الجمعة، 20 ديسمبر 2019

تاريخ النقد الأدبي الحديث 3 - رينيه ويليك.


الكتاب الثالث 
عصر التحول. 

إن الحركة النقدية الأوروبية الحديثة شهدت في القرن التاسع عشر توسعا ونموا وتفرعا كبيرا لا يمكن الإلمام بكل حركاته وسيرورة تطورها وصيرورتها بسهولة، بل الأمر أقرب إلى المستحيل بمكان، إذ لا بد من التفرغ الكامل لأدب أمة من الأمم بشكل كامل حتى يستطيع الباحث السيطرة على مادته وعرضها بالشكل المناسب والمفيد للقارئ، لكن ويليك في هذا الكتاب فهو يحاول الإلمام قدر الإمكان كما في كتابيه الأوليين بأبرز النقاد والحركات النقدية في الأرباع الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، فيوزع كتابه على الأدب الفرنسي، والإيطالي، والإنجليزي والألماني، ويتناول لأول مرة الأدب الأمريكي متمثلا بشكل رئيس بإدغار الآن بو وصاحب النزعة الصورية الكلية والفلسفة المتعالية إيمرسون  والأدب الروسي متمثلا بالناقد الشهير بيلنكسي والواقعية الاجتماعية. 

تناول ويليك في كتابه الثاني الحركة الرومانسية وأشهر روادها ونقادها وهي التي امتدت تقريبا حتى ثلاثينات القرن التاسع عشر، لكن في ذات الوقت كان هناك أدباء آخرون ونقّاد لم يكونوا رومانسيين أو وقفوا بالضد من هذه الرومانسية، وشهد هذا القرن في آخره الوصول إلى ذروة القومية التي صعدت شيئا فشيئا في هذا القرن وكان لها تأثيراتها على الآداب القومية، وإعلاء الروح الوطنية، والذاتية الأممية، والتأكيد على قيمة الرواية التي تتناول القضايا الاجتماعية أو الواقعية الاجتماعية كما لدى بيلنسكي في الأدب الروسي، وكان من أبرز الحركات الأدبية التي ظهرت في هذا القرن الواقعية (لا تجعلوا الأشياء أفضل مما هي عليه لكن لا تجعلوها أسوأ كما يقول الناقد الفرنسي سانت-بوف.)، والرمزية، والنزعة الصورية الكلية (دعوة إلى الدين الانفعالي الحدسي غير القطعي الذي يبحث عن تعزيز فلسفي بقدر ما يحتاج إلى فلسفة الإيمان كما يعرفها ويليك)، والكلاسيكية الرومانسية (فضائل الاعتدال والتنظيم والكلية والحس الحسن هي محورية في قائمة أفضلياته، ومحاولة التوفيق ما بين العقلانية التنويرية والعاطفة والنزعة الانفعالية.)، وعداء الرومانسية (كما عند الناقد الألماني أرنولد روج الذي وصف الرومانسية بأنها هي اللا مسؤولية، والخيال، والانغماس في التأمل، الانغماس في الحلم، الانغماس في الرغبة المرادة المتركزة حول الذات، إنها العالم مقلوبا رأسا على عقب. 

يتوسع ويليك في كتابه في تناول أبرز النقاد على حدة وطرح رؤاهم النقدية وآرائهم في الأعمال المعاصرة والسابقة لهم، الأسلوب الذي يجعل الكتاب فصولا منفصلة بعضها عن بعض وتحولها إلى بحوث في دراسات استعراضية للحركات النقدية والنقاد. ليقف القارئ فيها على عدد كبير من الآراء والرؤى النقدية الأدبية التي تشكلت، والتي كانت أغلبها قائمة على ذات الناقد أحيانا أو تأثره بالنقّاد وآراء السابقين له، لكن لا يمكن الإقرار إلا للقلة ممن تحدث عنهم ويليك بأن لديهم رؤاهم ومناهجهم النقدية كما لدى سانت-بوف وبيلنسكي، أو أصحاب رؤى أدبية غير متبلورة بالكامل كما لدى ماركس وأنجلز، في حين عند آخرين تجد أنها آراء تعتمد على الفهم الخاص والتحليل الشخصي المعتمد على القراءات والإدراك لمفهوم الأدب والفن ودورهما في تغيير المجتمع أو تصويره أو الانبعاث منه فيقول رسكين على سبيل المثال في كتاب "محاضرات عن الفن" محددا غرض الفن بأنه 1- فرض الدين على الناس. 2- تحسين حالتهم الأخلاقية. 3- تقديم خدمة مادية لهم.، كما تبرز بصورة واضحة الكتابات النقدية لبعض النقاد ومحاولتهم في تعريف النقد كما يقول سانت-بوف "إن فن النقد يتألف من معرفة كيف نقرأ مؤلَّفًا قراءة مشروعة، وتعليم الآخرين كيف يقرأونه بالطريقة عينها"، وتبيين مهمة الناقد كـ "أن يكون الناقد الحقيقي سابقا للجمهور يوجهه ويرشده"، و"أن الناقد ليس سوى إنسان يعرف كيف يقرأ ويعلم الآخرين القراءة أيضا".   

