الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

الأستاذ - شارلوت برونتي

 


لعبت تجربة بروكسل، الأرض الموعودة كما وصفتها شارلوت، في سني 1842-1844 دورا مهما في حياتها إذ حفّزَتْ فيها دافع الكتابة بعد نهاية تلك الرحلة التعليمية على نحو يُمكن وصفه بالمأساوي، لكنها بذات الوقت حملت في طياتها منعطفًا مهمًا في مسيرتها الأدبية حتى إن الناقد الإنجليزي ماريون سبيلمان قال إن شارلوت "صنيعة بروكسل" إلا إن هذا القول مبالغ به إذ كانت محاولات شارلوت في الكتابة أسبق من ذلك فقد راسلت الشاعر ساوثي في عام 1837 تطلب منه رأيه في كتاباتها الشعرية وقضت شتاء عام 1840 في الكتابة القصصية، دون نسيان كتابات مرحلة الطفولة مع أخواتها وأخيها برانويل، كل هذا يبيّن لنا أن الكتابة كانت جزءا من حياة شارلوت وليست وليدة بروكسل. ويبدو قرار الكتابة موجودا سلفا لكنه وغامض وغير مؤكد في اختياره فتذكر في إحدى رسائلها الباقية لقسطنطين هيغر والمرسلة في عام 1844 بعد عودتها من بروكسل: "إنَّ ضعفَ البصر حرمانٌ فظيع أخافه -وبدونه أتدري ما الذي سأفعله يا مسيو- سأكتب الكتب وسأهديها لأستاذي في الأدب، إلى أستاذي الوحيد (سيدي) الذي حظيتُ به يومًا- إليكَ مسيو. أخبرتكَ مرارًا بالفرنسيّة ما أكثرَ توقيري لك، وما أكثر ما أنا مدينة للطفك وعطفك ونُصحك، وأرغب بأن أخبرك لمرة واحدة بالإنجليزية- أن هذا لا يُمكن حدوثه، ولا يجب أن أفكِّر به فالمسيرة الأدبية مُوصدة الأبواب في وجهي، التعليم فحسب أبوابه مُشرعة قُبالتي مع أنه لا يُقدِّم ذات الإغراءات، لا تكترث لأنني سألجه وإذا لم أصل فيه إلى محطة بعيدة فلن يكون هذا بسبب نقص الجهد المبذول".

تكشف لنا كل هذه المعلومات عن كون بروكسل محطة ساعدت في تخمير موهبة شارلوت أكثر ثم كانت دافعا مضاعفا للشروع في الكتابة لتكون مهنة -نوعا ما- لا سيما بعد فشل مشروع افتتاح المدرسة الداخلية في هاورث وهو السبب الذي أخذها وإيميلي إلى بروكسل لزيادة حظوظهن في اللغات والأدب. إضافة إلى أن هاتين السنتين كانتا بمثابة تطهير لذات شارلوت أكسبها مرارة الحب وفاقمَ معاناتها بمعاناةٍ حبٍّ ذاتية لم تكشف عنها صراحةً لكنها انعكست في منتوجها الأدبي وجعلت من مرحلة بروكسل وأستاذها هيغر مادة غنية ومنبعا لتوليد أفكار رواياتها وكما تقر في رسالتها إلى ناشرها، سميث، حول رواية فيليت قائلة ’سترى بأن "فيليت" لا تُلامس القضايا ذات الاهتمام العام؛ لا يمكنني كتابة كتب عن مواضيع الحياة اليوميّة ولا فائدة من المحاولة، كما لا يمكنني تأليف كتابٍ من أجل غايته الأخلاقية، ولا أستطيع أيضًا التعامل مع مواضيع السعي نحو خير البشرية رغم تبجيلي لها إذ سيغطي حجاب التلقائية والإخلاص وجهي قُبالة موضوع مهم كالذي كتبت فيه الآنسة بيتشر في روايتها "كوخ العم توم". فمن أجل هذه المواضيع لا بد من دراستها مطوّلًا نظريًا وعمليًا، فتُعرف حُمولاتها بصدقٍ محض، وتُحسُّ شرورها بحقٍ وحقيق، ولا يجب أن يحمل امرؤ على عاتقه هذه المواضيع في عمل ربحيّ أو يفكِّر فيها تجاريًا‘. وينسحب هذا على رواية جين إير حين كتبت على مخطوطتها وظهرت على غلاف الطبعة الأولى عبارة "سيرة ذاتية". فشارلوت تكتب ذاتها في رواياتها وتستمد من حياتها مسارًا يحدد اتجاهات رواياتها وتنقلاتها وبُنيتها وشخصياتها وأحداثها. ولا يمكن بحال من الأحوال التغافل عن الأستاذ قسطنطين هيغر الرجل الوحيد الذي أحبته واعترفت له أنها حين تتكلم بالفرنسية تشعر وكأنها تحدّثه مما جعل لهيغر واللغة الفرنسية حضور جليّ في رواياتها، كما كانت وظيفتا المربية والمعلمة وجود رئيس في رواياتها وهذا ما نجده في رواية الأستاذ التي تمحورت حول شخصية وليم كريمسوورث الذي يسافر إلى بروكسل بحثا عن عمل لينتهي به المطاف أستاذا في مدرسة بنات. 

ولأترك شارلوت تحدثنا عن "الأستاذ" في مقدمة موجزة كتبتها بعد نشر رواية شيرلي في عام 1849، وهي المقدمة المثبّتة مع الرواية (وهي غير مترجمة إلى العربية؛ ترجمتها هنا): 

"كُتبت هذا الرواية الصغيرة قبل "جين إير" و"شيرلي" وما من تساهل يُمكن أن يُستجدى بحجة أنها المحاولة الأولى. ولم تكن المحاولة الأولى بالتأكيد مثل القلم الذي كتبها وقد بُري في الكتابة جيدًا خلال السنوات الماضية. لم أكُ قد نشرت شيئًا قبل شروعي بـ"الأستاذ"، لكني بذلت جهدًا كبيرًا في كتاباتٍ غيرها، مزَّقتها فورَ تأليفها تقريبا، وتخلَّصت من أي شيء بدا كما لاحظتُ سابقًا بأنه مُزخرف وذو إطناب في تأليفه، وبدأت بتفضيل كل ما كان واضحًا ومألوفًا. تبنَّيتُ في ذات الوقت مجموعة من المبادئ حول "موضوع الحدث (سلسلة من المراحل تُشكِّل الحدث)" التي من الممكن أن تُثبت عمومًا نظريًا لكن غالبا ما جاءت نتيجتها، عندما طُبِّقت، مفاجئة مُؤلِّفها أكثر من إبهاجه. 

قُلت لنفسي لا بد لبطلي أن يشقَّ طريقه في الحياة كما رأيت الرجال في الواقع يفعلونها- بأن لا يحصل على شِلن واحد لم يجنه بيده، ولا أن يحظى عن طريقه الصدفة بما يرفعه إلى حياة الثروة والمكانة العليّة، وبغض النظر عن المنافسة الصغيرة التي يدخلها لا بد أن يفوز فيها بعرق جبينه، وقبل أن يتمكن من الاستراحة كما يفعل أي عاملٍ فيجب عليه أن يقطعَ في الأقل نصف "تلّة الصعوبة"، ولن يكون من نصيبه زواج فتاةٍ جميلة أو سيدة رفيعة المستوى. وكابن آدم عليه مواجهة مصير آدم المحتوم، ويستنزف في حياته كأس البهجة ذا المزيج الخفيف. 

في محاولتي لنشر هذا الكتاب وجدتُ الناشرين في العموم نادرًا ما يوافقون على هذا النظام القصصي، ويفضِّلون ما كان أكثرَ تخيُّلًا وشاعرية- شيئًا منسجمًا مع خيالٍ إبداعي رصين، مع ميلٍ نحو الرثاء العاطفيّ، ومشاعرَ رقيقة وسامية وغِرَّة. في الحقيقة، لا يُمكن لمؤلف أن يعرف أبدًا مخزون الشاعرية والإحساس الكامن بين جوانحه ولا أن يشكَّ باحتواء صدره كنوزًا ثمينة حتى يحاول الكشف عن مُسوَّدة من هذا النوع. عادة ما يُظنُّ أنَّ الرجال في التجارة يفضِّلون الواقعيّ على تجربة الفكرة التي ستبدو وهميّة في الغالب: يحثُّ تفضيل حميميّ للجامح والرائع والمثير -الغريب والمُفاجئ والمُوتِّر- الأرواحَ الغوَّاصة التي تُظهر الهدوء والرزانة. 

