب ما بعد التكعيبية الهندسي وما أسماه عزرا بـ"الدوّاميَّة". 

وصلت هيلدا دوليتل إلى لندن في عام 1911 وأثَّرت في تغيير اتجاه عزرا الشعري. وعلى الرغم من فسخ خطوبتهما فقد بقيا مقرَّبين، وأسسا مع الشاعر ريتشارد ألدينغتون (زوج هيلدا لاحقًا) حركة شعرية سُميَّت بالتصويرية، والتي شددت على الوضوح الكبير في التعبير بإيجاز في قصائد من الشعر الحر

ضاق عزرا ذرعًا بالمجموعة واعتقد أنها لم تكن تمضي قدما بما فيه الكفاية في حداثيتها. وأصبح بعدها مهتمًا بالشعر الشرقي، ولا سيما استخدامه المكثّف للغة متخففة من الكلمات الزائدة وتضمينه المجازي المدهش. بدأ في إثرها على ترجمة قصائد صينية في عام 1913، وأدرك أن هذا هو الأسلوب المطلوب منه تبنّيه في شعره حيث: الإيجاز والمباشرة والحركية

حقق عزرا بعض النجاحات التجارية بمجموعتيه الشعريتين "شخصان (1909)"، و"الردود الخاطفة Ripostes (1912"، واستهل في عام 1915 مشروعًا رئيسًا جديدًا- ملحمة شعرية مُتحدِّية ومعقدة، والتي ستُصبح لاحقا The Cantos. انتقل عزرا ودوروثي إلى باريس في عام 1921. استمرَّ بعمله على The Cantos، وكسب سمعته محررًا، وناقدا مساهما في التعليق على قصيدة إليوت "الأرض اليباب" وقصص صديقه إرنست هيمنغواي. وفي باريس، ابتدأ عزرا علاقة غرامية مع عازفة الكمان أولغا رودج- استمرت حتى آخر حياته

انتقل عزرا إلى إيطاليا بعد مدة وجيزة من تسنم بنيتو موسوليني والحزب الفاشي زمام السلطة. كان عزرا محبًا عظيمًا للقائد The Duce، وأصبح ناشطا سياسيا بشكل متزايد خلال عقد ثلاثينات القرن الماضي ونتيجة لذلك فقد عاد إلى أمريكا في عام 1939 لحث الحكومة على عدم التدخل في الصراع الذي يُوشك أن ينشب. لم يكتفِ عزرا عند هذا الحد فقد أصبح داعما لنازية هتلر في الحرب العالمية الثانية وبثَّ أراءه الفاشية والمعادية للسامية للعالم عبر "إذاعة روما".

كانت سمعته وبسبب آرائه الفاشية العلنية في خطر، والرأي كان وما زال منقسما إلى أي قدر يمكن تمجيده بصفته شاعرًا. تُوفي عزرا بعد يوم من ذكرى ميلاده السابعة والثمانين حين كان مع أولغا في مدينة البندقية.  


من شعره:


بحر الزجاج 


تطلَّعتُ ورأيتُ بحرًا 

شُيِّدَ سقفه من أقواس قزح 


وفي وسط أرجائه

التقى عاشقان وغادرا


ثم امتلأت السماء بوجوه

ومن خلفها بهاء ذهبي 


العودة


(كُتبت هذه القصيدة في عام 1913، ونشرت في عام 1917 في مختارات شعرية. تتكون القصيدة من خمس مقطوعات بواحد وعشرين سطرا شعريا (بلغتها الأصلية). تحكي القصيدة عن عودة الآلهة، لكنها عودة آلهة في خريف عمرها خائرة القوى وشاحبة الوجوه ونحيلة الأجساد ومترددة الخطوات، وترافقها كلابها الفضية. يستخدم عزرا هذه القصيدة لتعبر عن طبيعة القوى وخوارها بمرور الوقت حتى وإن كانت تبدو منيعة في مرحلة ما، وقد تكون أيضا رمزية إلى نهاية آلهة الديانتين المسيحية واليهودية اللتين كان لعزرا موقفًا مضادًا منهما. Poem Analysis).


انظر، إنهم يعودون

 آه، انظر إلى الحركات المترددة،  

والأقدام البطيئة، 

والهُنَّة في الخبب والارتعاش القَلِق

 

انظر، إنهم يعودون

واحدا تلو آخر بخوفٍ

 مثل نصفِ مُستيقظ؛ 

كالثلج لا بد أن يهطل بتذبذب

ويهفهف في الريح

بنصف دورة إلى الوراء؛

كانت هذه "المُجنَّحةُ بالرهبة" مُحرَّمةً

 

آلهة الأقدام المُجنَّحة

 تتقفى برفقتها الكلاب الفضية

أثر الهواء!

 

احترزي! احترزي!

كانت هذه السرعة للانقضاض

هذه الحماسة في التشمم 

كانت هذه أرواح الدم

 

يرخون القِيادِ لها* ببطء

رجال القِيادِ الشاحبون


________

 

*أي الكلاب.

 














هيلدا دوليتل (1886-1961) 






ولدت هيلدا دوليتل الملقَّبة بـ "التصويرية المثاليّة" في بيثليهم Bethlehem - بنسلفانيا في العاشر من أيلول/ سبتمبر عام 1886. انضمت إلى كلية برين ماير وكانت زميلة لـ ماريانا مورو (شاعرة أمريكية)، والتحقت بعدها بجامعة بنسلفانيا حيث تعرَّفت على عزرا باوند وأصبحت خليلته وللشاعر الآخر وليام كارلوس وليامز. 

ارتحلت إلى أوروبا في عام 1911 بنيِّة قضاء الصيف هناك، لكنها بقيت بعيدة عن الوطن لآخر حياتها. تنامت أهمية هيلدا وباوند خلال هذه الأوقات سريعا وأصبحا رائدي حركة التصويرية الشعرية رفقة الشاعر ت. ي. هيوم Hulme، وف. س. فلنت، وريتشارد ألدينغتون، وآخرين. نالت بعضًا من بواكير قصائدها الاعتراف حين نُشرت من قبل هاريت مورنو في عام 1913. 

تزوجت هيلدا في عام 1913 ريتشارد ألدينغتون، ورزقا بعد بسنتين بطفلة. انضم بُعيدها ألدينغتون إلى الجيش البريطاني للخدمة في الحرب العالمية الأولى. وفي المرحلة التي تلت مغادرة زوجها، شغلت هيلدا منصبًا مساعدة محررة لمجلة The Egoist*. نشرت هيلدا في عام 1916 "حديقة البحر Sea Garden"- أول مجموعة شعرية لها. 

قُتل أخوها في شجار عام 1918، وفي ذات السنة بدأت هيلدا علاقة غرامية سحاقية مع الروائية  آني وينيفريد إيليرمان، التي كتبت باسم Bryher، وعاشت الاثنان  معًا قرابة أربعين عاما. 


____

* المجلة التي نشرت رواية "صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس ما بين عامي 1914-1915، وكانت هاريت شاو ويفر رئيسة التحرير والمالكة، وقد غيّرت اسم المجلة باقتراح من عزرا باوند من The Freewoman إلى The Egoist.  

تميّز شعر هيلدا بالقوة الشديدة لصورها الشعرية، وإيجاز اللغة، واستثمار الميثولوجيا الكلاسيكية. لم تنل قصائدها تقديرًا واسع الأفق والإشادة خلال حياتها، ومن أسباب هذا ارتباط اسمها بالحركة التصويرية في حين أن صوتها الشعري نما بعيدًا عن حدود الحركة، والشاهد على هذا أعمالها الطويلة مثل Trilogy و Helen in Egypt. كما يمكن أن يعود رفضُ هيلين الشاعرة إلى أن القرّاء لم يكونوا مستعدين للاستجابة مع المبادئ النسوية القوية التي أفصحت عنها في أعمالها. قالت عنها الشاعرة الأمريكية Alicia Ostriker: "أصبحت هيلدا دوليتل في آخر مسيرتها الأدبية لا مجرد أفضل شاعرة موهوبة لبلدنا بل وواحدة من أكثر الشعراء أصالة -كلما قرأت لها فكرتُ بهذا- في لغتنا". 


ماتت هيلدا في زيورخ - سويسرا في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1916.

نشرت هيلدا عددا من الدواوين الشعرية من ضمنها: 

Flowering of the Rod.