هذا وأكثر يرسم لنا الطرق التي شُرعت في بدايات النقد الأدبي الأوروبي الحديث وما نتج عنها من حركات فرعية أو جديدة، والتي دائما ما تقوم على نقد القديم وتجديده أو حتى الثورة عليه، وفي الأساس فإن النقد قائم على الإنتاجات الأدبية للشعراء والمسرحيين والرواة، ففهم هذه الحركات النقدية لا بد أن يسبقه قراءة وسبر غور هذه الأعمال ومواضيعها المعالِجة أو المطروحة، لتبرز لنا أهمية النقد كمصفاة تغربل الأعمال مخلصة الأدب من الأنواع الرديئة ورافعة الأعمال الجيدة، لكن هذا غير مضمون دائما، فالمعايير النقدية هي معايير شخصية وذاتية ولا يعني أبدا أنها معايير فوقية أو راسخة أو حتى صالحة لكل مرحلة أدبية، لكن بذات الوقت لا بد للناقد أن يكون مطلعا ومتمما للحركات التي سبقته بدون ضرورة الالتزام بها أو الثورة عليها، كما في الرومانسية الكلاسيكية التي حاولت التوفيق بين الاثنين.

الأحد، 15 ديسمبر 2019

تاريخ النقد الأدبي الحديث 2 - رينيه ويليك

الكتاب الثاني 
الحركة الرومانسية. 