هكذا ستكون القصة، وسيدرك القارئ بأنَّ هذا ما يجب أن يصل إليه في صيغة الكتاب المطبوع، لا بدَّ أن تُقاسي هذه الرواية القصيرة بعضَ الصعوبات، وقد قاستها بالفعل. وبعد كل شيء فلم يأتِ بعد أشدُّ بلاء وأسوأ صراعٍ، لكنه سيمضي قُدما براحةٍ كابحًا الخوف وينحني قُبالة أيَّ توقّع متواضع ليقول بصوت هامسٍ حين يرفع عينه مواجهًا العامة 'من يَعيشُ في السُّفلِ لا يخشى السقوطَ'".   


إن رواية الأستاذ رواية كفاح وجَلَد في عالم ساحقٍ لا يترك فرصة للمرء أن يتتفس قبل أن يعاجله بضربة قاضية إن لم يتفادها، هكذا شقَّ كريمسوورث دربه في الحياة بكل قوة وصبر ونشاط دائم حتى استطاع تذليل العقبات التي واجهته وتجاوزها بما سمحت له مقدرته وأعانته به يد القدر. تدور الرواية حول كريمسوورث ابتداءً من العلاقة السيئة مع أخيه انتهاء بزواجه الآنسة هنري وتقدمه الوظيفيّ والحياتي وعيشة في بحبوحة. وتغلب العجلة على نهاية الرواية بعد زواج كريمسوورث فيبدو أن شارلوت تُنهي الرواية قبل أن تترك النهاية تأتي بتلقائية فتقدِّم لنا بسرد سريع موجز سنوات عديدة على النقيض من نسق السرد وسرعته في الفصول السابقة لهذه المرحلة من الرواية وهذا أبرز عيب في هذه الرواية. استفادت شارلوت برونتي كثيرا من خبرتها في التعليم لتصوير الصعوبات التي اضطر كريمسوورث أن يتعامل معها طوال الرواية، وكذا الحال استفادت من هذا العمل في روايتها الأخيرة "فيليت" ويؤكد زوجها ذلك في كلمته بعد مقدمة زوجته آنفة الذكر في طبعة الرواية الأولى (وهي غير مترجمة إلى العربية؛ ترجمتها هنا): 

"كتبت زوجتي المقدمةَ الآنفة بافتراض نشر "الأستاذ" بُعيد ظهور "شيرلي"، ولأنها نُصحت بالعدول عن نشرها، فقد استفادت المؤلفة من هذا العمل في كتابة روايتها اللاحقة "فيليت" لكنَّ هذين العملين عمومًا مختلفان في أغلب جوانبهما، وأوصتني بعدم حجب "الأستاذ" عن الناس. ولأجل ذلك وافقت على نشرها. 


أ. ب. نيكولاس

بارسونج هاورث، 22 أيلول 1856."


على الرغم من الاختلاف بين الروايتين ظاهريا فما لوسي سناو ووليم كريمسوورث إلا شخصية واحدة في سلوكهما المتحدية وأسلوبها حياتهما العصامي وطبيعتهما الرواقيّة وهما بشكل من الأشكال نظائر لشارلوت وحياتها الحقيقية. فضلا عن التماثل في الروايتين عموما سواء في المكان (بروكسل) أو موقع أغلب أحداث الروايتين (مدرسة البنات الداخلية) أو الشخصيات الأخرى وبقيت لكل رواية سماتها المميزة لها التي لا تبتعد كثيرًا عن صاحبتها. غير أن رواية الأستاذ جاءت صريحة في تسمية بروكسل وشارع إيزابيلا وذكر ملاحظاتها فيما يخص هذا البلد وأهله على العكس من فيليت حيث استخدمت أسماء خياليّة كناية عن حياتها في بروكسل.

ومما يميز رواية الأستاذ عن روايات شارلوت السابقة أن شخصيتها الرئيسة والساردة هي رجل عكس بقية رواياتها الثلاث إذ كانت شخصيتها الرئيسة والساردة امرأة، وهذا ما حرر شارلوت في الكتابة وإعمال الخيال فبعض فصول "الأستاذ" امتازت بخياليّة ممتعة افتقرت إليه في أعمالها الأخرى، ولو أعملت شارلوت الخيال في رواياتها دون الاستناد إلى نبع حياتها الذاتية وإعادة طرحه في قالب روائي لربما قدَّمت روايات مميزة أكثر. لكنها تلتزم في الرواية، بعد أخذ كريمسوورث إلى بروكسل، إلى نهجها الذي وضعته في جعل حياتها مصدر رواياتها بكل ما فيها مع تغيير ما يلزم تغييره لأجل بناء رواياتها. لكن رواية الأستاذ من جانب آخر أقل روايات شارلوت صنعةً وأصغرهن حجما وهي ذات أهمية في الوقت نفسه كما تصفها غاسكل لأنها جزء من تاريخ شارلوت الأدبي. 

تعود بدايات كتابة شارلوت لهذه العمل بعد عودتها إلى هاورث قادمة من بروكسل في يناير عام 1844 وسعت بعد ذلك مع أخواتها لنشر ديوانهن المشترك بأسماء ذكورية مستعارة (كورير وإيليس وأكتون) في أوائل شهر أيار/ مايو 1846 -الديوان الذي لم يحظَ باحتفاء القرَّاء ولا بنجاح تجاري فقد بيع منه نسختان منه؛ مما دفع الأخوات بإرسال عدة نسخ إلى أبرز شعراء عصرهن وعلى رأسهم وردوزورث مع رسالة إهداء كتبتها شارلوت- إلى نشر أعمالهن النثرية فقُيِّض لكل من إيميلي وآن، الأختين الصُغريين، قبول روايتيهما "مرتفعات وذرينغ"، و"أغنيس غري" من قبل دار Newby ورُفِض عمل شارلوت "الأستاذ" في النصف الأول من عام 1847. حاولت شارلوت مجددًا مع أكثر من ناشر ونصحها الناشر السادس، سميث، "لو أن لدى "كورير" عملًا آخر لننشره، وأن السبب لا يكمن في سوء رواية "الأستاذ" لكن لدوافع تجارية فمن الأفضل نشر عملٍ آخر في ثلاثة مجلدات للكاتب". هكذا لعب العامل التجاري دورًا في رفض رواية الأستاذ التي بقيت حبيسة الأدراج حتى بعد أن اشتهرت شارلوت ويبدو أنها خشيت نشرها بعد أن عُرفت حتى لا تمثِّل الرواية خطوة إلى الوراء إثر تقدمها بروايات "جين إير وشيرلي وفيليت" لكن اعتلج في صدرها رغبة دفينة في نشر الرواية وهذا ما أوصت به زوجها أرثر نيكولاس في زواجهما القصير قبل وفاتها. 

تُقدِّم ريبيكا فريزر تفاصيل نشر هذه الرواية بعد وفاة شارلوت في كتابها سيرة "شارلوت برونتي" جاء فيها: ’خشيت إليزابيث غاسكل بعد زيارتها بروكسل أن تكون رواية الأستاذ عن المسيو هيغر لكنها شعرت بالراحة بعد أن قرأتها على الرغم من أن أحداثها تدور في مدرسة في بروكسل وما من علاقة مباشرة فيها مع هيغر. وحثَّتْ ناشرَ شارلوت، سميث، على ضرورة نشرها لأنها ذات ارتباط دقيق بتاريخ شارلوت الأدبي، ولأن في هذه الرواية مزية أخرى وما عدَّته غاسكل "أفضل نموذج امرأة جذَّاب رسمته شارلوت" (تقصد المدام كريمسوورث). وذكرت ذات الكلام لزوج شارلوت، نيكولاس، بصفته مالك الرواية ووافق على نشرها بشرط ألا يمُسُّها أيَّ تحرير أو تغيير وبذات الوقت "ألا تمنح الرواية أيَّ فرصة لنقد خبيث ولأجل ذلك فلا بدَّ أن يطالني هذا النقد والسيدَ برونتي، وإن كان الأمر كذلك فلا بد أن نتريث قليلًا قبل إظهارها للعلن". ناقش نيكولاسُ السيدَ برونتي حول الرواية بعد ذلك وخلُصَا إلى قرار مفاده "ثمة تعبيران صارخان في الرواية أو ثلاثة قد يُساء فهمها لكن ما من حاجة ملحةٍ لتحرير الرواية، وإن طالها أي تحرير صارم فلن نوافق على نشر هذه الحكاية". 