Red Roses From Bronze

وكتبت النثر منه كتاب Tribute to Frued، ونُشر لها بعد وفاتها كتاب "Helen in Egypt". 


من شعرها:

حورية الجبال

(أشهر قصائد هيلدا)


دُرْ أيها البحر 

دوِّر صنوبراتك المُستدقَّة 

انثر صنوبراتك الكبيرة 

على صخورنا

اقذفْ خُضرتكَ علينا 

وغطِنا بنباتات التنوب


 **

البركة 


هل أنت حيٌّ؟ 

ترتجف مثل سمكة بحر 

أغطيك بشبكتي 

ما أنت؟ سمكة مُلوَّنة


**

ريتشارد ألدينغتون (1962-1892)



وُلِدَ ريتشارد ألدينغتون باسم إدوارد غودفري ألدينغتون في الثامن من تموز/ يوليو 1892، في هامبشاير- إنجلترا. درس في كلية دوڤر وجامعة لندن، وأصبح صديقا لعزرا باوند ومن أوائل أعضاء الحركة التصويريّة، نشر مجموعته الشعرية "Images Old and New" في عام 1916.

تزوج في عام 1913 من الشاعرة هيلدا دوليتل، الشخصية المهمة في الحركة التصويرية، ثمَّ انضمَّ ألدينغتون إلى الجيش البريطاني في عام 1916 وخدم ضمن فوج Royal Sussex في فرنسا. انتهى زواجه من هيلدا بالطلاق بعد ربع قرن في عام 1938.


بدأ ألدينغتون بنشر قصائد الحرب في شباط/ فبراير 1918، وكتب في رسالة إلى صديق: "قد يبدو لكأني كنتُ مريضًا بشكل جنوني تقريبا في قصائد الحرب هذه… لا يمكنك أن تعلم ولا أن تفهم حيث أنت الآن الحالة العقلية للجندي وما ينتابه من التحطيم العميق للأعصاب، والتوتر الشديد، وحِدَّة الإحاسيس". 

نشر بعدها عدة مجلدات شعرية من ضمنها: The Complete Poems of Richard Aldington (A. Wingate, 1948), Exile, and Other Poems (G. AllenUnwin, 1923), and Images of War (G. Allen & Unwin, 1919). 


عُرف أيضا برواياته من ضمنها :  Death of a Hero، والسير الذاتية وأشهرها لورانس العرب

(Lawrence of Arabia (1955. تُوفي ألدينغتون في السابع والعشرين من تموز/ يوليو 1962 في فرنسا. 

من شعره:

 

صور

I

 مثل جندول فواكه خضراء عَبِقة

منجرفًا طوالَ قنوات البُندقية الرطبة

أنتِ أيتها البهية!

 يا من دخلتِ مدينتي المعزولة

 

II


يثبُ الدخان الأزرق

مثل دوامات غيوم من الطيور تختفي

يثبُ حبي إلى الأمام تُجاهكِ

يختفي ويتجدد 


III


قمر زهري أصفر في سماء شاحبة

حين يكون الغروبُ ذا لون قرمزي باهت

في الضباب وسط أغصان الأشجار

فأنتِ الفنُ في نظري يا محبوبتي


IV

شجرة زان فتيّة فوق حافة الغابة

تقف هادئة في المساء

رغم اهتزاز كل أوراقها بنسمة هواء 

وتبدو خائفة من النجوم-

أنتِ كذلك هادئة وكلُّكِ ارتعاش


V

الأيائل الحمراء تعلو فوق الجبل

هناك خلف أشجار الصنوبر الأخيرة

وهرولتْ رغباتي معها  

  

  

VI

الزهرة التي هزّتها الريح

امتلئتْ بَعدها بالمطر مجددا 

هكذا يمتلئ قلبي بالدموع على مهلٍ

يعلوه الزَبَد، وريح حقول الكروم

حتى تعودي






وليام كارلوس وليامز (1883-1963)






وُلدَ وليام كارلوس وليامز في السابع عشر من شهر أيلول/ سبتمبر 1883 في رذرفورد، نيو جيرسي. 

بدأ وليام بكتابة الشعر في المرحلة الثانوية عندما كان طالبا في مدرسة هوراس مان، ووقتها اتَّخذ قراره وحزم أمره في أن يكون طبيبًا وكاتبًا. 

وهذا ما تحقق لاحقًا بعد نيله شهادة الطب في جامعة بنسيلفانيا، حيث التقى وكوّن صداقة مع عزرا باوند.

بدأ تأثير عزرا يُصبح عظيما في كتابات وليامز، ورتّب لوليام في عام 1913 نشر مجموعته الشعرية الثانية "Tempers" في لندن. وبعودته إلى وذرفورد استمرَّ وليام بممارسة الطب خلال حياته، وابتدأ النشر في مجلات مغمورة وشرَعَ بمسيرة أدبية غزيرة شاعرًا وروائيًا ومسرحيًا وكاتبَ مقالات. 


كان وليام واحدًا من الشعراء  المؤسسين للحركة التصويرية خلف عزرا، إلا إنه بمرور الوقت عارض القيم التي رُوِّجَ لها في كلٍّ من أعمال عزرا وإليوت ولا سيما الثاني الذي شعرَ أنه أكثر اتصالًا بالثقافة الأوروبية وتقاليدها. 


باستمراره في تجربة تقنيات جديدة في بحور الشعر والسطورية الشعرية (نظم الشعر وفقًا للسطور الشعرية ومراعاة النَغم الشعري والإيقاع وطول السطر وقصره وتواصله وانقطاعه في النظم الحر)، سعى وليام إلى إبداع شاعرية أمريكية فريدة وجديدة بالكامل، يتركّز غرضُ موضوعها الرئيس حول ظروف الحياة اليومية وحيوات عامة الناس. 

انتشر تأثير وليام الشعري ببطء في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وشعر بأن الشعبية الكبيرة لقصيدة إليوت "الأرض اليباب" قد طَغت عليه. لكن الالتفات إلى أعماله شهد تزايدًا ملحوظا في خمسينات وستينات القرن الماضي من الشعراء الشباب من بينهم Allen Ginsberg وThe Beats، الذين أُعجبوا بوصولوية لغته وصراحته بصفته مرشدًا. 


تنوعت أعماله الرئيسة بين:

Kora in Hell (1920); 

Spring and All (1923);

 Pictures from Brueghel and Other Poems (1962) المجموعة الشعرية التي نالت جائزة Pulitzer; 

the five-volume epic Paterson (1963, 1992); 

Imaginations (1970).


تدهورت صحة وليام بعد نوبة قلبية في عام 1948 وسلسلة من الجلطات الدماغية، لكنه استمرَّ بالكتابة حتى وفاته في الرابع من آذار/ مارس عام 1963 في مسقط رأسه نيو جيرسي.

من شعره:

عربة يد



كثيرةٌ هي الأشياء 

التي عليها تعتمد 


عربةُ يدٍ حمراء

مكسوَّةٌ بماء المطر 


بجانب الدجاجات

البيضاء


مرثاة أرملة في الربيع 


الأسى في ساحتي

حيث العشبُ الطري

متوهجٌ كما لو أنه التهبَ

مثل السابق غالبًا بنارٍ باردة 

نارٌ تقترب مني هذه السنة


خمسة وثلاثين عامًا 

عشتها مع  زوجي 


شجرة البرقوق بيضاء اليوم

تحطيها أحراش الورود

تحمل أغصان الكرز 

ثمة بعض الشجيرات الصفراء

وبعض الشجيرات الحمراء

لكن حُزن قلبي أقوى منها وألوانها

رغم أنها كانت فرحتي في الماضي 

أطالعها اليوم وابتعد نحو النسيان

 

أخبرني ولدي وسط المروج اليوم 

رؤيته لأشجار الأزهار البيضاء 

عند نهاية الأيكة في الغابة 



يتنابني شعور عارم بالذهاب إلى هناك

والانغمار وسط تلك الأزهار

والغرق في المستنقع قرُبها



هذا ما يُقال فحسب


أكلتُ البرقوق 

الذي ضمَّه البرَّاد


البرقوق الذي 

قد تكونين تحتفظين به للإفطار

اغفري لي 

فقد كان شهيًا

ولذيذًا جدًا

وباردًا جدًا









آمي لوويل (1874-1925) 


وُلِدت آمي في التاسع من شهر شباط/ فبراير عام 1874 في سفينلز، الأخيرة من بين خمسة أطفال للعائلة في إقطاعية بمساحة 10 فدادين تعود ملكيتها لذويها في بروكلين - ماساشوستس. اعتنقت عائلتها مذهب الكنيسة الأنجليكانية لنيو إنجلاند القديمة، وكانت على قمة هرم مجتمع بوسطن. 