إن العصر أو الحركة الرومانسية في الآداب الأوروبية من المراحل التي لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها في تاريخ الأدب العالمي مما حملته في طياتها من آثار وتأثيرات وشعراء وأدباء حتى يومنا هذا في بلدان كفرنسا وألمانيا وإنجلترا التي شهدت قمة الحركة الرومانسية ولا سيما البلدين الأوليين ثم شاعت لتعم البلدان جميعا والأدب كله. 
يمتد هذا العصر منذ نهايات العقد الأخير من القرن السابع عشر وإلى ثلاثينات القرن التاسع عشر كما يعينه الدارسون، ويحدد ويليك معنيين لهذه الحركة الرومانسية من خلالها يمكن أن تفهم انطلاقة النقد وسماته: 
- إن هذه الحركة ثورة ضد الكلاسيكية الجديدة، والتي تعني رفضا للتراث اللاتيني واعتناق رأي في الشعر يتركز على التعبير والانفعال وتوصيله. 
- تأسيس نظرة للشعر قائمة على الجدلية والرمزية. وعمل نقاد مثل الأخوين شلجل وآخرين على حماية هذه النظرة من الغوص في النزعة الانفعالية والطبيعية والتصوف. 
لكن القارئ لآراء وشروح نقاد وشعراء العصر رومانسي يلتمس في أقوالهم الصوفية والفلسفية وغوصها فيها، مما يجعل الحركة الرومانسية تشوبها الكثير من الاتجاهات الفكرية والفلسفية والنزعات النفسية التي يجعل الوقوف على رؤية واضحة وذات معالم محددة من الصعوبة بمكان. 
ولا بد من التأكيد على ما ذكره ويليك بأن العصر الرومانسي جاء رد فعل على عقلانية عصر التنوير والحركة الكلاسيكية الجديدة والمادية الميكانيكية، وكان من إرهاصات هذا العصر حركة العاصفة والاندفاع في ألمانيا والتي تمثلت بشكل كبير في رواية "آلام فرتر 1774" لغوته(1749-1832)، وتقص الرواية الشاب فرتر (وهو كناية عن الحب الفوري) المفعم بالحياة والعاطفة ووقوعه في غرام شارلوت المخطوبة، ليعاني ويقاسي من آلام هذا الحب اليائس الذي يقوده إلى الانتحار، لتجتاح أوروبا حالات انتحار تقليدية، ويرتدي الكثير من الشباب ومن بينهم غوته نفسه معطفَ فرتر الأزرق وصدريته الرجالية البرتقالية وبنطاله الأصفر، وكذلك لا يمكن أن نغفل عن القول الذي يشير على رواية "هيلواز الجديدة La Nouvelle Heloise" للسويسري جان-جاك روسو (1712-1778) إلى أن هذه الرواية تمثل بداية الحركة الرومانسية، لما استذرفته من الدمع من مآقي أوروبا كما يصفها رونالد سترومبرج في كتاب "تاريخ الفكر الأوروبي الحديث". في حين يشير رأي آخر بأنها تمثل مرحلة ما قبل العاطفة الرومانطيقية (الرومانسية) "فقد غلّفت توصيفاتها الحساسة للطبيعة والعواطف السامية هذه المرحلة" (Writers Their Lives and Works). 
وهناك العديد من الأدباء الآخرين الذين مثلوا الحركة الرومانسية وعاشوا في النصف الأول من القرن التاسع عشر (قمة عصر الرومانسية) أمثال السيدة دي ستايل التي تعد من المؤسسين لهذه الحركة في أوروبا عموما وفرنسا خصوصا، وهي من الشخصيات الجدلية لا سيما بمناهضتها لحكم نابليون وحياة المنفى وعلاقتها المتعددة- حتى قيل عنها أنها تناهض نابليون وتمارس الجنس بالحيوية ذاتها والحماس نفسه، وشاتوبريان الذي يعد أب الرومانسية الفرنسية، وكذلك فيكتور هوجو الذي عدَّ شاتوبريان معبوده، رغم اختلافاتهما السياسية، والشاعر الإنجليزي وردزورث وكوليردج (جمعتهما صداقة أيضا)، وكيتس، ولورد بايرون الذي وصف بأنه جسّد بألمعيته وفكره المتحرر رومانسية القرن التاسع عشر، ولدينا أيضا المسرحي الألماني شيلر الأشهر في العصر الرومانطيقي، وأثارت مسرحيته "اللصوص" تفاعلا مشاعريا واستحسان الجمهور، وجمعته صداقة مع غوته وأنشآ معا "كلاسيكية فايمار" وهي تطوير لنظرية عن علم الجمال والحرية البشرية. 

وتتجلى الكثير من مظاهر الحركة الرومانسية في إعادة إحياء المؤلفات والأعمال التي أهلمت أو لم تلقَ التفاتا في عصر التنوير كنظرة الاحتقار التي وسم بها دانتي وكوميدياه، في حين عُدت في عصر الرومانسية من الأعمال الخالدة، ويصف بعض النقاد أن "عصر التنوير كان عصر النثر، وعصر الرومانسية كان عصر الشعر"، ويمكن الإضافة  للعصر الرومانسي الأدب المسرحي ولا سيما التراجيدي والدرامي، وهذه الأجناس الأدبية التي لاقت اهتمام النقاد التي سنمر عليهم بعد حين، ولم تلقَ الرواية ذاك الاهتمام الملموس، فالتركيز كان مصبوبا بالكلية على الشعر والرومانسية وإن ظهرت بعض الأعمال الروائية التي عبّرت عن العاطفة الرومانسية كما في أعمال فيكتور هوغو وستندال. 

