الجمعة، 22 أكتوبر 2021

كفران النعمة



(كتبت شارلوت برونتي هذه  الحكاية (المقالة) في 16 حزيران/ يونيو 1842 وأُخرَ غيرها حين ذهبت مع أختها إيميلي إلى بروكسل للدراسة في مدرسة البنات الداخلية Pensionnat. كُتبت هذه المقالات في الأصل باللغة الفرنسية في درس الأدب الذي كان يُديره المسيو قسطنطين هيغر. اعتمد هيغر أسلوب تعليم يقوم على تقديم نماذج أدبية لكتّاب فرنسيين ثم يطلب من طالباته كتابة مقالات تُحاكي أساليبَ النماذج المدروسة. ومن الواضح في هذه المقالة أن شارلوت تحاكي قصص لافونتين عن الحيوان، الذي هو الآخر يُحاكي القصص الشرقية والعربية عن عالم الحيوان كما في قصص كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة. عُثر على هذه المقالة في متحف في بلجيكا عام 2011، وترجمتُها من كتاب The Brontës in Brussels لهيلين ماكيوان).

*


كان هناك جُرذٌ أرهقته حياةُ المُدن، والبلاطات (لأنه قضى شطرًا من حياته في قصور السلاطين وصالونات كبار السادة)، جُرذٌ بخبرِةِ أيامٍ حنَّكته، وفي مدة قصيرة، تحول من فردٍ في حاشية الملك إلى فيلسوف، وانسحب إلى بيته في الوطن (حفرة في جذع شجرة دردار) حيث عاشَ متنسِّكًا ومكرِّسًا كل وقته واهتمامه بتعليم دَرْصِه الوحيد. 

لم يتلقَّ الجرذُ الصغير، الأبله بعض الشيء، بعدُ الدروسَ المفيدة القاسية التي تمنحه الخبرة، وأضجرته المنقاشات الواعية مع والده. وعوضًا عن أن تكون ظلالُ الغابة وهدوءها نعمةً على نفسه فقد أتعبتها. ترعرعَ توَّاقًا بفارغ الصبر للارتحال ورؤية الدنيا.    

في إحدى الصباحات اللطيفة، نهضَ مبكرًا وجمعَ زادًا يسيرًا من حبوبٍ وجبن في متاعه، ودون التفوه بكلمة لأي أحدٍ، هجرَ العاقُ والده ومسكنه الأبويّ وغادرَ إلى أراضٍ مجهولة. 

بدت الدُنيا بادئ بَدْء زاهيةً وجذَّابة في ناظره؛ الأزهار رافلةٌ في نضارتها والأشجار مكسوَّةٌ بخضرةٍ لم تقعْ عيناه على مثلها في موطنه قط، ثم رأى بعض الأعاجيب: حيوان بذيل أطول من جسده (كان السنجاب)، ومخلوق صغير يحمل بيته على ظهره (كان الحلزون). وصلَ بعد بضعِ ساعاتٍ إلى حقل، وجذبته رائحة الطبخ الذكيّة، دخل فِناءَ الحقل حيث رأى طيرًا عملاقًا كان يُصدرُ ضوضاء مُزعجة بخَطْوِه في هالةٍ من العنفٍ والزهو. كان الطائر ديكًا روميًا، بيد أن جُرذنا أُخذَ به وحسبه وحشًا فخاف من مظهره وولَّى هاربًا.

بحلول المساء، دخلَ غابةً وقد هدَّه التعب وأعياه فاستراح أسفلَ شجرة، وفتح متاعه الصغير، ثم تناول عشاءه وتوسَّد الأرض نائمًا. 

استيقظَ على صوت قُبَّرة وأحسَّ بالبردَ قد خدَّر أطرافه، وأذاته الأرضُ التي توسدها فراشًا؛ تذكَّر والده، تذكر الكافرُ بالنعمة عنايةَ ورقّةَ الجرذ المسن الطيّب، رسمَ بلا طائل مساراتِ مستقبله، لكن بعد فوات الأوان فقد جمَّد البردُ الدماءَ في عروقه. كانت التجربةُ معه عاشقةً متزمِّتة، ولم تعلِّمه سوى درسٍ واحدٍ تكتنفه عقوبة واحدة هي الموت. 

وجدَ نجارٌ في صباحِ الغد الجثة، ما رأها إلا شيئًا مقزِّزًا دفعه بقدمه، ومرَّ بدون أن يخطر بباله أنَّ من يستلقي هنا هو الابن العاق لوالده الرؤوم.  