كان أخوها الأكبر، أبوت لورانس، طالبًا جامعيًا في هارفارد وقتَ ولادتها ثم أصبح لاحقًا رئيس كلية هارفارد. تعلَّمت آمي الصغيرة في المنزل، ثم قصدت المدارس الخاصة في بوسطن، وخلال هذه المرحلة من حياتها زارت أوروبا مع عائلتها في عدة رحلات. 

وبسن السابعة عشرة وضعت آمي لنفسها قائمة كتب مكونة من 7000 كتاب في مكتبة سفينلز لدراسة الأدب، وشجَّعتها عائلتها على الكتابة في سنٍّ مبكرة. 


كتبت آمي مع أمها وأختها في عام 1887 "Dream Drops أو Stories from fairy land" ووضعنَّ كلمة "حالم" استعارة عن اسم كاتبها، وطُبعَ الكتاب سرًا من قبل شركة كوبلز وهورد في بوسطن. 

نُشرت قصيدتها "Fixed Idea فكرة راسخة" في عام 1910 في مجلة أتلانتك الشهرية، واستمرت بعدها آمي بنشر قصائد مفردة في مجلات مختلفة. ظهرت أول مجموعة شعرية لها في تشرين  الأول/ أكتوبر عام 1912 والتي حملت عنوان "قُبّةُ زجاجٍ ملون A Dome of Many-Coloured Glass

كانت آمي، امرأة الأعمال النشِطة والصريحة، ذات نزعة إلى الجدَل المُثير، واهتمت من أعماقها وتأثرت بالحركة التصويريّة التي قادها عزرا باوند. 

آمنت الحركة الأنجلو-أمريكية بكلمات آمي "التكثيف هو جوهر الشعر الحقيقي" وسعتْ جاهدة "لإنتاج شعر صلب وواضح لا بالضبابي أو الغامض". قادت آمي الحركة الشعرية التصويرية في أمريكا، واعتنقت مبادئ أعمالها الشعرية، وشغلت دور مُروِّجة عمومية للحركة، محررةً ومساهمةً في "مختارات شعراءَ تصويريين" في عام 1915.


ساهم تأثيرها ومشاركتها الحماسية في انفصال عزرا عن الحركة، ووصفته بأنه ذو رؤية شعرية قاصرة وقادت الحركة الأنجلو-أمريكية لعامين (1915-1917). 


استمرت آمي في استعراض الأسلوب التصويري في الشعر وكانت الطلائعية في استخدام "النثر المتعدد الأصوات" في اللغة الإنجليزية، مازجة الشعر التقليدي بأشكال الشعر الحر. 

غمرت نفسها لاحقا بالشعر الصيني والياباني متأثرة به، وقادها هذا الاهتمام لمشاركة المترجم فلورنس آيسكاف Florence Ayscough في ديوان "Fir-Flower Tablets" في عام 1921.

أحبَّت آمي طوال حياتها الشاعر كيتس، ويُمكن رؤية تأثيره واضحًا في قصائدها ورسائلها، وآمنت بأنه سلف التصويريّة. ونُشر كتابها عن سيرة كيتس في عام 1925 وهي ذات السنة الذي حازت فيها جائزة Pulitzer عن مجموعتها الشعرية "What's O'Clock". 


توفيت آمي لوويل الشاعرة المتكرَّسة للشعر، والمروِّجة العامة، وجامعة التحفيات، والناقدة، والمحاضرة في الثاني عشر من أيَّار/ مايو عام 1925 في إقطاعية العائلة، سفينلز. 

 من أعمالها:


Selected Poems of Amy Lowell (Rutgers University Press, 2002)

What's O'Clock (Houghton Mifflin Company, 1925)

Sword Blades and Poppy Seed (The Macmillan Company, 1914)

A Dome of Many-Coloured Glass (Houghton Mifflin Company, 1912) 


من شعرها: 

أوبال


ثلجٌ ونارٌ أنتَ، 

وبلمسة منك تحرق يديَّ كالجليد 


بردٌ ولهبٌ أنتَ، 

يا لونَ النرجسِ القرمزيّ

يا لونَ زهرِ المغنوليّة الفضيّ


حين أكون برفقتك 

يُصبح قلبي بركة متجمِّدة 

تبرقُ بأضواء مُتهيِّجة



كهولة


مثلُ جليدٍ أسودَ 


يمرُّ فوقه مرَّ سحابٍ بتخبُّط


متزلِّجٌ جهولٌ


هذا سطحُ قلبي البليد 

*

ريحٌ وفضة


مُشرقٌ بعظمة 

يطفو قمرُ الخريفِ في السماء الرقيقة

تهتز أسماك الزينة في أحواضها

وتومضُ حراشفها التنينيّة

في كل مرة مرَّ فوقها 


زوجة الصياد 


حين أكون وحيدة 

الريحُ بين أشجار الصنوبر 

مثل صفعِ الموجاتِ 

على جوانبَ قاربٍ خشبيّة 


عاشق 


إذا تمكنت من إمساكَ خضرةِ مشكاةِ الحُباحِب

قد أنظرُ في كتابةِ رسالةٍ إليكَ




ت. ي. هيوم (1883-1917)

T.E. Hulme




وُلِدَ توماس إرنست هيوم في السادس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر   1883 في إندون، إنجلترا. قصدَ كلية القديس جون - كامبريدج، لكنه غادرها دون أن يتخرَّج. أصدرت مجلة "العصر الجديد" الأدبية خمسًا من قصائده التي أُعيد طبعها في مجموعة عزرا الشعرية "الردود الخاطفة Ripostes (1912". 

لهيوم شخصية ذات جاذبية خاصة وفي كل الجوانب فعليًا، فقد كان بطول ستة أقدام، وبتقاسيم وجه قرمزية، ورغبة بالجدال مع أي شخص وفي مشاجرته،(خاض عراكًا شهيرًا بالأيدي مع Wyndham Lewis في ساحة سوهو)، انحدر هيوم من ستافوردشاير، الريف الذي أخرج للعالم قبل قرنين كاتبَ رسائلَ جذَّاب آخر وهو الدكتور جونسون. 

قضى في بداية عشرينياته مغامرة قصيرة في كندا، ورحل إلى لندن، حيث أسسَّ "نادي الشعر" وجادل الناس، وأكل الكثير من الحلويات (لم يشرب الكحول  

قط، وليس بمدخنٍ، مفضلًا عليهما أكلة suet pudding ودبس السكر).


وعلى الرغم من نشره العدد القليل من القصائد في حياته إلا إنه يُعدَُّ من مؤسسي الحركة التصويرية وشخصية مهمة في شعر القرن العشرين. كتب إليوت عنه قائلًا: "هيوم كلاسيكي، ورُجْعي، وثَوري؛ إنه مضادات العقل الديمقراطي والانتقائي والمتسامح في آخر القرن التاسع عشر". قُتل هيوم في معركة في الحرب العالمية الأولى في الثامن والعشرين من شهر أيَّار/ سبتمبر 1917.


بعد هذا العرض الموجز لحياته القصيرة نجيب عن سؤال هل كان ت. ي. هيوم: أول شعراء الحداثة؟ 


من كتب أول قصيدة حداثية إنجليزية؟ متى وأين كُتبت؟ ثمة العديد من الترشيحات، وأسوأ ما يمكن اقتراحه هو تفضيل آخرَ على "ت. ي. هيوم" الذي كتب قصيدة "غروب شمس مدينة" في عام 1908، على ظهر فاتورة فندق.  ويمكن ضّمُّ هيوم مع حفنة من الشعراء ليشكلوا مخططًا لأسماء شعراء الحداثة. لـ"شعر الحداثة" سمات يمكن تميزها بسهولة كـ: الإيجاز، دقة اللغة، البيان غير الصريح والمباشر، انعدام القافية، المواضيع اليومية والعادية، وبهذه السمات نحصل على هيوم وآخرين. 