وبالعودة إلى الكتاب الثاني لويليك فهو يتناول النقد الأدبي الأوروبي لهذا العصر -الممتد قرابة أربعين عاما- متمثلا بأشهر نقّاده الألمان والفرنسيين والإنجليز والإيطاليين، ومحتوى الكتاب يؤكد لي رأيي في الكتاب الأول أن الكتاب كان الأولى أن يعنون بـ "أعلام النقد الأوروبي الحديث" فالكتاب مفصل في دراسة النقّاد بشكل مقسّم ابتداءً من الأخوين شلجل مرورا بالرومانسيين الألمان الأوائل إلى النقاد الإنجليز كجفري وشيلي، ووردزورث وكوليردج إلى الفرنسيين كالسيدة دي ستايل وشاتوبريان وستندال وهوجو -نلاحظ أن الكثير من هؤلاء النقاد قد زاولوا الكتابة والنقد-، انتهاءً بالرومانسيين الألمان الصغار، والفلاسفة الألمان الذين تحدثوا وكتبوا عن علم الجمال (الأستطيقا) وهم: شوبنهاور وهيجل وسيلجر وشيلماخر. لهذا فالكتاب هو دراسة أكاديمية في مؤلفات وآراء ونقودات هؤلاء وما كتبوه في تحليل المؤلفات الشعرية والمسرحية في القرون التي سبقتهم أو التي عاصرتهم، وتواجه القارئ الذي فوّت قراءة الأدباء الذين تناولهم الكتاب أو لنقل القارئ غير الدارس- مشكلة أن الآراء والشروحات المطروحة (يعمل وليك على نقل الآراء ويربطها ويشرحها) تفترض سلفا أن القارئ على اطلاع قد قرأ هذه الأعمال، وهي من الكثرة بمكان أن القارئ لو قرأ بعضها فلن يقرأها جميعها، لذا فقد تكون القراءة المتسلسلة غير مثمرة كثيرا، يزيد الصعوبة أن الكتاب هو أكاديمي بامتياز ورغم هذا فلا يمكن تفويت الكثير من محتواه الذي يثري بشكل أو بآخر. وأما السبب الذي يدعو ويليك لتناول فلاسفة الجمال الألمان أو من لهم أطروحات في الأستطيقا هو أن النظرية الأدبية في رأي ويليك لا يمكن أن تُفصل عن علم الجمال من جهة، والتاريخ الأدبي ومجرد الرأي الأدبي من جهة أخرى.      
يلاحظ القارئ للكتاب الثاني أن العصر الرومانسي بكثرة نقاده وأدبائه والمؤلفات والآراء لا يمكنه الخروج برؤية واضحة يحصر فيها الآداب للرومانسية أو التي تدخل في إطار هذه الحركة أو الإجابة عن ماهية هذه الحركة ومعناها، فمع الكم الهائل من الدراسات والآراء والشروحات، تجد المتضارب منها والمتباين في النزعة الطبيعية والصوفية والانفعالية والعاطفية ورفض العقلانية وتحرير المشاعر، وفي هذا السياق يقول رونالد سترامبروج: 
"ما المذهب الرومانسي؟ الحق أن هذا السؤال بقي محيرا للأدباء طوال قرن من الزمن. فتعريف الرومانسية أمر مربك ومحير، ولذلك من حقنا القول إن هذا العجز عن تعريف المذهب الرومانسي هو بمثابة فضيحة القرن. فهذا المصطلح اتخذ له العديد من المفاهيم والمعاني. فرومانسية شاتوبريان مثلا كانت كاثوليكية، ولكن بسبب بغضه للثورة الفرنسية أصبحت ملكية. أضف إلى ذلك أن رومانسية هوغو كانت جمهورية (علما أنه بدأ محافظا) ليبرالية وحتى ثورية. فأن تتألم وتكابد، وأن تصلي وتقاتل (كما قاتل لورد بيرون في اليونان) وأن تغامر في رحلات بحرية، وأن تتصل بالطبيعة، وأن تتمتع بحس تاريخي، فأنت عندئذ رومانسي. وأن تعشق بانفعال وأن تتجاوز الحدود الأخلاقية التقليدية، فأنت عندئذ رومانسي أيضا. لكن القرن الثامن عشر، عرف ومارس جميع تلك المواصفات الرومانسية، شأنه في ذلك شأن القرون الأخرى جميعا. فأن تقرأ عن القرون الوسطى، وتطالع أشعار ذلك الشاعر شبه البدائي أوسيان، وأن تتعشق أيضا الكلاسيكية الغابرة، اليونان الجميلة وآثارها الحزينة… فهذا أيضا رومانسي، ناهيك بالقدر، إذ إنه رومانسي بدوره… وهكذا ترانا نتساءل أي شيء لا يكون رومانسيا إذا قمنا بإنجازه بالروح اللائقة به؟ ولهذا نقول إن الرومانسية هي مصطلح مزاج وأسلوب، أكثر منها مصطلحا لنظرية أو عقيدة أو مذهب، ومن العسير على المرء أن يقوم بتعريف الأمزجة والأساليب". 
   