ارتأتْ السيدة غاسكل في البداية نشر رواية "الأستاذ" قبل إصدارها كتاب "حياة شارلوت برونتي" فقد كان في نيتها الرد على أي نقد يمس الرواية بسوء، لكنها غيَّرت رأيها في رسالة إلى الناشر سميت تُعبر فيها عن رغبتها في عدم نشر الرواية خشية إساءة فهمها وأن تُستخدم للإضرار باسم شارلوت وسمعتها رغم ما فيها من شخصيّة أنثوية محبوبة ولمحات من حياة زوجية في جزء الرواية الأخير، لكنها تمنَّت لو غيَّر السيد نيكولاس أكثر في الرواية. ونشرت الرواية بعد ذلك في الفاتح من حزيران عام 1857 بُعيد مدة قصيرة من نشر كتاب غاسكل "حياة شارلوت برونتي"‘. لذلك نرى عدم وجود أي ذكر في كتاب غاسكل يخصُّ نشر هذه الرواية أو الملابسات والظروف التي مرَّت بها إذ ينتهي كتابها بوفاة شارلوت برونتي.   



المراجع:

الأستاذ لشارلوت برونتي - ترجمة باسل سليم.

The Professor - Charlotte Brontë.

The life of Charlotte Brontë by Elizabeth Gaskell.

Charlotte Brontë by Rebecca Fraser p 490-491.

The Brontës in Brussels by Helen MacEwan.



الأحد، 3 أكتوبر 2021

فيليت - شارلوت برونتي


 

أضحت رواية فيليت بعد نشرها في عام 1853 واحدة من أهم أعمال شارلوت برونتي وتلي رواية "جين إير" في الأهمية، وجعلت من مدرسة البنات الداخلية في بروكسل، شارع إيزابيلا، محجًّا للقراء لا سيما الأمريكيين في وقتها. ارتبطت تجربة التعليم والعمل في بروكسل ارتباطا وثيقًا بحياة شارلوت على المستويين الحياتي والعاطفي وبقيت تعتلج في صدرها مشاعر وتختمر مخيلتها بالحكايات والأفكار حتى نتجَ عنها في النهاية هذه الرواية التي كانت آخر ما كتبت ونُشر في حياتها. 

في شباط/ فبراير من عام 1842 حطَّت شارلوت برونتي مع أختها الرحال في بروكسل قادمةً من قريتها، هاورث، من أجل دراسة اللغة الفرنسية والألمانية والأدب والموسيقى بعد أن خططت مع أختيها فتح مدرسة داخلية للبنات في منزلهن والبدء بمشروع حياتيّ. انتهت هذه المرحلة سريعًا بوفاة خالتهن إليزابيث برانويل بعد نحو ثمانية أشهر، وفي بداية السنة الجديدة 1843 عادت شارلوت وَحْدها إلى بروكسل لإكمال دراستها ولتعمل مُعلمة للّغة الإنجليزية لكنَّ هذه المرحلة الثانية لم تكن كسابقتها لأسباب متعددة منها أنها جاءت وحدها دون أختها ووفاة صديقتها مارثا، التي كانت تدرس في بروكسل رفقة أختها ماريا وهي صديقة شارلوت أيضا، ثم انتقال معارف لها عن بروكسل فشعرت بوحدة مضاعفة زاد غلّتها الحنين إلى الوطن، والأهم من كل هذا، وهو الدافع الأول والرئيس لتُشرع بعدها بالكتابة بانتظام وتأخذها على محمل الجد، كان المشاعر المتنامية تجاه المسيو هيغر، أستاذ الأدب وزوج ناظرة مدرسة البنات الداخلية، المدام هيغر (زوي كلاير). 

من الجليّ أن أهم سبب لعودة شارلوت إلى بروكسل في عام 1843 كان مطاردة هذه المشاعر ومغامرة الحب بكل ما تحملها من مخاطر ومغبَّة قد لا تُحمد عُقباها وهذا ما كان فعلا. استشعرت المدام هيغر من نمو هذه العاطفة من الطالبة والمعلمة شارلوت تجاه زوجها فعلمت على إبعاد زوجها -كان قد بدء يأخذ دروسا مع شارلوت لتعلمه الإنجليزية- عن شارلوت وتقليص عدد لقاءاتهما إلى أقل حدٍ ممكن. ولم تتوقف أسباب المدام هيغر هنا، إذ لعب الخلاف المذهبي بينها، وهي الكاثوليكيّة الرومانيّة التقيّة -على حد وصف إليزابيث غاسكل- وشارلوت البروتسانتية دورًا في تكبير الفجوة وتعميقها. كانت النهاية لكل هذا هو قرار شارلوت إنهاء هذه المغامرة والعودة إلى هاورث في بداية عام 1844. 

تحكي أسطورةٌ عن العَلاقة بين المرأتين أن المدام هيغر رافقت شارلوت إلى مدينة أوستندة الساحلية حيث ارتحلت من هنالك عبر بحر الشمال إلى جزيرة بريطانيا، وقبل أن تمخر السفينة بركابها أخبرت شارلوتُ المدام هيغر أنها ستثأر. استغرق الثأر قرابة عشر سنوات حتى تمَّ لكنه جاء على شكل رواية فيليت. 

تقدِّم شارلوت في هذه الرواية حكاية متخيّلة عن شابة فتيّة، لوسي سناو، ترحل إلى مدينة فيليت حيث انضمَّت إلى مدرسة بنات داخليّة تديرها المدام بيك، وتبدأ بعدها سلسلة طويلة من الوقائع الروائية وتتهاطل الشخصيات واحدةً تلو الأخرى وفي خضمِّ هذه الحياة تطرح الرواية الكثير من المواضيع الاجتماعية والفكرية والدينية والإنسانية في قالب تحليليّ عبر الساردة الأولى وشخصية الرواية الرئيسة، لوسي سناو، التي لعبت لوسي دور المراقبة في كثير من أجزاء الرواية فتسرد في حضورٍ خفيّ أو وجودٍ غائب ولا تظهر إلا بقدر ما يفرضه عليه دورها أو مساهمتها فيما يحدث أو يتعلَّق بها. بيد أنَّ أهم ما قامت به شارلوت في الرواية هو الدور التوثيقيّ-التخيّلي، فألبست الكثير من الرجال والنساء الذين التقتهم في بروكسل أو عرفتهم في حياتها في ثوب شخصياتها المتخيّلة، ولم يقتصر هذا على الأشخاص بل امتدَّ ليطال الأماكن أيضًا فهي لم تصرِّح علانيةً بالأسماء إذ غيَّرتها أو قنَّعتها بأسماء أخرى لكن الأوصاف والسمات التي خلعتها على مكان وزمان وشخصيات الرواية جعلت من الربط ما بين تجربة بروكسل الحقيقية وتجربة فيليت المتخيّلة أمرًا سهلًا ومعرفة المتخيَّل وأصله ممكنا. فمدينة فيليت هي بروكسل، ولاباسيكور هي بلجيكا، وشارع فوسيت هو شارع إيزبيلا حيث كانت مدرسة البنات الداخلية، والمدام بيك هي المدام هيغر، والمسيو قسطنطين هيغر هو المسيو بول إيمانويل. وهذه أبرز التشابهات في الرواية لكن ليست الوحيدة. 

كان انتقام شارلوت فريدًا من نوعه فقد انتصرت لذاتها عبر شخصية لوسي سناو فقدَّمت قصة لم تمتز بالحبكة المثيرة أو الأحداث المهتاجة لكنها عرضت حياة كاملة بكل ما فيها من فضائل ومعائب في سرد ثابث راسخ فلا يجد القارئ الباحث عن المتعة القصصية في على الكثير الذي يأمله لكنها كانت وفيّة لأسلوبها السردي والفكري الروائي في روايتها السابقة، فشارلوت كما تقول بنفسها عن هذه الرواية في رسالتها إلى ناشرها سميث: ’سترى بأن "فيليت" لا تُلامس القضايا ذات الاهتمام العام؛ لا يمكنني كتابة كتب عن مواضيع الحياة اليوميّة ولا فائدة من المحاولة، كما لا يمكنني تأليف كتابٍ من أجل غايته الأخلاقية، ولا أستطيع أيضًا التعامل مع مواضيع السعي نحو خير البشرية رغم تبجيلي لها إذ سيغطي حجاب التلقائية والإخلاص وجهي قُبالة موضوع مهم كالذي كتبت فيه الآنسة بيتشر في روايتها "كوخ العم توم". فمن أجل هذه المواضيع لا بد من دراستها مطوّلًا نظريًا وعمليًا، فتُعرف حُمولاتها بصدقٍ محض، وتُحسُّ شرورها بحقٍ وحقيق، ولا يجب أن يحمل امرؤ على عاتقه هذه المواضيع في عمل ربحيّ أو يفكِّر فيها تجاريًا‘. 