 

كتب هيوم في نشاطه العارم "بيان الشعر الحديث" الذي نال عزرا شرف الإعلان عنه بعد تأسيس الحركة التصويرية رفقة آخرين، وقعَّد في مقالته A Few Don’ts by an Imagiste بعض قواعد شعر الحداثة، التي صاغها هيوم قبل خمس سنوات سلفًا. تشارك هيوم وعزرا في تأسيس التصويرية الشعرية، على الرغم من أن عزرا سيزيل دور هيوم بقسوة الذي لعبَ دورًا في تشكيل التطبيق التصويري الشعري. 

وبالعودة إلى تاريخ أول قصيدة حداثة كتبها هيوم، فلا مجال للتردد في تحديد تاريخها الكائن في السادس والعشرين من شهر أيار/ مايو عام 1908 على ظهر فاتورة فندق، بدأ بها هيوم بإبداع مفهوم جديد للشعر، مبنيٌ على الوضوح، والدقة اللغوية، والتي سيطلق عليه عبارات مثل "جاف، وقاسٍ، وشعر كلاسيكي". تُقرأ القصيدة "غروب شمس مدينة" كما لو أنها تفكير شاعرٍ بصوتٍ مسموع، ومألفةٌ كما يمضي شاعرها في البحث عن لغة جديدة، والذي ادَّعى أن العديد من قصائده كانت ارتجالية، ومنظومة من أجل موضوع عابر، تاركًا الصور تتنزل طبيعيًا إليه. 

تتألف "غروب شمس مدينة": 

فاتنٌ -إغواءُ الأرضِ- بأوهامٍ سامية

غروبُ الشمس الذي يسود في نهاية الشوارع الغربيّة

توهجُ سماءٍ مفاجئ

مربكٌ بغرابةٍ للمارِّ

برؤى سيثارا 

-غريبٌ على الشوارعَ المديدة-

أو باللحم الناعم للسيدة كاسلماين... 

***

جَذَلٌ قرمزيٌ

هو البهاءُ المنتشرُ للسماء

خادمُ العلياءِ المَرِح 

تَبخترُ أذيالِ ثوبٍ أحمرَ 

طوالَ أسطح المدينة الراسخة

وقت عودة الحشدِ إلى المنزل

خادمٌ مغرور، وباقٍ، يأبى الذهاب

 

ابتدأ هيوم كتابة قصيدة بقافية ثنائية (Conciets/أوهام وStreets/ شوارع، وPasser by/ المار، Sky/ السماء) ثم تبنّى تطبيقًا جديدًا من الشعر الحر -ابتداءً من جذلٌ قرمزي- في قصيدته، بكتابة سطور غير مقفّاة متجنبًا فيها بحور الشعر المعتادة، وبنيوية الشعرية المقطعية، والتي ستوصف لاحقا من قبل روبرت فروست بصياغة لا تُنسى "مثل أن تلعبَ التنس والشبكة على الأرض". من هذا التساقط الحر للسطور تبرز صورةٌ أو زوجان من الصور هما غروب الشمس، مجاز شعري تقليدي، مربوطًا بثوب امرأة حمراء يرفرف على أسطح المنازل. 

من جذر هذه الفكرة الواضحة، تطوّرت قصائدُ أخرى مثل "الخريف" التي يرتبط القمر فيها بوجه فلاح أحمرَ، و"فوق رصيف الميناء" التي يظهر القمر مجددًا لكن هذه المرة كبالونة طفل، و"الجسر" حيث سماء مزدانة كليا بالنجوم مرتبطة ببطانية قديمة تآكلتها العثة تائقةً بحزن لشخص ما ينام على مضض فوق شاطئ نهر التايمز. في كل قصيدة من هذه القصائد القصيرة صورتان -واحدة مرتبطة بلا نهائية السماء والعلياء، والأخرى مرتبطة بمظاهر الحياة اليومية الصغيرة- ينضمان لبعض معًا، كما لو أن هيوم في بحث لجلب الفضاء اللا محدود للشعر التقليدي إلى الأرض. وهذا بالضبط، كان أول فعل شعر الحداثة بتطبيقه على شيء ما غير ملحوظ، والحياة اليومية، مثل فاتورة فندق (كتب هيوم قصيدة أخرى على ظهر بطاقة بريدية).     

تشبه هذه القصائد القصيرة شعر الهايكو الياباني، الذي خَبِره عزرا بعد سنوات قلائل. ومنحت تجارب هيوم النهضة للتصويريّة، التي كانت الشعر الحقيقي الأول الذي يتعامل مع قضايا الحياة اليومية: وغالبًا ما تناولت التفاصيل العادية للعالم المعاصر، مثل الانتقال عبر الميترو، والمشي في شوارع لندن، ومراقبة الحشود وهي تغادر صالات السينما. ويسبق الشعرُ التصويري بعقدين من الزمن قصائدَ لـ Pylon Poets التي ذاع صيتها في ثلاثينات القرن العشرين. وبزَّت واحدة من قصائد هيوم القصيرة قصائد الهايكو الشعرية* بإيجازها إذ تتألف من ثماني كلمات: "كانت المنازلُ القديمة سقّالةً ذات مرة/ وصفيرُ عُمّال". إن شبكة الأصوات فيها معقَّدة ومعتنًى بها، فكلمة "قديمة" تحظى بدعم من "سقّالة" التي تغلِّف


_____

* يتكون الشعر الهايكو من بيت واحد مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا، يكتب بثلاثة أسطر، يتألف السطر الأول من ٥ مقاطع صوتية والثاني من ٧ والثالث من ٥.

 الكلمة، في حين تعاودُ "كانت" الظهور في "عمَّال" حيث ترتبط الصورتان معًا عبر قافية داخلية وصدًى.     

وبالطبع فثمة ساحل شعري حداثي بديل يمتاز بكونه أكثر غموضًا وتلميحًا كما في أسلوب ت. س. إليوت، وجيوفري هِل- لكن الفكرة الأكثر شيوعًا لـ"الشعر الحداثي" بلا شك فكرةُ هيوم التي سادت التخيُّل الشعبي. 

اقترح كارول آن دوفي في عام 2011 بأن القصائدَ القصيرة شكلٌ من أشكال الرسائل النصيّة للُغتها غير الراقية وإيجازها: مقارنةٌ مُوحية للشاعر الذي يمنحنا "نصًا" ربما يكون أول قصيدة جديرة بالملاحظة حول خبرة المراسلة النصيّة. 

لكن الشعر الإنجليزي كان قد نما سلفًا نحو صغر الشكل قبل مئة عام، قبل الهواتف الجوّالة وعوالم الرسائل النصيّة بكثير. 

فكّر هيوم بأن على الشعر أن يكون قصيرًا حتى يستطيع الشخص العادي قراءته وتقديَّره في الترام وهو في طريقه إلى العمل أو أثناء جلوسه على الكرسي بعد العشاء. ترك هيوم لنا حفنة من القصائد التي سيشيد بها ت. س. إليوت بأن "اثنتان أو ثلاث من أجمل القصائد القصيرة في اللغة الإنجليزية". أنزلَ هيوم الشعر من عليائه لكن ما حققه بعيد كل البعد عن الضآلة، فقد ساعد في إبداع شعر الحداثة كما نعرفه اليوم.  