الأحد، 8 ديسمبر 2019

تاريخ النقد الأدبي الحديث 1 - رينيه ويليك.

(الكتاب الأول)
حركة النقد الأدبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. 

تاريخ النقد الأدبي الحديث من الكتب الموسوعية التي رصدتْ تطور النقد الأدبي منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر وإلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. 
يتوزع هذا التاريخ في ثمانية أجزاء كتبها التشيكي-الأمريكي رينيه ويليك في نصف قرن تقريبا وبقي يعمل عليه حتى قبيل وفاته بثلاث سنوات عام 1995. 
يتناول ويليك في الجزء الأول أو بالأحرى الكتاب الأول من هذه الموسوعة النقدية -نظرا لاستقلال مادة كل كتاب عن لاحقه وما التشابه إلا في مادة ك كتاب وكونه مكملا لمادة الكتاب السابق زمنيا- بدايات النقد الأدبي الأوروبي (الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والألماني)، والكتاب يؤرخ بدايات النقد في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهي مرحلة مهمة من التاريخ الفكري الأوروبي.
 إن حصر النقد الأدبي الحديث في القارة العجوز فيه من الحيف الكثير بحق آداب الأمم الأخرى، حتى وإن لم يكن لبقية الأمم القواعد القوية والراسخة في الانطلاق نحو مشروع نقدي قويم يعد البداية لها، ولا تخلو أمة من الأمم من آداب خاصة بها ونقد لهذه الآداب وإن لم تتضح ملامحه، فعنوان "تاريخ النقد الأدبي الحديث" يعني بالضرورة إلى أن يكون الأدب هنا عالميا والنقد عالميا، لكنه يحصر في دولٍ معدودة، هذا وإن كان في أرض الواقع أمرٌ ملموسٌ ولا غبار عليه لكن من الأولى التعامل بشكل أكثر ذكاءً مع الكلمات، فالقارئ يجد أن المحتوى حين يتكلم عن الحركة الكلاسيكية الجديدة في أوروبا وعصر التنوير، وهي من المراحل المهمة في تاريخ الفكر الأوروبي ولها تأثيراتها العالمية، يرى إقصاء كل ما هو غير أوروبي، هذا الإقصاء النابع من الذاتية الفوقية الأوروبية والتمركز الغربي في كونه القائد للعالم الحديث. وقد يسأل سائل أين النقد الأدبي للأمم الأخرى؟ وما دورها من معادلة التغيير العالمية؟ وهي أسئلة حقة ومشروعة وقد لا نجد لها أجوبة مقنعة لكن انعدامها أو عدم تبلورها في رؤية أو منهج نقدي لا يلغي وجودها ولا يحل النقد الأوروبي بديلا عنها، ففي النهاية النقد الأوروبي يتناول الأدب الأوروبي المعاصر والأدب الإغريقي القديم والآداب المكتوبة باللاتينية، اللغة التي كانت لغة الآداب حتى استخدمت اللغات الشعبية والمحلية وإن بشكل خجول في القرن الخامس عشر وبشكل تصاعدي في القرون اللاحقة حتى اضمحلت اللغة اللاتينية وانزاحت من دورها لغة للأدب، ودخلت اللغات المشتقة منها كالفرنسية والإنجليزية والألمانية في خط المنافسة حتى حلّت محلها في القرنين "الثامن والتاسع" عشر. والنقطة الثانية التي تحدد النقد الأدبي في القارة العجوز هو كونه نقد محدد بحدود جغرافية القارة العجوز التي تتشابه الأقوام فيها فكريا وعقائديا واجتماعيا وسياسيا، فنرى أن العصر الحديث ورحلات الاستكشاف للعالم الجديد، والتطور الفكري والحضاري والأدبي والثقافي كان مقره القارة العجوز، ولم يتعدَ إلى مناطق خارج القارة العجوز. كل هذا يوحي برؤية مفادها أن الآداب الحديثة وما تجره من نقد فتأريخ للنقد هو خاص بالأوروبيين، وبقية الأمم خارج معادلة التأثير، لذا كان لزاما أن يكون العنوان تأريخ النقد الأدبي الأوروبي الحديث. ونلاحظ حتى عند الخروج من القارة العجوز في الكتب اللاحقة من الموسوعة يشمل النقد الأمريكي والنقد الروسي، لم يكن خروجا إلى مناطق ذات آداب ورؤى وأفكار مختلفة عن الفكر الأوروبي بل إلى مناطق ذات ثقافة وفكر تعد امتدادا لأوروبا كأمريكا وروسيا فكرا وثقافة وتأثيرا. لذا فإن أول ملاحظة على القارئ أن يسترعي لها انتباهه إن ما يقرأه يخص الآداب الأوروبية وما دار في فلكها حصرا، ففي الكتب الأخيرة من الموسوعة تنحصر المدة الزمنية ما بين 1900-1950، وهنا أضحى يقينا أن بعض كتب الموسوعة تخص نقد بلدٍ معين دون آخر وفقد صفة الكلية والعالمية. 
نعود إلى مادة الكتاب، فهي ليست دراسة للمناهج النقدية في أوروبا بل عملية تأريخ لهذا المناهج وعرضها ودراسة أعلامها ومناهجهم النقدية بل ولنكن أكثر دقة فإن الكتاب الأول والثاني الخاص بالحركة الرومانسية ليسا تأريخا للنقد الأدبي الأوروبي لكنه دراسة وتأريخ لأبرز النقاد والأدباء الذين اشتغلوا في النقد أو كانت له رؤاهم النقدية ونرى هذا واضحا وجليا في الموسوعة. ويكون الأولى عنونة الموسوعة بـأعلام النقد الأدبي الحديث، وهو عنوان أقرب لمادة الكتاب ومحتواه.
يبتدئ ويليك موسوعته مع النصف الثاني من القرن السابع عشر وهو الزمن  المتمثل في عصر التنوير والحركة العقلانية الأوروبية التي كان لها الدور الكبير في تشييء القارة العجوز سياسيا وفكريا وأدبيا وثقافيا واجتماعية، وكان من أبرز ما تأتى عنها الثورة الفرنسية في عام 1789، والتي يعد روسو وفولتير من أهم المنظرين لهذه الثورة وإن لم يشهدوها إلا أن إنتاجهم الأدبي والفكري والفلسفي الذي سبقها كان له الدور في تهيئة المجتمع لها وهذا ما حصل. 
لكن الكتاب لا يتناول هذا العصر إلا من الجانب الأدبي حصرا وعقلانية هذه المرحلة والحركة الكلاسيكية الجديدة التي انبثقت فيها. ويعلق ويليك على مصطلح عقلاني فيقول: إن مصطلح "العقلاني" مضلل إذا ما جرى تفسيره على أنه يعني أن النقد الكلاسيكي الجديد يتصور النقد على أنه بناء من العقل الواعي إلى حد استبعاد الشعور والتخيل، بل وحتى اللا شعور. إن نظرية الأدب هي موضوع العقل الواعي، لكن ما من ناقد محترم يقول إن الإبداع الفني نفسه ليس سوى سيرورة عقلانية مدركة. 