تكشف هذه الأسطر عن عجز شارلوت الولوج في عالم الكتابة لأجل قضايا إنسانية وأهداف عالميّة لأنها تفتقر إلى تلك المقدرة وتعبِّر عن عجزها عن الخوض فيها لكنها في ذات الوقت واستنادًا إلى حياتها الشخصية كتبت عن المرأة ودورها في المجتمع وعملها واستقلاليتها في شخصيّة لوسي سناو، الشبيهة كثيرًا بشخصية جين إير وكلاهما نظائر لشارلوت، برجاحة عقلها ومنطقيتها في التعامل ورواقيتها في مواجهة مصاعب الحياة، ويبرز قيمة الشخصيات النسائية المكتوبة في روايات الأخوات برونتي في عالمنا المعاصر، وكيف أنهن قدمن مواضيع اجتماعية نسويّة حُصدت ثمارها في تغيير النظرة العامة تجاه عمل المرأة واستقلاليتها المالية. هذا المزيج ما بين الحقيقي والمتخيّل وما بين الذاتي والموضوعي والشخصيّ والعمومي في رواية فيليت أو رواياتها الأخرى، يعرض لنا الإنسان الفرد العادي من عامة الناس الذي يرتكز على ذاته وأفكاره ويحكِّم عقله في قراراته في مواجهة مطبَّات الحياة وبذل ما يمكن بذله لتجاوز عقباتها وحواجزها المُعترضة طريقه. 

تطغى التحليلية من الساردة لوسي على رواية فيليت مما يستدعي الغوص في التفاصيل لكل ما يَرِدْ لكنها بذات الوقت تعرض نفسها بدرجة ثابتة من الوعي والفكر والتطور فهي تبدأ ناضجة وتصرفاتها محسوبة وموزونة فهي تكاد لا تُخطئ تقريبًا وتُضعف هذه المثالية في بناء شخصية لوسي، وإن كانت هي التي تبني نفسها عبر عرضها لحياتها الخاصة في المدرسة الداخلية لكن شارلوت الكاتبة هي المسؤولة عن هذا الضعف الفني في بناء شخصيتها الرئيسة على عكس ما نراه مثلًا في شخصية جين إير. تكتب الساردة موجِّهة كلامها للقراء وتُخاطبهم مباشرة أحيانا مما يفرض حتمًا أنَّها تقص ما حدث في الماضي لذلك فهي تكتب بعقليّة ومنطقيّة اليوم ما حدث في الأمس البعيد لذلك غاب الإحساس بتنامي شخصيتها وتقدمها رغم تقدمها على المستوى العمليّ الذي انتهى بها لتفتح مدرسة داخلية بمعونة المسيو باول إيمانويل. 

ارتكزت الرواية في شقِّها الفنيّ على بناء الشخصيات وتقديمها ظاهريا وسلوكيًا مع تفسير لهما، فشارلوت أستاذة في بناء الشخصيات وعرضها سواء من الجانب الداخلي وما يضم من عواطف وأفكار ودوافع أو الجانب الخارجي بسلوكياته وتصرفاته وسماته الجسمانية لكنه غالبًا ما يُقرن أو يُجرُّ إلى حقل التشريح النفسيّ والفعليّ. وقد مكَّنَ عمل شارلوت سواء في وظيفة التعليم أو مربيّة من ممارسة المراقبة الاجتماعية فلديها عين مُدركة ترسم صورة بانورامية شاملة لما تراه فنقلت هذه الرؤية البانورامية للشخصيّة في روايتها، إنَّ التعقيد الذي تبني فيه شخصياتها سهلٌ ممتنع فما تكتبه في رسم الشخصية المتناولة حقيقيّ بقوَّة، وإنَّ جاز لي ذلك فهي روائية مُشرِّحَة تخلق إنسانًا كاملًا بالكلمات، وتُنزله إلى أرض الصفحات البيضاء. 

نُشرت الترجمة الفرنسية من الرواية بعد سنتين من نشر الطبعة الإنجليزية إثر وفاة شارلوت. شعرت المدام هيغر بالغيض والحنق والامتعاض من رؤية مَدرستها مكتوبة في رواية يقرأها الجميع وأخذت الرواية على محمل شخصيّ ورفضت الالتقاء بمعجبي برونتي القادمين إلى مدرستها، كما رفضت رؤية إليزابيث غاسكل، صديقة برونتي، حين جاءت إلى بروكسيل لجمع مادة كتاب السيرة الذاتية عن شارولت. وتباينت آراء عائلة هيغر حول الرواية، فقد رأى الابن بول بأنَّ الرواية متخيَّلة، أما هيغر نفسه فقد كان يفاجئ بعض زوار المدرسة قائلًا أنا بول إيمانويل. 

ختامًا لا يمكن قراءة أي عمل من أعمال الأخوات برونتي وفهمه فهمًا تامًا دون تسليط الضوء على حياتهن الخاصة والوقوف مُتأملين مليًا ما بين كتبهن وحياتهن؛ يساعدنا هذا على الغوص إلى أعماق ما كتبنه ويعيننا على فهم تصرفات وسلوكيات الأفراد وأسبابها، وكيف ارتكز أدبهن على تجاربهن الشخصيّة، لينطلق من الذات إلى العالم ومن الداخل إلى الخارج في رحلة بدأت بالشقاء وانتهت أسطورةً خالدة. 


شارلوت برونتي (سيرة موجزة)

 

أقدم في هذه الترجمة سيرة موجزة للروائية البريطانية شارلوت برونتي (1816-1855) اعتمادًا على كتابين هما The Life of Charlotte Bronte لإليزابيث غاسكل الصادر عام 1857 وكتاب The Brontes in Brussels لهيلين ماكيوان الصادر عام 2018. كما تضم هذه الترجمة الرسائل الأربع الباقية التي كتبتها شارلوت برونتي إلى حب حياتها المسيو قسطنطين هيغر. 



للتحميل: هنا

حياة شارلوت برونتي - إليزابيث غاسكل

 

The Life of Charlotte Bronte - Elizabith Gaskell 


تكمن أهمية كتاب السيرة "حياة شارلوت برونتي" لإليزابيث غاسكل، المنشور عام 1857 بعد سنتين من وفاة شارلوت، في أنه أول كتاب سيرة حياتية ضخم تكتبه امرأة عن امرأة، وفي مساهمته في نشأة أسطورة الأخوات برونتي. اعتمدت غاسكل في كتابة سيرة حياة صديقتها على ما حصلت عليه من مواد ورسائل أصدقاء شارلوت، وتلعب رسائل إيلين نوسي، صديقة العمر لشارلوت، دورا مهما عند كل من كتب عن سيرة شارلوت برونتي. ونصيب كتاب غاسكل قرابة 400 رسالة شكَّلت حجر الأساس في هذا العمل وعملت هذه الرسائل مع رسائل ماري تايلور، صديقة شارلوت الأخرى على حياكة نسيج حياة شارلوت برونتي. تعرَّفت شارلوت على غاسكل بعد أن أرسلت الأخيرة رسالة إليها بعد أن ذاع صيت شارلوت (كورير بيل) واشتهرت روائية في حلقات لندن الأدبية، واستلمت غاسكل أول رسالة من شارلوت في السابع والعشرين من شهر آب/ أغسطس 1850، وكانت بينهما مراسلات أدبية، ثم التقت بها بعد مدة قصيرة في بريري وأرسلت لها ديوان القصائد المشترك، ثم التقت بها مجددًا في عام 1851. وزارتها شارلوت في منزلها في مدينة مانشستر عام 1852 وقضت يومين في نهاية شهر حزيران/ يونيو، وتوطَّدت العلاقة العائلية بينهما كثيرا، فزارت غاسكل شارلوت في هاورث في عام 1853 وتحدَّثا طويلا أثناء إقامة غاسكل عندها، وأخبرتها شارلوت الكثير عن عائلتها وأخواتها وحياتها الماضية. 