****

 

أفضل قصائد هيوم من اختيار وتعليق د. أوليفر تيرل: 

تعد قصيدة "الخريف" واحدة من القصائد التي عمل عليها هيوم لتصبح قصيدة كاملة (يُجادلُ بأنها أول قصيدة حداثية بالإنجليزية) وقد نلمحُ فيها الذاتيّة في صورة "فلاح ذو وجهٍ أحمر"

لمسة برد في ليلة الخريف 

مشيتُ خارجًا

ورأيت قمرًا ينحني على سياجٍ 

مثل فلاحٍ ذي وجهٍ أحمرَ

لم أقفْ للحديث، أومأتُ فحسب

وحوله كانت النجوم الحزينة

بوجوهها البيضاء مثل أطفال المدينة 

*

كان هيوم مأخوذًا بالقمر لكونه ربما الصورة الشعرية الرومانسية التي تبزُّ كل الصور الشعرية الرومانسية الأخرى، ويعود إليها في قصيدة "فوق رصيف الميناء" (يعود هيوم في هذه القصيدة بشكل طفيف إلى التقليدية الشعرية عبر نظمه بقوافي ثنائية):

فوق رصيف ميناء هادئ في منتصف الليل 

مربوطٌ بحبلٍ الصارية الطويلة- 

يعلِّقُ ارتفاعه القمرَ 

ما يبدو بعيدًا جدًا ليس إلا بالون طفلٍ 

منسي بعد اللعب 

*

يعجب هيوم بحزن المدينة أو البلدة في الليل، مع ذاك اللقاء الرومانسي (للنجوم والسماء) والعصري والحَضَري. كما في هذين السطرين الشعريين مع قافية ثنائية تُظهر هذا بإيجاز:

المشهدُ المُبهَمُ الأسى

لبلدة بعيدة في الليل تُرى

* 

ظهرت قصيدة "مانا أبودا" -وهي إلهة بولينيزية- مع القصيدتين السابقتين ضمن القطع الخمس القصيرة التي ألَّفت في الأصل "الأعمال الشعرية الكاملة لـ ت. ي. هيوم" في حاشية ديوان عزرا "الردود الخاطفة" (لا بد أن هيوم أمسك لسانه جيدًا واحمرَّ خده فعلًا عندما قرأ العنوان):

مانا أبودا، ذاتُ شكلٍ منحنٍ

هي السماء في دائرةٍ مُقنطرةٍ

بحزن يبدو مجهولًا ليُرثى 

رغمَ سماعي لبكائها يومًا

سئِمٌ من الأزهار وغناء الشعراء 

ويوسف فوق هذا ليس طويلًا ليحاول

 

*

 أما قصيدة "سوزان آن والخلود" فهي تنوع آخر في الثيمة العامة في شعر هيوم -العلاقة بين المدى الفسيح للسماوات وصغر الأشياء الأرضية الراسخة تحت أقدامنا: 

 

مدلًّى رأسها إلى الأسفل 

محدقةٌ إلى الأرض، وثابتةُ الحماس 

مثل أرنبٍ  عند ابن أوى 

حتى كانت الأرضُ سماء

والسماء خضراء

ومرّتْ الغيوم البنيّة

                             *

وفي القصيدة "الشاعر" وهو شخصية تحلم بشاعرية مؤسسة على الصور المركَّزة أكثر من الصور الشعرية المجرَّدة المبتذلة: 

 

فوق الطاولة الكبيرة 

انحنى بابتهاج في حلمٍ 

تحوَّل إلى أخشاب 

تحدَّثَ ومشى مع الأشجار مغادرًا العالم 

وعاد إلى الأرض 

مع مجوهرات ملوَّنة 

حجرية، وصلبة، ومحددة 

بها لعبَ في الحلم على الطاولة الملساء

 

                           *

ويعقد في قصيدة "الغروب" مقابلة مدهشة بين الرمز الرومانسي التقليدي (وهنا الغروب أكثر من القمر) مع شيء غير متوقع "راقصة باليه":


زعيمُ حزب طامعٌ بالإطراء

وممانعٌ عن مغادرة المنصّة 

بسِحرها الختامي، توازنت ساميةً على إصبعها

ومظهرةً لباسها القُرمزي الغيوم الشفقيّة

وسطَ همهمات المنافسين المتذمِّرة 

*

انشغلت بعض قصائد هيوم بالتعامل مع شخصيات متهاوية، أناس فقدوا كل شيء وألفوا أنفسهم يحلمون بشيء لا يستطيعون الحصول عليه الآن. فأما القصيدة الأولى قصيرة وأقل شهرة عن السير والتر رالي: 


محبوسٌ رالي في البرج المظلم 

حالمٌ بالبحر الأزرق 

وما وراءه في فردوسَ ذاتِ مَدارٍ لم يُدرك- نما مِسكٌ...


 والأخرى وهي لربما أشهر قصائد هيوم "الجسر" (قصة خيالية لانهيار رجل وقور في ليلة باردة ومُرَّة):

في غمرةِ عذوبة الكمانات 

ألفيتُ نفسي ذات مرة 

منتشيًا بوميض الكعوب الذهبية على الرصيف 

أرى الآن دفء أشياء الشعر الدقيقة 

يا إلهي.. 

اجعل دثار السماء القديم الآكل للنجوم صغيرًا 

فقد أتلحف به وأستلقي مرتاحًا 

 

المصادر: 

  • Writers their lives and works.(Book)


  • Poetry Foundation.
  • Academy of American poets.
  • Interesting literature.

(Websites)

الجمعة، 22 مايو 2020

مرتفعات وذرينغ - إيميلي برونتي



بعد تجاوز المحطة الأولى في القراءة للأخوات برونتي- مع آن برونتي وروايتيها "أغنيس غري ونزيلة ويلدفيل هال"، فقد كانت المحطة الثانية مع مرتفعات وذرينغ لإيميلي برونتي الرواية الإنجليزية الكلاسيكية "المبتورة في ورشة عمل بريّة بأدوات يسيرة مصدرها مواد منزلية" على حد وصف أختها شارلوت برونتي. رواية واحدة كانت كفيلة بأن تجعل من إيميلي إحدى الأديبات الخالدات، بعملها الجامح ولغتها التي تتأرجح بشكل تتابعي ما بين الرقة الغارقة بالعاطفة البدائية (نابعة من أراضي هاورث البرية، لم تشبها أو تغيّر رونقها حياة المدينة ولا الزيف الإنساني الحضري) وبين القسوة والكراهية البدائية (استمدتها من حياة قاسية بدأت بوفاة أمها بعد ولادة أختها الصغرى آن، ووفاة أختيها فيما بعد ماريا وإليزابيث، وظروف عيش غير مرفَّهة سواء في المدرسة الداخلية حيث درست أو منزل سُكناها، ثم عمل مربيةً أشبه بالعبودية استمرَّ لسبع عشرة ساعة لم تطقه إيميلي المرهفة الشعور والجسد)، لنقف على لغة تمتاز بمفردات الحب والبغض، وإحساس وشاعرية، تنتمي إلى الأرض والبراري والطبيعة الحيّة والتلال والسهول حيث ترعرعت إيميلي. تكتب عن الحب بقلب عاشقة ملتاعة وتكتب عن الكره بسوط جلّاد لا يعرف الرحمة، إلا أن مرتفعاتها لم تُكتب لأجل الرحمة بل كتبت للعذاب والألم فنشم في مفرداتها رائحة البغض والنكد والألم والحقد والتعب والإعياء والهزل والكآبة والظلام والسوداوية والجحيم والوحوش والشياطين والعذاب. وتستند إيميلي إلى ملكة مفردات غنية فنراها تستثمر المرادفات الكثيرة في تقوية نسيج عالمها المشبع بالاختناق والضيق والضياع في بين أروقة وذرينغ تحت سطوة شر شيطاني انتقامي لا يعرف الرحمة متمثلًا في شخصية هيثكليف. 
لسوء الحظ فقد قرأت الرواية في بادئ الأمر بترجمتها العربية (عن المركز الثقافي العربي) لأكتشف أني قرأت نصًا مشوَّهًا بعد أن وجدت خطأين في السرد، يتحول فيه السارد بضمير المتكلم -الذي كان الأسلوب السردي الوحيد في الرواية- إلى سارد عليم، وبعد التأكد من النص الأصلي هالتني الكارثة وأنني قرأت ما لم يجب أن أقرأه*، فلم أجد بدًّا من العودة مباشرة وقراءة النص الأصلي بلغته الإنجليزية. 

تدور أحداث الرواية في ثلاثة أجيال (الجيل الأول ثانوي، والآخران رئيسان) لعائلتي إيرنشو ولنتون، في أكثر من ربع قرن من الزمن. تتوزع الشخصيات في العمل بشكل متتابع، مجموعة شخصيات تلو الأخرى مع ثبات شخصيتين هما الشخصية المحور "هيثكليف" والشخصية الساردة (بؤرة السرد) للقصة وعرّابة الرواية الخادمة إلين دين "نيلي". 