 


الثلاثاء، 19 أكتوبر 2021

الفراشة



(كتبت إيميلي برونتي هذه المقالة في 11 آب/ أغسطس 1842، وأُخرَ غيرها حين ذهبت مع أختها شارلوت للدراسة في مدرسة البنات الداخلية Pensionnat. كُتبتْ هذه المقالات في الأصل بالفرنسية في فصل الأدب الذي كان يُديره المسيو قسطنطين هيغر. أُعجب هيغر بإيميلي وعقليتها رغم الخلاف بينهما وقال عنها "كان يجب أن تكون رجلًا. تملك عقلا منطقيًا ومقدرة على الجدال، من غير المعتاد أن تجدهما في رجل، ومن النادر حقًا أن تملكهما امرأة". تَرجمتْ هذه المقالة عن الفرنسية الكاتبةُ ستيفي دافيس في كتابها Emily Bronte: Heretic)



*


في واحدة من خَلَجاتِ الفكرِ التي يَلْقَى المرءُ فيها نفسه أحيانا، حين تقاسي عوالمُ الخيال شتاءً يُخرِّب كلَّ محصولها؛ حين تبدو أضواء الحياة على وشك التلاشي ويصبح الوجودُ صحراء قاحلةً حيث نتجول، في مهب ريحِ إغواءاتٍ نازلةٍ من السماء بلا أملٍ نتشبَّثُ به أو بملاذٍ نلجأ إليه- في واحدة من هذه الخَلَجاتِ السوداويّة، كنتُ أتمشّى في أمسيّة على تخوم غابةٍ. كان الفصلُ صيفًا، وأشرقتْ السماءُ عاليًا في الغربِ وتجلجلَ الجو بتغريد الطيور؛ بدتْ سعيدةً جميعها بيد أنها في ناظريّ سعادة ظاهرية فحسب. استرحتُ أسفلَ شجرةِ بلوطٍ مُعمِّرة، ومن بين أغصانها شرعتْ عاصفة ليليّة بتلاوة صلاةَ العِشاء. "حمقاءُ مسكينة" قلت لنفسي "أتُرشدينَ الطلقةَ إلى صدركِ أم الطفلَ إلى حِضْنكِ حتى يكونَ هديركُ بهذا العُلو والوضوح؟ أسْكتي هذا الهدير الصاخب واسْكُنِي إلى عُشِّكِ لربما سيقطنُه الفراغُ غدًا. لكن لمَ أخاطبك مع نفسي وَحْدَك؟ فهذا الخَلقُ بلا معنًى على حدٍ سواء. انظروا هناك، إلى تلك الطيور اللاعبة فوق الغدير ينتفخُ جوفها والأسماك كلَّ دقيقةٍ تتناقصُ أعدادها، والطيور بدورها فريسةٌ لطغاة الجو أو الماء؛ سيقتلُ الإنسانُ لأجل تساليه أو احتياجاته مُفترسيها. 

الطبيعة خَطَبٌ عصيُّ التفسير؛ تقوم على مبدأ التدمير ومن الضرورة بمكانٍ أن يكون كل مخلوقٍ فيها أداةَ فتكِ بالآخرين لا تكلُّ ولا تملُّ أو سيتوقف عن العيش لأجل ذاته، ورغم ذلك نحتفل بيوم ميلادنا، ونسبِّحُ الربَّ على إدخالنا هذا العالم. قطفتُ أثناء مناجاتي زهرةً من جانبي، كانت زهرة جميلة ومتفتِّحة على نحوٍ مُبهج، بيدَّ أنَّ يرقانةً قبيحة اختبأتْ داخلَ تويجاتها التي تغضَّنت سلفًا واضمحلَّت. ’مشهدٌ مُشجٍ للبسيطة وقاطنيها!‘ هتفتُ ’لا تعيش هذه اليرقة إلا لتؤذي النبات الذي حماها: لماذا خُلقتْ، ولماذا خُلقَ الإنسان؟ يُعذِّبُ، يقتلُ، يفترسُ؛ يقاسي، يموت، ويُتفرَس- ها هو ذا كلُّ تاريخُه. لهو صحيحٌ أنَّ ثمة جنةً للمقدَّسين، لكنَّ الإنسان المقدَّس يُخلِّف وراءه الكثيرَ من المآسي التي تُوحِشُه قُبالة عرشِ الربّ‘. 