كان لوفاة شارلوت في الحادي والثلاثين من آذار/ مارس 1855 أثره في زوجها وأبيها وأصدقائها، ولما عُرفت غاسكل بأنها روائية وأدبية فقد اقترح أصدقاء شارلوت ووالدها على غاسكل كتابة سيرة حياة شارلوت؛ وافقت غاسكل وأخذ المشروع منها نحو سنة ونصف بالاعتماد على ما حصلت عليه من معلومات ورسائل وما أخبرتها به شارلوت.

تواصلت غاسكل مع كل من تعرف من أصدقاء شارلوت وحصلت منهم على رسائل أرسلتها شارلوت إليهم أثناء حياتها، حتى إنها سافرت إلى بروكسل والتقت مسيو هيغر، الذي درَّس شارلوت في سنوات 1842-1844، وله الأثر الكبير في حياة شارلوت الأدبية والعاطفية. وتجنَّبت غاسكل الحديث عن مشاعر شارلوت وحبها لهيغر ولا الإشارة إلى رسائلها إليه التي اطلَّعت عليها لأسباب منها أنّ عادات المجتمع الفيكتوري وأخلاقياته لم تُتح لها الكتابة عن هكذا مواضيع "مشاعر امرأة تجاه رجل متزوج" بوضوح وصراحة، وكذلك احتراما لمشاعر آرثر نيكولاس، زوج شارلوت. كما أنها في هذا الكتاب ابتعدت عن الكشف الواضح لبعض الهُويات أو الكشف عن أسماء بعض الناس كما فعلت بحذف أسماء مدن أو اكتفاء بذكر الحرف الأول من الأسماء كما في رسائل أهم مصادرها إيلين نوسي فحذفت اسمها من الرسائل التي استلمتها من شارلوت. 

ومن الواضح أيضًا توتر العلاقة بين باتريك برونتي، والد شارلوت، وغاسكل أثناء كتابة السيرة فقد اعترفت بأن والد شارلوت كان "صارما جدًا في أسلوبه معها طوال الوقت، وتصرَّف مثل طوب" واشتكى الأخير لصحفي أمريكيّ في السنة اللاحقة لنشر الكتاب "أظن أن السيدة غاسكل حاولت إظهاري سيئًا قدر الإمكان". لكنه يقّر "بأنَّ هذا الكتاب من أعظم الكتب التي كتبتها امرأة عظيمة عن أخرى، ولا بد أن يتصدَّر كتب السير الذاتية حتى نهاية الزمان". وشاركت عائلة غاسكل وأصدقائها في إخراج هذه السيرة بأفضل صورة ممكنة فطلبت من زوجها وليم أن يكون محرر لهفوات النص ومن أصدقائها المقربين قراء ناقدين للنص. 

يتضح بقراءة فصول هذه السيرة الأدبية مقدار الجهد الكبير الذي بذلته غاسكل في كتابة حياة شارلوت وتتبعها سنة تلو أخرى وكيفية تنظيم مادة مصادرها بنحوٍ وازنت فيه بين صوتها وصوت شارلوت، فلا يغيب عن مسامعنا صوت شارلوت وبدت غاسكل في كثير من الفصول أنَّها المنظِّمة لتدفق المعلومات وضابطٍ لتسلسل أحداثها. ركَّزت غاسكل على جوانب عديدة في كتابها وسلَّطت الضوء على شارلوت الإنسانة والروائية والأخت الكبرى ولعلَّ واحدًا من أبرز ما في هذا هو إظهار شخصية شارلوت الناقدة في رسائلها مع غاسكل أو الفيلسوف والناقد الأدبي جورج هنري لويس (1817-1878) بعد نشرها لرواية جين إير عام 1847. وسعت غاسكل على تقديم شارلوت كاملة ومثالية وهذا ما قد يعيب على السيرة إظهار الجانب الإيجابي فحسب تقريبا، حتى إنها تجنَّبت التطرق إلى رواياتها وآرائها فيها على الرغم من طلب والد شارلوت ذلك، لكنها اكتفت بإيراد ما ذكرته شارلوت نفسها عن أعمالها ومدح مقدرة شارلوت الأدبية فتقول عنها إنها لا تضع أي كلمة حتى تعرف ما موضعها الصحيح وتتأكد من المعنى المراد الإشارة إليه منه.  


السبت، 2 أكتوبر 2021

رسائل شارلوت برونتي إلى قسطنطين هيغر

                                                                           رسائل الحب 


كان صامتًا كالقبر، ومنتصبًا بهدوء مثل برجٍ،

رفعتُ ناظريّ وأبصرتُ صلاتي لحجر:

نشدتُ مساعدةَ مَنْ لا يقوى عليها، 

وسعيتُ وراء حُبٍ حيث الحبُّ مجهول تماما.


قصيدة "أبصرَ شقاءَ فؤادي"

شارلوت برونتي


شكَّلت تجربة شارلوت في بروكسيل منعطفًا مهما في حياتها الأدبية فتصفها في رسائلها بأنها الأرض الموعودة، ويقول الناقد الإنجليزي، ماريون سبيلمان، بأن شارلوت هي صنيعةُ شارع إيزابيلا. ولم يكن لهذه المرحلة ذاك التأثير المهم لدى الدارسين لأدب وسيرة شارلوت برونتي حتى ظهرت الرسائل الأربع من أصل خمس كانت قد أرسلتها شارلوت إلى أستاذها البلجيكي، هيغر، وكشفت عن حبٍّ غير متبادل أو حبٍّ معبَّرٍ عنه من طرف شارلوت فحسب، كان له الدور الكبير في إلهاب موهبة شارلوت الروائيّة وتسريع ظهور إنتاجها الأدبي. يعود تاريخ الكشف عن رسائل شارلوت برونتي الأربع إلى عام 1913 حين نُشرت كاملةً وسُلِّمت إلى المتحف البريطاني من بنات هيغر بعد وفاة والدهن وزوج شارلوت آرثر نيكولاس في عام 1906، ولهذا الرسائل قصة يرويها الناقد الإنجليزي ماريون سبيلمان الذي رتَّب لتسليم الرسائل إلى المتحف الوطني. يذكر سبيلمان على لسان لوسي، ابنة هيغر، في سنوات شيخوختها بأنَّ ثلاث رسائل مُزِّقت من والدها بعد قراءتها قبل أن يرميها في سلة المهملات، لكنَّ والدتها عادت وجمعت القصصات ولصقتها واحتفظت بالرسائل بعيدًا عن الأنظار مدة خمسين سنة، والسبب يعود كما تقول لوسي بأن أمها أخبرتها عن خشيتها من أن يقود هوس شارلوت بزوجها إلى الإساءة بحق سمعته أو سمعة المدرسة وحفظت الرسائل لتكون دليلا يُدين شارلوت ويبِّرئ ساحة زوجها من أي علاقة مع طالبته السابقة. ويُشير سبيلمان بأن والدها مزَّق الرسائل مرة أخرى بعد خمسين سنة عندما وجدها مجددًا إثر وفاة زوجها، وأعيد لصق الرسائل لكن هذه المرة من قبل لوسي. 

لكن يبدو أنَّ حادثة التمزيق الثانية غير صحيحة كما هو الحال في إخفاء الرسائل بعيدًا عن الانظار من المدام هيغر إذ تتعارض مع حقيقة إظهار هيغر لهذه الرسائل لإليزابيث غاسكل عندما أتت في عام 1856 لجمع مواد عن كتاب "حياة شارلوت برونتي".

بقيت حتى يومنا هذا أربع رسائل أرسلتها شارلوت إلى هيغر (من أصل خمسة)، مزَّق هيغر ثلاث منها ورماها في سلة المهملات قبل أن تعيد زوجته لصقها وحفظها، وأما الرسالة الخامسة، والرابعة في التسلسل في تاريخ أيار/ مايو 1845 فهي غير موجودة.   


{كتبت شارلوت هذه الرسائل الأربع باللغة الفرنسية والترجمة الإنجليزية مأخذوة من المجلد الأول من مجموع الرسائل الكاملة طبعة مارغريت سميث. أشارت شارلوت في رسائلها هذه إلى رسائل أُخر لم تُبقَ، كما لم تبقَ أيًّا من رسائل هيغر التي أرسلها إليها. والنسخ الأصلية من الرسائل الأربع محفوظة في المكتبة البريطانية ومعروضة فيها للذكرى}.