     (زيجات أسرتي إيرنشو ولنتون)

وما بين مرتفعات وذرينغ وقصر ثروشكروس غرانغ تدور رحى صراع عنيف بين الحب والكره، والخير والشر، تتمازج هذه الأقطاب الأربعة وتتحد في تكوين شخصيات العمل، فلا تتفرد شخصية بقطب حتى ينازعها قطب آخر باسثناء هيثكليف الذي مثّل قطب الشر وإلين دين التي مثَّلت قطب الخير. تبدأ عجلة الرواية بالتحرك قدما بظهور اللقيط هيثكليف مع الأب إيرنشو جالبًا إياه من زيارته إلى ليفربول، لا يعرف له أصل ولا أثر يُقتفى، تتداخل عوامل القدر والإنسان في تكوين علاقات حب وكره ما بين الشخصيات الرئيسة في كلا الجيلين الثاني والثالث لتشكل مجموعة من المراحل والفصول التي تستوجب الوقوف والدراسة على حدة، ومن أبرزها حب هيثكليف وكاثرن إيرنشو، ثم كره هيثكليف لعائلتي إيرنشو ولنتون وسعيه الدؤوب في محو أثر هاتين العائلتين على مدى سنوات طويلة. 

هيثكليف
(حب متطرف وشر مستطير)

يحوز هيثكليف على البطولة في العمل، ولو اقتصر الحديث عليه لما ظلمنا الرواية ولا انتقص من قدرها شيء فكل الأحداث تقريبا مرتبطة به وتدور حوله من قريب أو بعيد. وهي شخصية ذات تركيب عجيب من الشر الشيطاني الانتقامي الذي لا يعرف الرحمة والحب البربري الهمجي الذي لا يعرف الكلل، ضاربًا عرض الحائط الحدود الفاصلة ما بين الحياة والموت، ويجعلهما وسيلة يحب من خلالها وينتقم عبرها. 
لا يمكن تعريف الحب لديه بمعاني الحب المألوفة عمومًا فحبه موَّجه لشخص كاثرن فحسب، يسعى من أجله لينتقم من كل سبب فرَّقه عنها، ومِن كل ما له صلة بها. وهنا المفارقة الغريبة في هذا الحب المتطرف غير المعتاد أو لأسمِّه "الحب الشراني" الذي يصبح دافعًا قويًا للانتقام والكراهية والبغض والسادية، تتسلل روح الشيطان في جسده الضخم والقوي، فبهجته في تعاسة من يكرههم ولهم قرابة نسب بحبيبته، وراحته في عذابات من ينتمي للعائلتين كانتا سببًا في تمرّده على ذاته الإنسانية التي قُتلت فيها كل الخير تقريبا وحوّطت بالأسوار العالية بقاياه فمسخته عفريتًا بشعًا وغولًا مفترسًا ووحشًا فظيعًا- سواء من كانوا سببًا مباشرًا أو من هم برآء من خطيئته. تلتمس شخصيات ضحاياه هذه السمات المتوحشة والشرّانية فتقول إيزابيلا لنتون (زوجته) لنيلي:   

- وحش! أيمكن أن يُفنى خلقه أو يُمحى ذكره! 
- صه صه! إنه كائن بشري. كوني أكثر تلطَّفًا، ثمة رجال أسوأ منه. 
- إنه ليس ببشري. 

ويقول إدغار لنتون لابنته كاثرن:

- لا لم يكن ذلك لأني أكره السيد هيثكليف بل لأن السيد هيثكليف يكرهني، إنه الرجل الأكثر شيطانية، بهجته في ظلم وتدمير من يكرههم إذا منحوه أيسر فرصة لفعلها.

عرفت هذه الشخصيات المحيطة به طبعه الشرَّاني، ويعرفها القارئ بتقدمه في القراءة حتى يصل إلى مرحلة يقف بها على شخصية عجيبة، ومتعددة الهُويات، فلا هي بالشريرة المطلقة ولا يبدو عليها أنها تحمل سمات خير، بل إن الخير فيها يخشوشن ويتصلب فيبدو صورة من صور الشر. 
إن الحديث عن هذه الشخصية لا يكتمل ولا يُؤتي أُكله دون البحث في الأسباب التي أدت إلى جعله هكذا، ولا بد كذلك من فهم علاقته بكاثرن إيرنشو التي تمثل هي الأخرى هيثكليف آخر، لكنها هيثكليف إنثوي لم تُتحْ لها الفرصة في أن تفترَّ عن نابها وتفترس ضحاياها بالشكل الذي أتاحه القدر لهيثكليف، لذا فإن فهم هيثكليف وعلاقته بكاثرن قد يُوصلنا إلى نقطة محورية في تشابه هاتين الشخصيتين أو الانقسام الثنائي لفكرة ما أو شخص تعتّق كثيرا في مخيلة إيميلي. 
تبدأ قصة هيثكليف حين يعود به إيرنشو الأب من ليفربول بعد أن يجده مشردا في الشارع وبلا مأوى، ويسميه هيثكليف باسم ولد له مات صغيرا. تفتح هذه التسمية باب احتمالية علاقة سِفاح جمعت ما بين أخوين (هيثكليف وكاثرن) وليس بالضرورة أن تكون إخوتهما إخوة دم، بل هي إخوة من نوع خاص لا يحقُّ لأي علاقة أن تجمعها وتفكَّ أزرار ثياب جسديهما دون أن تصيبهما اللعنة، التي تجسدت في هثيكليف. (خطر ببالي أن هذه العلاقة بين هيثكليف وكاثرن قد ترمز لحب بين إيميلي وأختها آن، أو إيميلي وأخيها برانويل. وليس بالضرورة أن تكون علاقة فعلية، لكن محاولة إيميلي أن تجسِّد طبيعة ومآلات هكذا علاقة، وجعلت من سبب التسمية وإشارات أخرى سأذكرها قد تكون تلميحًا للعلاقة الحقيقية المقصودة التي حاولت سبر غورها وعرضها في عملها. لكني لا أريد أن أختلق فكرة ثم أحاول إثباتها من النص بليِّ عنقه بل سآخذ النص بما يحويه من دلالات قد تُثبت ما ذهبتُ إليه). ينال هيثكليف الطفل حب وإيثار الأب إيرنشو، وتفضيله على ابنه هندلي وابنته كاثرن، هذا التفضيل الذي يطرح أسئلة مهمة: ما مزية هذا الطفل الذي جلبه من الشارع ليفضَّله على ابنيه؟ ما احتمالية أن يكون هذا الابن هو ابنه؟ ما دوافع إيرنشو الأب من فعلته هذه وحظوة هيثكليف الطفل لديه؟ والأهم من كل هذا، هل اعترف إيرنشو الأب لهيثكليف عن سبب ما قام به لأجله؟ هذه الأسئلة التي تبقى أجوبتها ظنية لا قطعية، ستعطينا أول الإشارات عن وحشية العلاقة بين كاثرن وهيثكليف، وكيف كبر الحب وتضخَّم، ثم انقلب وبالا عليهما، وخلق من هيثكليف واحدة من أشنع الشخصيات الشريرة في عالم الرواية. 
تنقلب حال هيثكليف بعد وفاة الأب، ويبدأ هندلي برحلة انتقام بأثر رجعي من هيثكليف، عازلا إياه عن الأسرة، ومُنزلًا قدره إلى درجة الخدم في قصر ويذرنغ. ونتيجة لهذه الفعلة، تنمو بذرة الشر شيئًا فشيئًا وتمسخ هيثكليف إلى كائن خيالي الشر، فنقرأ قوله وهو ما يزال فتًى لنيلي:    

سأكون قذرا كما أحب، ويُعجبني أن أكون قذرا، وسأبقى قذرا. 

ويقول:
أحاول أن أستقرَّ على الطريقة التي أسدد بها الدين لهندلي. لا يهم طول المدة التي أنتظرها إذا استطعتُ فعلها في الختام. آمل ألا يموت قبل أن أفعلها!... كل ما أرغب به أن أعلم أفضل وسيلة! اتركيني وحدي، وسأجد خلاصي: فحينما أفكر في ذلك لا أشعر بالألم. 