رميتُ الزهرةَ على الأرض؛ بدا الكون في لحظتها محضَ آلة هائلة شُيِّدت لتوليد الشر. وخامرني شكُّ بخير الرب لعدم إهلاكه الإنسان في اليوم الذي ارتكبَ معصيته الأولى. ’كان من المفترض أن تُدمَّر الدُنيا‘ قلتُ ’تُمحقُ كما أسحقُ هذه الزاحفةَ التي لا تفعلُ شيئًا في حياتها سوى أن تُقذِّر ما تلمسهُ بقذارتها‘ بالكاد استطعتُ رفعَ قدمي من فوق هذه الحشرة المسكينة حين رفرفتْ نازلةً -مثل ملاكٍ رقيبٍ أُرسلَ من السماء- عبرَ الأشجار فراشةٌ بأجنحةٍ ذاتِ لونٍ ذهبيّ برّاق وأرجوانيّ: وقتها فحسبْ كُشفَ الغطاء عن بصري، ثم ارتفعتْ مجددًا عبرَ أوراق الشجر واختفتْ في سموِّ القبَّةِ اللازورديّة. أصبتُ بالبُكم وما أنا ببكماء لكن علا صوتٌ في داخلي قائلا لي ’ما من حقِّ للمخلوق في مُحاكمة الخالق، وسيأتي في قادم الزمان رمزُ العالم. مثلما اليرقانة القبيحة أصلُ الفراشة البديعة، فإن هذه الدنيا جُرثومة الآخرة بسمائها الجديدة وأرضها، مَنْ جمالها في أفقرَ حالِه سيتجاوز بلا نهاية خيالكِ القاصر وحين ترينَ عظمةَ نِتاجِ ما تحسبينه الآن وضيعًا جدًا، فما أكثرَ احتقاركِ وقتئذ لافتراضكِ الأعمى في لومكِ كليَّ القدرة في عدمِ أخذ الطبيعةِ بذنبها وإبادتها في مهدها‘. 

الربُّ إله العدالة والرحمة لذا فإن كلَّ جزاءٍ يُنزله على خَلقِه، سواء أبشرًا كانوا أو دوابًا، مخلوقاتٍ عاقلة أو غير عاقلة، وكلَّ معاناةٍ في طبيعتنا تعيسة الحظ هي بذرةُ هذا الحصاد السماويّ الذي ستُجمعُ غَلَّتَه حين تَستنزفُ الخطيئةُ آخرَ قطرةِ سُمِّها ويضربُ الموتُ آخرَ ضرباته؛ سيفنى كلاهما فوق مِحرقة الكون اللاهبة ويخلّفونَ ضحاياهم القدامى ينعمون في إمبراطورية السعادة والمجد الخالدة. 



الأحد، 17 أكتوبر 2021

القطة

 (كتبت إيميلي برونتي هذه المقالة وأُخرَ غيرها في بروكسل عام 1842 حين ذهبت مع أختها شارلوت للدراسة في مدرسة البنات الداخلية Pensionnat. كُتبتْ هذه المقالات في الأصل بالفرنسية في فصل الأدب الذي كان يُديره المسيو قسطنطين هيغر. أُعجب هيغر بإيميلي وعقليتها رغم الخلاف بينهما وقال عنها "كان يجب أن تكون رجلًا. تملك عقلا منطقيًا ومقدرة على الجدال، من غير المعتاد أن تجدهما في رجل، ومن النادر حقًا أن تملكهما امرأة". تَرجمتْ هذه المقالة عن الفرنسية الكاتبةُ ستيفي دافيس في كتابها Emily Bronte: Heretic)


*

أقول بكل صدقٍ إني أحبُّ القطط، بل وسأمنحُ أسبابًا وجيهةً تكشف أنَّ من يكرهونها على خطأ. 

القطة حيوان يملك من المشاعر الإنسانية ما تفوق به أي كائن آخر تقريبًا. لا يمكننا على سبيل المثال أن نعقد مقارنةً ما بينها والكلب، الذي يمتاز بصفاتٍ حميدةٍ لا حصر لها، لكن للقطة، المختلفة في سمات جسديّة محددة، عريكةٌ1 تشبهُ الإنسان بها. 

قد يقول بعض الناس حقًا بأن هذا التشابه يُمكن أن يُعقد مع أسوأ البشر، الذين ولدوا بفائض من النفاق والقسوة ونُكران الجميل، رذائل بغيضة في جنسنا وهي أيضًا كريهة في القطط. 