*

الرسالة الأولى 24-7-1844


{الرسالة الأولى طويلة ومُسهَبة. مُزِّقت هذه الرسالة وأُعيد جمع أجزائها ولصق القصاصات بالصمغ}


مسيو

 

أدركُ أنَّ هذا ليس دوريَ في الكتابة إليك، لكن بما أنَّ السيدة ويلرايت في طريقها إلى بروكسيل وراغبة بأخذ رسالة معها- ارتأيتُ ألا أرفض فرصة مُحببة في الكتابة إليك. 

يُسعدني أن السنة الدراسية على وشك أن تنتهي واقتربت العطلة -سعيدة لأجلك مسيو على الخصوص- لأنني علمتُ بأنك تعمل بجهد مُفرط وتدهورت صحتك قليلا نتيجة لذلك، وبسبب هذا أحجمتُ عن إبداء أي تشّكٍ من صمتك الطويل، وأفضِّل البقاء ستة أشهر دون سماع شيء منك على وضع ذرة فوق عبئك -عبءٌ ثقيلٌ سلفا- الذي أرهقك، وما أزال أذكر أنَّ الوقتَ الآن لإعداد الواجبات ثم ستحلُّ الامتحانات وبعدها الجوائز، وأنك مُلزم في هذه المدة قضاء جُلَّ يومك في قاعة الدرس -مُرهقًا نفسك حد الإعياء- في الشرح، وطرح الأسئلة والحديث طوال اليوم، ثم في المساء قراءة كل الواجبات المُكدِرة وتصحيحها، وإعادة كتابتها تقريبًا- آه مسيو! لقد كتبتُ لك مرةً رسالة تكاد تفتقر إلى العقلانية بسبب الحزن الذي يُعذِّب فؤادي، لكن لن أكررها مجددًا. سأحاول أُحجِمَ أنانيتيّ ومع ذلك فإنني أرى رسائلك أسرَّ بهجةٍ أعرفها، سأنتظر بصبرٍ لأستلمها متى ما أسعدكَ وناسبكَ إرسالها. 

لكن على أي حال بمقدوري كتابة رسالة صغيرة إليك بين الفينة والأخرى- لقد منحتني الأذن بفعل هذا. 

أخشى كثيرًا نسيان الفرنسيّة، لأني مقتنعةٌ تماما بأني سأراك مجددًا يوما ما -لا أدري متى أو كيف- ولا بد من حدوث هذا بما أنني توَّاقة إليه، ولا أرغب وقتها في التزام الصمت بحضرتك، لمن المحزن جدًا أن أراك ولا أكون قادرةً على محادثتك، ولمنع وقوع سوء الحظ هذا فإنني يوميًا أحفظ نصفَ صفحةٍ بالفرنسيّة من كتابٍ عن ظهر قلب وأرددها في أسلوب مونولوجيّ: وتغمرني سعادة تعلم هذا الدرس مسيو- حين أنطق الكلمات الفرنسيّة يبدو وكأنني أبادلك الحديث. 

عُرضَت عليَّ مؤخرًا وظيفة معلمة أساسية في مدرسة داخلية كبيرة في مانشستر براتب 100 جنيه -نحو 2500 فرانك سنويا- لا يمكنني قبولها لأنني وقتها سأكون مضطرَّة لترك والدي وهذا ما لا يمكن فعله. ومع ذلك فلدي خطّة عمل (حين يعيش المرء وحيدًا فإن دماغه ينشَطُ على الدوام -يرغب المرء بأن يشغل نفسه- ويتوقُ إلى الشروع بعملٍ فعّال). البارسونج كبير بما يكفي -مع بعض التغييرات- وستكون ثمة غرفة تتسع لخمس تلميذاتٍ داخلياتٍ أو ستٍّ، لو استطعت تأمين هذا العدد من الأطفال من العوائل الموقَّرة فأكرِّس نفسي وقتها للتعليم. إيميلي ليست مولعة بالتعليم كثيرًا لكنها مع ذلك ستدبر شؤون البيت، ورغمَ أنها انطوائية نوعا ما فلديها قلبٌ عطوف لبذل قصارى جهدها لرعاية الأطفال، وهي كذلك واسعة الصدر كريمة، أما فيما يخص النظام والتدبير الماليّ والتنظيم الصارم -العمل الجاد- وكل المتعلقات الضرورية بالمدرسة الداخلية فكلي رغبة بتولي مسؤوليتها بنفسي.   

هذه هي خطَّتي، ولقد وضَّحتها منذ مدة لوالدي واستحسنها، كل ما يتبقَّى إيجاد التلميذات -مسألة عويصة نوعا ما- نظرًا لأننا نعيش على مبعدة من البلدات ونادرًا ما يرغب الناس بخوض صعوبة قطع الجبال التي تُشكِّل حاجزًا محيطا بنا -لكن أن تفتقر المهمة إلى الصعوبة فهي معدومة البهجة تقريبا- والتغلب على الصعوبات فعلٌ جديرٌ بالثناء جدًا. لا أقول إني سأنجح لكن سأحاول النجاح، وما من شيء يغمرني بالراحة مثل بذل الجهد ولا أخشى شيئًا كخشيتي الخمول -الافتقار إلى الوظيفة- والعطالة وهمود الإمكانيات، إنَّ الروح تعاني بشدِّة حين يكون الجسد كسولا. ليس في نيتي خوض تجربة الكسل إذا استطعت الكتابة، مرَّت في حياتي أوقاتٌ اعتدتُ فيها قضاء أيامٍ وأسابيعَ وشهورٍ في الكتابة وليست بلا أي فائدة تمامًا منذ أن أرسلت إلى ساوثي وكوليدرج -كاتبان من أفضل مؤلفينا- بعضًا من مخطوطاتي وأبديا بابتهاج موافقتهما عليها، لكن بصري في الوقت الحالي ضعيفٌ جدًا ليسمحَ لي بالكتابة، ولو كتبتُ كثيرًا سأصاب بالعمى1. إنَّ ضعفَ البصر حرمانٌ فظيع أخافه -وبدونه أتدري ما الذي سأفعله يا مسيو- سأكتب الكتب وسأهديها لأستاذي في الأدب، إلى أستاذي الوحيد (سيدي) الذي حظيتُ به يومًا- إليكَ مسيو. أخبرتكَ مرارًا بالفرنسيّة ما أكثرَ توقيري لك، وما أكثر ما أنا مدينة للطفك وعطفك ونُصحك، وأرغب بأن أخبرك لمرة واحدة بالإنجليزية- أن هذا لا يُمكن حدوثه، ولا يجب أن أفكِّر به فالمسيرة الأدبية مُوصدة الأبواب في وجهي، التعليم فحسب أبوابه مُشرعة قُبالتي مع أنه لا يُقدِّم ذات الإغراءات، لا تكترث لأنني سألجه وإذا لم أصل فيه إلى محطة بعيدة فلن يكون هذا بسبب نقص الجهد المبذول. وأنت أيضًا مسيو رغبتَ يوما أن تكون محاميًا في المحاكم العُليا، القدر أو العناية الإلهية صيَّرتكَ أستاذًا وأنت سعيد رغمَ ذلك. 

أبلغ تحياتي للمدام -آمل ألا تكون ماريا، ولوسي، وكلاير، قد نَسَيْنني قبل الآن- وبروسبير وفيكتورين2 التي لم تعرفني جيدًا قط، إلا أنني أذكر الفتيات الخمس لا سيما لوسي، لها سَمْت مُفرط يُوحي بالغرارة، ويطفحُ الصدق في مُحيَّاها الصغير. 



إلى اللقاء مسيو 

طالبتُكَ المُخلصة

ش. برونتي


[حاشية] لم أسألك أن تكتبَ لي في القريب العاجل فلا أريد أن أبدو لحوحة -لكنك طيب بما يكفي لكيلا تنسى أني أرغب بهذا رغم ذلك، نعم، أرغب بذلك جدًا -يكفيني هذا- مع ذلك افعلْ ما يحلو لك مسيو. وإذا استلمتُ رسالة وظننتُ أنَّك كتبتها بدافع الشفقة عليَّ؛ سيؤذيني هذا بشدَّة. 

من الجلي أن السيدة ويلرايت ستذهب إلى باريس قبل الوصول إلى بروكسيل لكنها ستضع رسالتي في بريد بولون. إلى اللقاء مجددًا مسيو، يؤلمني أن أودِّعك حتى في رسالة -رباه من المؤكد أني سأراك مجددًا يومًا ما- لا بد أن يكون هذا لأني وقتما جنيتُ مالًا كافيًا للذهاب إلى بروكسيل سأكون هناك، وسأراك مرة أخرى وإن في لحظة يتيمة فحسب.   