من هذين الاعترافين لهيثكليف نقف على أهم سمتين خلقهما لنفسه: القذارة ولذة التفكير بالانتقام المُنسية للألم. 
ترافق كاثرنُ هيثكليفَ في سنوات حياته الأولى وبعد انقلاب حاله بوفاة إيرنشو في حب طفولي ومشاعر نقية تكبر معهما إلا إن ضِعة قدر هيثكليف الاجتماعي يجعل من كاثرن مترددة من الارتباط به، أو هذا في الأقل ما تعلن عنه صراحة، لتزداد الفجوة بينهما بدخول إدغار لنتون على خط الأحداث وغرامه بكاثرن، التي لا تجد عائقا من حبه وقبول الزواج به، مع هذا التغيّر الرئيس الثاني في حال هيثكليف تزداد حدة هذا التضخم الشراني والتشوّه النفسي الذي سيتوَّج بانتقام مرير لا تخبو ناره لسنوات طويلة. ويعترضنا عارض هنا متمثل في مشاعر كاثرن تُجاه هيثكليف وإدغار، فتصف مشاعرها لإدغار مثل أوراق الشجر المتغيّرة مع الفصول، في حين هيثكليف صخرة راسخة لا تتغير (في هذا التوصيف استطراد يسير على طبيعة لغة إيميلي الممتدة الجذور في الطبيعة، فتوصيفاتها نابعة من الطبيعة، التي رآت أنها -كما تشير وينفريد إحدى كاتبات سيرتها- منتهية في ذاتها. فهم العلاقة بين إيميلي والطبيعة حيث عاشت في هاورث يجلي عن أبصارنا الغبش أولا عن مادة لغتها ومن أين استمدتها، وثانيا في فهم علاقة شخصيات روايتها بالطبيعة والأراضي المحيطة بهم، فتذكر على سبيل المثال كيف كان يتسلل هيثكليف وكاثرن في صباهم إلى الأراضي في وذرينغ وقضاء ساعات يتجولون فيها، وهنا تعيد إيميلي استثمار خبرتها الحياتية في هاورث وكيف قضت طفولتها في تلك الأراضي البور ذات التلال، ومرافقتها أختها الصغرى آن إلى هناك، التي كانت هي الأخرى ذات علاقة مميزة مع الطبيعة ظهرت في قصائدها وروايتيْها).    
ثم تعترف كاثرن لنيلي عن ماهيّتها النفسية وتشابهها مع هيثكليف فتقول: 

نيلي لأنه يشبهني أكثر مما أشبه نفسي. وبغض النظر ممَّا قُدَّت روحيْنا، فروحي وروحه متشابهتان.

وتقول:

نيلي أنا هيثلكيف!

إنه دائما، دائما في عقلي: ليس بسلوًى لنفسي أكثر مما أنا دائما سلوى لها لكن بكونه ماهيتي. 


هذان الاعترافان وبالوقوف عندهما، أميل إلى إنَّ شخصيتا كاثرن وهيثكليف هما انقسام لذات واحدة، ولا يمكن أخذ أحدهما بانعزال عن الآخر، فهما كتلة واحدة متداخلان ومتجذِّران بعضهما ببعض، لذا فإن الانتقام أحدهما من الآخر هو انتقام من الذات، وحب أحدهما للآخر هو حب الذات، والنتيجة ستكون أن الخير والشر الناتج عنهما يفوق الوصف والخيال، فهما نقيان ولا تشوبهما شائبة، ويُقدَّم بروح بربرية همجية مترعرعة في أرض بور، ومنتمية إلى الطبيعة التي لا تخرج عنها. وبالعودة إلى طبيعة العلاقة التي جمعت الاثنين أو الواحد (لو افترضنا أن إيميلي خلقت شخصيتين هما في الأساس تعبير عن عشق المرء لذاته) يقول هيثكليف معترفًا لكاثرن قُبيل وفاتها:     

لقد علَّمتِني الآن ما أقساك، لقد كنتِ قاسية ومخادعة. لماذا احتقرتني؟ وخنتِ قلبي يا كاثي؟ لا أجد كلمة مواساة واحدة. أنتِ تستحقين هذا. لقد قتلتِ نفسكِ. نعم، قد تقبِّليني، وتبكين، وتغصبين قُبلاتي ودموعي اللاتي ستُخرِّبُكِ وتلعنُكِ. لقد أحببتني وقتها فبأي وجه حق تركتني؟ بأي حقٍ أجيبيني لأجل نزوة حقيرة ألَّمت بكِ تُجاه لنتون؟ لم يكن بإمكان التعاسة أو الطبقية، أو الموت، أو الله، أو إبليس، أن يفرِّقوا بيننا. أنتِ، وبإرادتِكِ، فعلتِها. لم أكسر قلبك لقد كسرته بنفسكِ، وفي غمرة انكساره كسرتِ قلبي معه. وأسوأ ما في الأمر أنني قوي. هل أرغب بأن أحيا؟ أي نوع من الحياة ستكون حينَ تكونين أوه، رباهَ، أسترغبين بالحياة مع روحكِ في القبر؟  

لكن هذا لم يكن يكفي ليمحو الحب ولا يزيل تأثيره من قلب هيثكليف بل سيتحول هذا الحب بعد موت كاثرن إلى حب متطرِّف ومُغالٍ (كما في مشهد حفر قبرها والرغبة برؤيتها وعناقها) ودافعٍ إلى الشر والانتقام من عائلتي إرينشو ولنتون ومحو ذكراهما من الوجود. تبدأ سنوات الشر المستطير على هاتين العائلتين وأفرادهما لتصل إلى درجة الانتقام من أبناء لا ذنب لهم فيما جرى له لكنه الشر الذي يُعمي صاحبه. يبدأ الانتقام بالزواج بإيزابيلا راسمًا من الزواج حقلا أمثلَ من السوء في التعامل والازدراء، ويصل الانتقام من هندلي وإدغار (العدوان الرئيسان) بعد وفاة كاثرن إيرنشو إلى ذروته في طوره الأول وبموتهما يدخل الانتقام في في طوره الآخر من سليلهما (هرتون هندلي الذي يصبح ملكًا لهيثكليف بعد وفاة والده وخادما له في مرتفعات وذرينغ التي استحوذ عليها هيثكليف بسبب سوء تدبير هندلي وتدهوره الصحي والعقلي بعد وفاة زوجته فرنسيس، وكاثرن إدغار)، كل هذا من أجل محو ذكر العائلتين، وفي سبيل هذا الهدف تموت زوجته إيزابيلا، ثم يموت ابنهما (لنتون) الذي يستغله هيثكليف ليكون مطيلة الحصول على كاثرن إدغار التي ينالها في الأخير. 
لا يفرق الانتقام الذين يناله هرتون وكاثرن شيئا من الذي ناله سابقيهم، لكن من هذين الاثنين تبرز الذكرى الشبحية التي ستعجّل  من نهاية هيثكليف. فالجسارة التي امتلكتها كاثرن البنت هي جزء من جسارة كاثرن الأم (حبيبته) وبوفاة زوجها (لنتون هيثكليف) تزداد كاثرن قسوة وقوة وتشي هذه الكلمات بطبيعتها: 

- لقد تركتني مدة طويلة أصارع الموت وحدي، وما أشعر به وأراه الموت فحسب! أشعر كالموت! 

أما هرتون فإنه رغم حبه لهيثكليف وكره الأخير له فقد امتلك ما لا يستطيع هيثكليف مقاومته: 

- لكن حين أبحث عن والده في وجهه، أراها في كل يوم أوضح! ما أكثر شبهه بها بحق الشيطان؟ بالكاد يمكنني تحمل رؤيته.    

هرتون هو الضربة القاضية التي كلما تقدم الزمن اشتدت شراستها على هيثكليف حتى وصلت به إلى حتفه.  
*** 
وما أستدرك به الذي سبق هل هيثكلف شرير بالمطلق؟ الجواب لا. إنَّ شر هيثلكيف مقتصرٌ على من آذوه، لكنَّ الآخرين ليسوا أهلًا لنيل خيره أو إنه فقد القدرة على منح الخير أو حتى نسى ما هو الخير. وفي تقرب هيثكليف وصداقته للخادمة دين دلالة على بقايا الخير فيها فهو لم يحاول إيذاءها، ويرى فيها شخصًا قريبا له يفضي له بأسراره ويحكي له عن حاله في أكثر من مرة، وإن دل هذا على شيء فهو إنَّ نزعة الشر عنده موجَّهة لا عبثية. 
وكيف تُفسَّر إساءته إلى كاثرن إدغار وهي قطعة من كاثرن إيرنشو، التي من المفترض أن تكون قريبة إلى قلبه، واستمرار ازدرائه لهرتون وهو الذي يذكره وجهه كل يوم بكاثرن إيرنشو؟ 
تبدو الإجابة الأكثر مقبولية في رأيي متمثلة في فقدان السيطرة على الانتقام، وأن حبَّه لكاثرن حب خاص لا يمكن الوصول إلى ماهيته الفعلية لأنه تشوَّه ووصل مراحل امتزج فيها بالشر والأذية، وصار تذكيرا بخيانة الذات الهيثكليفية-الكاثرنية للذات الكاثرنية-الهيثكليفية، فهذا النقض للاتحاد بين الذاتين (أو الذات المنشطرة إلى نصفين) أعمى بصيرته بما لا يمكنه التمييز بين العدو والصديق في هاتين العائلتين، وفقدان بوصلة الخير والشر فيما يخصهما، ليصبح الجميع أعداءً له، ولكل منهما أجله ونصيب من الانتقام.   