من دون نقاش الحدود التي وضعها هؤلاء الأفراد بين تماثلنا، أردُّ قائلةً إذا كان النفاق والقسوة ونكران الجميل سماتُ شِرار الخَلْق حصرًا فإن هذا التصنيف يشمل الجميع؛ يطوِّر تعليمُنا واحدةً من هذه الصفات بمثاليّة كبيرة، وتزدهر الأخريتان دون أن تُعززا قصدًا في منأى عن الإدانة، ونعتبرُ بهذه الصفات الثلاث برضًا لا نظير له عن النفس. 

تُخفي القطة أحيانا، من أجل منافعها الذاتية، لا إنسانيتها بغطاء ذي حلاوة جذَّابة جدًا، فعوضًا عن تمزيق ما تريده من يد سيدها؛ تأتي إليه بهالةٍ من الوداعة وتحكُّ رأسها الصغير الجميل به، وتمدُّ طرفها ملتمسةً لطفه، وما أن تنال مرادها حتى تسترد خاصيّة النمس في داخلها. لكن حين نُسمي هذه السلوك الحاذقة نفاقًا، فإننا نمنحها اسمًا آخر، إذا ما فعلناه فيما بيننا، وهو التأدُّب. وسيُنفى أيٌّ منا من مجتمعه إذا لم يعتدْ على إخفاء مشاعره الحقيقية.       

’لكن‘ تعترض سيدة محترمة، قتلتْ نصفَ دزينة من الكلاب المنزليّة المدلَّلة بدافعٍ من تِحنانٍ محضٍ، ’القطة حيوانٌ مؤذٍ؛ لا ترضى بقتل فريستها فهي تعذبها قبل موتها، ولا يمكنكِ بحال من الأحوال أن توجهي مثل هذا الاتهام إلينا‘. ليس على مبعدةٍ منك، سيدتي، السيدُ زوجك، على سبيل المثال، يحب الطَّرْد ويصيد الثعالبُ مع أنها أصبحت نادرةً في منطقته، ولن يتمكن من مزاولة مُتَعِه بين الفينة والأخرى إذا لم يُحافظ على رأسماله. لذا ترينه يُلاحق حيوانًا حتى تنقطع أنفاسه؛ ينتزعُ الحيوانَ من فكوكِ كلابه ويُبقي عليه معانيًا الانقضاضَ ذاته مرتين وثلاثة حتى تُزهقَ رُوحُه في الختام. وأنتِ تحفظين نفسك من هكذا مشهدٍ دمويّ لأنه يجرح مشاعركِ الرقيقة، لكنني رأيتُكِ تُعانقين ابنك بنشوة حين جاء ليُريك كيف سحقَ فراشة جميلة بأصابعه القاسية؛ وددتُ في هذه اللحظة امتلاك قطة، يتدلى من فمها نصف جُرَذِ مُبتلع، لأعرضَ لك صورةً طبقَ الأصل عن ملاكِكِ؛ من لن ترفضي تقبيله، وإذا ما خدشَ كلينا انتقامًا، أو بدافعٍ أفضل من هذا بكثير، فالأطفال الصغار عُرضة دائمًا لفعل هذا حين يميزون مداعبات ذويهم لهم، وسيكون هذا التشابه أكثر تطابقًا من سابقه.

أما نكران الجميل في القطط فله اسم آخر وهو الفِطنة. تعلم القطط كيف تُقدِّر معروفنا بثمنه المناسب تمامًا لأنها تتكهن بالدوافع الذي حثَّنا على تقديمه لها، وإذا ما أحسَّت بأن هذه الدوافع أحيانًا ذات نيّة طيبة فستتذكرها بلا شكٍ دائمًا. لقد سلَّفتْ القطط كلَّ شقاوتها وخصائصها السيئة الجنسَ البشري، وبالتأكيد لم تكن القطة أثيمة في الفرودس.        



1 الطبيعة والنَّفْس. 


الاثنين، 11 أكتوبر 2021

دليل الرجولة الإسبرطي

 


دليل الرجولة الإسبرطي 

‏The Art of Manliness 

‏ترجمة: مؤمن الوزان


‏ما الذي يُمكن لرجال اليوم أن يتعلموه من رجال إسبرطة. في عالم يموج بحركات تطبيع تخنيث الرجولة وتأنيث الذكورة أضحى من الواجب العودة إلى مفاهيم الرجولة الأصلية.


للتحميل: هنا

الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

مقدمة شارلوت برونتي لرواية الأستاذ

 

ترجمة: مؤمن الوزان 


كتبت شارلوت برونتي هذه المقدمة لروايتها الأستاذ بعد نشر روايتها شيرلي في عام 1849، وهي مثبّتة مع الرواية لكن الترجمة العربية لرواية الأستاذ لم تضع هذه المقدمة مع النص وترجمتها كاملة هنا.