____

1 كانت شارلوت تعاني من قصر النظر. وهذا ما جعلها ترفض اللعب مع البنات في المدرسة الداخلية في بروكسيل لأنها لم تستطع ممارسة اللعب والركض بسبب ضعف البصر. وقد أصيب والدها بإعتام عدسة العين وكاد يفقد بصره حتى أجريت له عملية واستعاد بعدها بصره لكنه بقي يعاني في أوقات مختلفة من بصره. 

2 بنات هيغر من زوجته زوي كلاير.


**


الرسالة الثانية 24-10-1844


{كُتبت الرسالة الثانية على عُجالة وهي قصيرة جدًا. مُزِّقت هذه الرسالة وأعيد تجميعها ولصقها}


مسيو

تملأني البهجة هذا الصباح، أمرٌ نادر الوقوع لي في آخر سنتين، والسبب أنَّ أحد معارفي [جو تايلور] سيمرُّ عبر بروكسيل وعرضَ عليَّ توليّ أخذ رسالة إليك، فإما هو من سيوصلها إليك وإما أخته، وبهذا سأتأكد أنك ستستلمها. 

لن أكتب رسالةً طويلة، فما من وقت عندي أولًا، سأكتبها على الفور، ولأني غير راغبةٍ بإزعاجك. أتساءلُ إن كنت استلمتَ شيئًا مني في بداية أيار ثم في شهر آب؟ كنتُ خلال هذه الأشهر الستة أتوقَّع استلام رسالة منك مسيو -ستة أشهر من الانتظار- لهو وقتُ طويل حقًا! مع ذلك فأنا لا أتشكَّى وسأعوَّض بثراء على نَزِير أساي إذا أردتَ كتابة رسالة وإعطاها هذا السيّد أو -أخته- فسيوصلها إليّ بلا شك. 

بغض النظر عن قصر الرسالة سأكون راضيةً بها- ولا تنسَ أن تخبرني عن حالك مسيو، وحال المدام والأطفال والمعلمات والطالبات. 

يُبلِّغكَ والدي وأختي تحياتهما -مِحنة والدي في ازدياد تدريجي ومع ذلك لم يُصب بالعمى تماما بعد3، وحال أختيَّ على خير ما يرام لكن أخي عليلٌ على الدوام. 

إلى اللقاء مسيو، أعدُّ الأيام حتى وصول أخبارِكَ إليَّ- تُبهجي هذه الفكرة لذكرى عطفك التي لن تخبو في نفسي، وما دامت هذه الذكرى باقية فإن التوقير الذي بثَّته فيَّ سيدوم أيضًا.  

[ح] لقد رتَّبتُ الكتب التي منحتني إياها حينما كنتُ في بروكسيل. تنتابني سعادة غامرة حين أنظر إليها -كوَّنت مكتبة صغيرة- في البداية الأعمال الكاملة لبيرناردين دي سان بيير - خواطر باسكال - كتاب شعر - كتابان ألمانيان - (شيء يَعْدل قدَر البقية) خطبتان للأستاذ هيغر- أُلقيتا خلال توزيع جوائز Athenee Royal. 

____

3 تُشير إلى إعتام عدسة العين وضعف بصره.


***


الرسالة الثالثة 8-1-1845


{مُزقت هذه الرسالة الثالثة أيضًا ثم لُصقت أجزاؤها معًا. بعد جملة "يعاني المرء بصمتٍ ما امتلكَ المقدرة، وحينما تخذله مقدرته؛ يُطلق كلماته بلا عِقال على هواها بإفراط" ثمة سطران من العسير جدًا تبيّن فحواهما لأنه لم يُمكن قراءتهما. وبعدهما تكتب شارلوت الختام الرسميّ "أرجو لك مسيو السعادة والهناء"}


عاد السيد تايلور. سألته إن كان ثمة رسالةٌ لي ’لا شيء‘ ’صبرًا‘ -أقول- بأن ’أخته ستعود قريبًا‘ عادت الآنسة تايلور وقالت ’ليس معي شيء من المسيو هيغر. لا رسالة ولا كلمة‘.   

عندما استوعبت المعنى الكامل لهذا الكلام، قلت لنفسي، ما الذي سأقوله لشخص آخر في هذا الحال ’ستخضع للأمر الواقع، وفي المقام الأول، لا تكدِّر نفسك بسبب سوء طالعٍ لا تستحقه‘ وبذلت قصارى جهدي لكليلا أبكي ولا أشكي. 

لكن حينما لا يشكو المرء، ويرغب بأن يمسكك بزمام نفسه بقبضة حازمة؛ تثور عليه كل جوانحه، ويحافظ على هدوئه الخارجيَّ بمقاساته صراعًا داخليًا لا يُحتمل بتاتًا. 

لم تحلّ عليَّ طمأنينة وسلام ليلًا أو نهارا، وإذا هجعتُ عذَّبتني أحلام أراكَ فيها قاسيًا، غاضبٌ مني على الدوام وهازئ. 

سامحني مسيو إن بادرتُ بالكتابة إليك مجددًا- أنَّى لي تحمَّل حياتي إن لم أبذل جهدًا لتخفيف عذاباتها؟ 

أدركَ أن صبركَ سينفد وستبلغُ من لدني عذرا عندما تقرأ هذه الرسالة -ستقول إني مفرطة الاهتياج- لأنَّ في ذهني هذه الأفكار السوداوية وما شابه. الأمر كذلك مسيو، ولا أسعى خلف التسويغ لنفسي، وأنا مُسلِّمة لكل توبيخ. لكن كل ما أعلم هو أنني لا يُمكنني، ولن أسلِّم بالخسارة الكاملة لصداقة سيدي، وسأفضِّل مقاساة أوجعَ الآلام الجسديّة على أن يذهب فؤادي متمزَّعًا بالحسرات الحارقة على الدوام. فإذا استرَّد سيدي صداقته مني بالكامل سأصبح يائسة تماما، وإذا منحني النزرَ من صداقته -القليل جدًا- سأكون راضية وسعيدة، وسأحظى بالحافز للعيش والعمل.

مسيو، لا يريد الفقراء وجبةَ هنيئة ليعيشوا، فهم يسألون فُتات الخبزِ المتساقط من مائدة الأغنياء، لكن إن رفضوا منحهم الفُتات سيموت الفقراء جوعًا. وليس لي حاجة بعظيم عاطفة مَن أُحبُّهم، فلن أعرفَ كيف أجاري صداقتهم التامة والكاملة -لستُ معتادةٌ على ذلك- لكنك أبديتَ قليلَ اكتراث بي في الأيام الخالية عندما كنت في بروكسيل، وأنا أسعى جاهدة للمحافظة على هذا الاهتمام النزر، سأسعى من أجله ما دمت قادرةً على المضي في هذه الحياة. 

ربما ستقول لي’ما عاد عندي أدنى اهتمام بكِ آنسة شارلوت - لستِ اليوم من أهل بيتي4- لقد نسيتُك‘؟  

أخبرني إذًا مسيو بصراحة كبيرة -سيصدمني هذا لكن لا يهم- سيبقى الأمر أقل رعبًا من الشك. لا أريد قراءة هذه الرسالة -سأرسلها فور إتمام تسطيرها- ومع ذلك فإني وبثمالة باقية في عقلي أعلم أن لو قرأها بعض العقلاء غلاظ القلوب لقالوا "إنها تهذي". ثأري الوحيد منهم رجاءُ أن ينالَ هؤلاء يوما من معاناتي التي قاسيتها طوال ثمانية أشهر، ثم سنرى إن لم يهذوا وقتها أيضا. 

يعاني المرء بصمت ما امتلكَ المقدرة، وحينما تخذله مقدرته؛ يُطلق كلماته بلا عِقال على هواها بإفراط.


أرجو لك مسيو السعادة والهناء 

____

4 عاملها هيغر وزوجته في بداية السنة الثانية بتقدير كبير وسمحا لها بأن تكون في الغرفة المخصصة لهما. 


****


الرسالة الرابعة 18-11-1845 


{في هذه الرسالة، وهي آخر ما لدينا، تُشير شارلوت برونتي إلى رسالة كتبتها في أيار عام 1845. وتُشير أيضًا إلى رسالة لهيغر قائلة بأنها قاست مدة ستَّة أشهر. في هامش الرسالة، في آخر صفحة، دوَّن أحدهم، من المفترض هيغر، ما يبدو أنه عنوان إسكافيّ في بروكسيل. هذه هي الرسالة الوحيدة التي لم تُمزَّق. والصفحات المكتوبة بعناية سليمة، لكن لا يُمكن تكرار ذات الشيء على حالة شارلوت الذهنية عندما كتبتها. الحاشية مكتوبة بالإنجليزية}


مسيو


انسلختْ ستةُ أشهرٍ من الصمت، واليوم هو الثامن عشر من تشرين الثاني، وآخر رسائلي مؤرخة على ما أظن في الثامن عشر من أيار لذا أكتب إليك اليوم دون أن أخلَّ بوعدي. 