السرد في الرواية     
   
إن السرد في الرواية قد نُسج بدراية ومعرفة، توالى عليه السيد لوكوود والخادمة إلين دين "نيلي" بسرد بضمير المتكلم، فقد أمسك بزمام عرض القصة وإنهائها لوكوود، وأما إلين دين فقد كانت هي الشخصية الحاضرة في ثلاثة أجيال من الأسرتين وعاصرت موت جميع الشخصيات خلا كاثرن لنتون البنت وهرتون إيرنشو، والتي قصَّت على مسامع السيد لوكوود قصة هيثكليف والبقية بأسلوب حكّاءة لم تغفل أي جانب من جوانب قصتها الأمر الذي أثار اهتمام واعجاب مستمعها الذي قال مشيدًا بها: 
لقد أتممتِ بشكل صائب سرد القصة بمتعة. هذه هي الطريقة التي أحب، ويجب أن تنهيها بذات الأسلوب. أنا مهتم بكل شخصية ذكرتِها قليلًا أو كثيرًا. 

لذا فنحن نقف على مستويين من السرد والزمن، السرد الآني الذي يتكفل به لوكوود والسرد عن الماضي الذي تتكفل به نيلي، وهي هنا تلعب في قصتها دورين في آن واحد- دور الشخصية ودور القاصة، إلا أن هذه القاصة لم تكن لتسرد القصة بمفردها، فهي في الأخيرة شخص يعيش في مكان واحد ويلتقي بأشخاص محددين في كل حين ولا يمكنها أن تعلم ما يحدث مع الجميع في مكان تغيب عنه أو حدث بعيد عنها، وهنا بالذات نقف على معرفة إيميلي بالفن السردي البنيوي الذي انتهجته في جعل ساردتها متمكنة من مادة قصتها، فترفدها بالمعلومات والأخبار والأحداث من قبل ساردين ثانويين (امتازوا أيضا بدوريْ المعايشة للأحداث وقصها) يمدونها بما تحتاجه لتكتمل معرفتها، فكانوا الروافد الصغيرة التي تُزوِّد النهر السردي بماء الأحداث. يتنوع هذا التزويد بوسائل مختلفة وشخصيات متعددة، سواء عبر سرد شفاهي كما حدث في حكي هيثكليف لنيلي ما وقع له وكاثرن لدى آل لنتون، أو ما تقصه زيلا لها بشأن كاثرن البنت بعد دخولها إلى مرتفعات وذرينغ، أو في رسالة إيزابيلا التي تقص فيها ما حصل لها وعايشته في أول يوم تصل فيه إلى مرتفعات وذرينغ بعد هربها مع هيثكليف وما تلاه ، وفي حكي كاثرن البنت لها عن ذهابها وقت مرض الأخيرة إلى مرتفعات وذرينغ للقاء لنتون هيثكليف، وفي حكي المرأة الخادمة، وفي حكي لنتون هيثكليف العليل. 
بتجمع كل هؤلاء الذي يتناوبون بالتتابع وفي مدد مختلفة متقاربة أو متباعدة، تكتمل فصول القصة التي امتدت لأكثر من ربع قرن لعرّابة الرواية إلين دين، التي تلقي ما في جَعبتها في أحضان السيد لوكوود ود. 
    

______
* إن ترجمة المركز العربي الثقافي خلقت نصًا مشوها ومحرَّفا وناقصا يستحق فاعله كما يصف الجاحظ المترجم الذي لا يتقن عمله "أن يُقام على المصطبة" أي يُشهَّر به كي لا يعود لتكرار جريرته أو يترك هذا العمل لمن هو أمين وصادق ومخلص متقن. وسأضع طائفة من الشواهد على هذه الجريمة، اكتشفتها دون تقصٍ أو بحث خاص، إنما استنادًا على حدسي والتأكد منها بالعودة إلى النص المترجم. وسأضع رابط الكتابين (الأصل والترجمة) ليتسنّى لمحبي التقفي والتتبع العودة إليها فلستُ من هواة هذا وما كشفي إلا لأني وقعتُ ضحية لهذه النسخة وأضعت من وقت القراءة أربعة أيام عليها. 

١- نجد أنَّ المترجم أو المترجمين قد بدأ/وا خيانة النص والغش في العمل منذ الصفحات الأولى بحذف سطور عديدة تخص حديث السيد لوكوود عن هيثكليف ونفسه. 




٢- نقرأ في الشاهد الثاني على عدم الأمانة، الاختصار المجحف لحلم السيد لوكوود الأول، وترجمته في أسطر معدودات.


٣- في الشاهد الثالث، هو عدم ترجمة كاملة للنص، فنلاحظ في الحلم الثاني تساؤل السيد لوكوود عن سبب حلمه بكاثرن لنتون على الرغم من أنه قرأ اسم كاثرن إيرنشو بدلا عن كاثرن لنتون عشرين مرة؟ لكن الترجمة حذفت هذه الإضافة! وكأن الترجمة تمَّت وفقا لمزاج صاحبها الكليل وفكره القاصر ومخليته الناقصة.

 


٤- في الشاهد الرابع، نتيقن أن من ترجم لم يفهم العمل، ولم يدرك طبيعة العلاقة بين الشخصيات، إذ أنه اختصر عدم نداء إدغار لنتون لابنته باسم كاثرن لأسباب توضحها الكاتبة لكن المترجم اختار طريقًا أقصر لا يؤدي إلا إلى إثبات غباءه وترجيح ذائقته السقيمة على فكر المؤلف ناهيك عن اختصار الترجمة للسطور التي تليها. 




٥- أما الشاهد الخامس والذي يليه، أجدهما أشد وطأةً من جميع الأخطاء السابقة والواردة في الترجمة، فبعد خيانة الترجمة (التي يمكن أن نلتمس لها الأعذار وهي أعذار أقبح من الذنب)، نقع على تشويه لفن السرد وأسلوبه في العمل، وكما يقال ليس ثمة جريمة كاملة، فقد كان هذان الخطآن هما دليليْ اللذين أوصلاني إلى اكتشاف الجريمة الكبيرة، ففي الشاهد الخامس حرّفت الترجمة أسلوب السرد للأصل من سرد سارد بضمير المتكلم (سرد مباشر) إلى سرد بضمير الشخص الثالث (سرد غير مباشر)! وهذا الخطأ يدل على فقر المترجم فنيا بوقوعه بخطأ مثل هذا. وكذلك نجد تغيير معنى تعليق نيلي دين على إطالتها في حكي قصتها وركاكة الصياغة، فالصحيح أن يُترجم النص: كان بإمكاني أن أقصَّ عليك ببعض كلمات كل ما تريد سماعه عن تاريخ هيثكليف.




٦- وكرر الخطأ الفني كما في الشاهد السادس بله عن خيانة الترجمة والحذف والتلاعب كيفما شاء. 


لا أقول إن هذه الشواهد الوحيدة على عدم الأمانة في الترجمة والتلاعب بالنص وخداع القرّاء لأن هناك شواهد أخرى لم أذكرها، وغيرها لم أتأكد منها، وغيرها لم أكتشفها. ويكفي ما وضعته فمثل هذه النسخة يجب أن تحرق وتعتذر الدار الناشرة عن جريمتها المقصودة أو غير المقصودة، وأشك أنها غير مقصودة وإلا لوضعت اسم المترجم، وتعوّض مقتني هذه النسخة بترجمة نسخة كاملة مع ذكر اسم المترجم وتقديمها لمن اشترى الأولى بلا مقابل بدلًا. 

رابط النسخة الأصلية: 

رابط النسخة المترجمة: 

مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...