"كُتبت هذا الرواية الصغيرة قبل "جين إير" و"شيرلي" وما من تساهل يُمكن أن يُستجدى بحجة أنها المحاولة الأولى. ولم تكن المحاولة الأولى بالتأكيد مثل القلم الذي كتبها وقد بُري في الكتابة جيدًا خلال السنوات الماضية. لم أكُ قد نشرت شيئًا قبل شروعي بـ"الأستاذ"، لكني بذلت جهدًا كبيرًا في كتاباتٍ غيرها، مزَّقتها فورَ تأليفها تقريبا، وتخلَّصت من أي شيء بدا كما لاحظتُ سابقًا بأنه مُزخرف وذو إطناب في تأليفه، وبدأت بتفضيل كل ما كان واضحًا ومألوفًا. تبنَّيتُ في ذات الوقت مجموعة من المبادئ حول "موضوع الحدث (سلسلة من المراحل تُشكِّل الحدث)" التي من الممكن أن تُثبت عمومًا نظريًا لكن غالبا ما جاءت نتيجتها، عندما طُبِّقت، مفاجئة مُؤلِّفها أكثر من إبهاجه. 

قُلت لنفسي لا بد لبطلي أن يشقَّ طريقه في الحياة كما رأيت الرجال في الواقع يفعلونها- بأن لا يحصل على شِلن واحد لم يجنه بيده، ولا أن يحظى عن طريقه الصدفة بما يرفعه إلى حياة الثروة والمكانة العليّة، وبغض النظر عن المنافسة الصغيرة التي يدخلها لا بد أن يفوز فيها بعرق جبينه، وقبل أن يتمكن من الاستراحة كما يفعل أي عاملٍ فيجب عليه أن يقطعَ في الأقل نصف "تلّة الصعوبة"، ولن يكون من نصيبه زواج فتاةٍ جميلة أو سيدة رفيعة المستوى. وكابن آدم عليه مواجهة مصير آدم المحتوم، ويستنزف في حياته كأس البهجة ذا المزيج الخفيف. 

في محاولتي لنشر هذا الكتاب وجدتُ الناشرين في العموم نادرًا ما يوافقون على هذا النظام القصصي، ويفضِّلون ما كان أكثرَ تخيُّلًا وشاعرية- شيئًا منسجمًا مع خيالٍ إبداعي رصين، مع ميلٍ نحو الرثاء العاطفيّ، ومشاعرَ رقيقة وسامية وغِرَّة. في الحقيقة، لا يُمكن لمؤلف أن يعرف أبدًا مخزون الشاعرية والإحساس الكامن بين جوانحه ولا أن يشكَّ باحتواء صدره كنوزًا ثمينة حتى يحاول الكشف عن مُسوَّدة من هذا النوع. عادة ما يُظنُّ أنَّ الرجال في التجارة يفضِّلون الواقعيّ على تجربة الفكرة التي ستبدو وهميّة في الغالب: يحثُّ تفضيل حميميّ للجامح والرائع والمثير -الغريب والمُفاجئ والمُوتِّر- الأرواحَ الغوَّاصة التي تُظهر الهدوء والرزانة. 

هكذا ستكون القصة، وسيدرك القارئ بأنَّ هذا ما يجب أن يصل إليه في صيغة الكتاب المطبوع، لا بدَّ أن تُقاسي هذه الرواية القصيرة بعضَ الصعوبات، وقد قاستها بالفعل. وبعد كل شيء فلم يأتِ بعد أشدُّ بلاء وأسوأ صراعٍ، لكنه سيمضي قُدما براحةٍ كابحًا الخوف وينحني قُبالة أيَّ توقّع متواضع ليقول بصوت هامسٍ حين يرفع عينه مواجهًا العامة 'من يَعيشُ في السُّفلِ لا يخشى السقوطَ'".   


"كتبت زوجتي المقدمةَ الآنفة بافتراض نشر "الأستاذ" بُعيد ظهور "شيرلي"، ولأنها نُصحت بالعدول عن نشرها، فقد استفادت المؤلفة من هذا العمل في كتابة روايتها اللاحقة "فيليت" لكنَّ هذين العملين عمومًا مختلفان في أغلب جوانبهما، وأوصتني بعدم حجب "الأستاذ" عن الناس. ولأجل ذلك وافقت على نشرها. 


أ. ب. نيكولاس

بارسونج هاورث، 22 أيلول 1856"


مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...