استطالَ فصلا الصيف والخريف عليَّ كثيرًا، والحرمان الذي أفرضه على نفسي: هو أنت مسيو، لا يمكنك أن تصوُّر ما أعنيه لكن تخيّل لحظةً بأنَّ أحدَ أطفالك بعيدٌ عنك مسافة 160 فرسخ، وعليكَ انتظار مضي ستةَ أشهرٍ بدون الكتابة إليه، وبدون استلام خبرٍ منه، بدون سماعه أو محادثته، أو معرفة أحواله، ستفهم حينها بسهولة مقدار صعوبة في التزامٍ مثل هذا. سأخبرك صراحةً بأنني خلال هذا الوقت من الانتظار حاولت نسيانك. إنَّ ذاكرةَ الإنسان -عندما يعتقد بأنَّه لن يرى امرأً بعينه مجددًا ويكنُّ له الاحترام رغم ذلك- تُعذِّب العقل بما يفوق الحد وحين يُعاني الإنسان هذا النوع من القلق سنةً أو سنتين سيكون مستعدًا لفعل أيَّ شيء ليستردَّ سلامه العقليّ. لقد فعلت كلَّ شيء. سعيت وراء ما أُشغل به نفسي، ومنعتها تماما من متعة الحديث عنك حتى لإيميلي لكني لم أتمكن من قهر حسرتي أو نفاد صبري -وهذا مُهين حقًا- من عدم معرفتي كيفية السيطرة على أفكاري، أو أن أكون عبدة الأسى، والذاكرة، عبدة فكرة راسخة ومُهيمِنة أضحت مُستبِّدة على عقلي. لمَ لا يُمكنني أن أحظى منك بمقدار الصداقة التي تحظى بها مني لا أكثر ولا أقل؟ سأكون حينها في منتهى الطمأنينة، وحرَّة لأحفظَ لساني وألتزم الصمتَ عشر سنين دون جهد يُذكر.

صحة والدي على خير ما يُرام لكن نظره تلاشى تقريبا، ما عاد بإمكانه القراءة أو الكتابة؛ مع ذلك فإن نصيحة الأطباء هي أن ينتظر أشهرًا معدودة أخرى قبل محاولة إجراء عملية -ولن يكون الشتاء عليه إلا ليلٌ يُخيّم طويلا- وهو نادرًا ما يتشكَّى. مُعجبة بصبره، وإذا قضت العناية الإلهية ذات الشيء لي فستكون راحة البال من نصيبي، عسى أن يمنحني مثل صبره لأتحمل هذا! يتضح لي يا مسيو بأنَّ أقسى ما يُوجع بمرارة في المِحن الجسدية الجسيمة يكمن حين نُكْرِه كُلَّ من حولنا على مقاسمتنا معاناتنا؛ بمستطاعنا إخفاء آلام النَّفْس لكن العذابات التي تهاجم الجسد وتُدمِّر قواه لا يُمكن إخفاؤئها. يتركني والدي هذه الأيام أقرأ له وأكتب، ويُبدي ثقته فيَّ كما لم يُبدها من قبل قط، وفي هذا مواساةٌ جليلة. 

مسيو، أسألك أن تتفضلَّ عليَّ حين ترد على هذه الرسالة وتحدِّثني قليلا عن نفسك لا عني، لأني أعلم أنك حينها لو تحدَّثتَ عني ستوبّخني، وأود اليوم رؤية جانبكَ العطوف؛ حدِّثني عن أطفالك؛ لا يبدو سَمْتكَ صارمًا حين تكون لوسي وكلاير وبروسبيري قريبات منك. أخبرني عن المدرسة، والطالبات، والمعلمات، هل ما زالت الآنسات بلانش، وصوفي، وجاستين في بروكسيل؟ أخبرني أين ارتحلت أثناء العطلة- هل مررت بالراينلاند؟ هل زرتَ كولونيا أو كوبلنز؟ حدِّثني بإيجاز عما ترغب به، سيديّ، لكن أخبرني بأي شيء.  إنِّ الكتابة إلى معلمة مساعدة سابقة (لا، لا أريد تذكر وظيفتي السابقة معلمةً مساعدةً. أتنصل منها) بل الكتابة إلى طالبة سابقة لن يكون أمرًا مثيرًا جدًا لتشغل نفسك به -أعلم ذلك- لكنه الحياة بذاتها لي. لقد قوَّتني رسالتك الأخيرة -شدَّت من عضدي ستة أشهر- والآن أنا بمسيس الحاجة إلى أخرى ستمنحها لي لا لأنك تكنُّ صداقةً لي -لا تملك منها الكثير- بل لامتلاكك نَفْسًا عطوفة ولأنك لن تحكمَ على أي امرئ أن يقاسي طويلا معاناته من أجل أن تحفظ لنفسكَ بعض اللحظات من وقتَ الفراغ. أن تمنعني من الكتابة إليك، وترفض الرد عليَّ، فهذا سيمزِّق إربًا بهجتي الوحيدة على الأرض- أن تحرمني من آخر امتياز متبقٍّ لي، امتياز لن أقبل التخلّي عنه طواعيةً أبدًا. صدّقني، سيدي، إنِّك تسدي في كتابتكَ إليَّ معروفًا ما دمت أظنَّك سعيدًا معي تمامًا، وما دمتُ لا أزالُ على أمل سماعٍ شيء منك. بمقدوري أن أصبح مطمئنة وغير مفرطةِ الحزن، لكن حين يُنذرني الصمت الطويل والفظيع بأنَّ سيدي في نفور مني، حين يومًا تلو آخر أنتظر رسالةً ويومًا بعد آخر تطرحني الخيبة أرضًا مجددًا لفكّي تعاسة قاهرة، وتفرُّ مني البهجة اللذيذة لرؤية كتابتك وقراءة مشورتك مثل طيفٍ زائل، ثم -وأنا محمومة- أخسر شهيتي ونومي ويهزل جسدي. 

أتسمح لي بالكتابة إليك مجددًا في أيار القادم؟ كنت لأفضل الانتظار سنة كاملة -لكن هذا مستحيل- إنه وقت طويل جدًا. 

ش. برونتي 


[ح] أود قول شيء واحد لك بالإنجليزية- أرغب لو أن بمقدوري كتابة رسائل مبهجة أكثر، حينما أقرأ هذه الرسالة ألتمس فيها الكآبة بنحوٍ ما، لكن سامحني سيدي، ولا تنزعج من حزني، وكما في كلمات الكتاب المقدَّس ’فإنَّه مِنْ فَضلَةِ القَلبِ يتكَّلمِ الفَمُ5‘ وإني لأجد من العسير أن أكون مبتهجة ما دمت أفكِّر بأني لن أراك مجددًا. ستلتمس من الهفوات في هذه الرسالة بأني أنسى اللغة الفرنسية، مع ذلك فما زلت أقرأ كل الكتب الفرنسية التي أحصل عليها، أحفظ كل يوم جزءًا عن ظهر قلب لكني لم أسمع قط أحدًا يتحدث الفرنسية منذ أن غادرت بروكسيل، وتطرب أذني لها كالموسيقى، وما أغلى كل كلمة منها لأنها تُذكِّرني بك. أحب الفرنسيّة من صميم قلبي وروحي من أجلك. 

وداعًا سيدي العزيز

حفظك الله ورعاك بطيّب عنايته وساقاك دُرَّ بركته. 

ش. ب. 


{بعد وفاة شارلوت برونتي، راسلت إيلين نوسي هيغر معلنة عن نيَّتها نشر نحو خمسمئة من رسائل شارلوت برونتي الخاصة، لكنه أبدى اعتراضه على ذلك لأنه سيبدو غير منصفٍ لشارلوت وسيرفع الحجاب عن قلبها المسكين العليل. في مسوَّدة رسالته هذه شطب على كلمة عليل وأبدلها بكلمة "مجروح أو مكلوم" قبل أن يُبقي على الكلمة الأولى} 

___

5 إنجيل متى: 12-34


مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...