ليفصل بعدها في معنى عقلانية هذه المرحلة وتأثيرها المحوري في النظرية الكلاسيكية الجديدة في الأدب، وهنا لا بد أن نفهم أن الكلاسيكية المقصودة هي الكلاسيكية الإغريقية بكل أعلامها والتي تعد المعيار المثالي والمرجع التي عاد إليه أعلام الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة في القرن الثالث عشر على أيدي أدباء الإيطاليين مثل دانتي وبوكاشيو ثم الفرنسيين كرابليه ومونتين وتاسو والإسبان في عصرهم الذهبي كلوبي دي فيجا وسرفانتس، ليأتي بعدها أعلام عصر التنوير ولا سيما الفرنسيين والإنجليز لإكمال مسيرة تطور الفكر الأوروبي مع النظرية الكلاسيكية الجديدة في الشعر والمسرحية وما تفرع عنهما من أنواع مختلفة كالملهاة والمأساة والشعر الرعوي والملحمي والغنائي والوجداني والفطري، وهنا يتضح لنا تحدد هذه النظرية الكلاسيكية الجديدة في جنسين أدبيين بشكل مبرّز وهما الأقدم: الشعر والمسرحية، والرواية مبعدة عن النقد إلا ما ذكر بشكل عرضي وطفيف، ويوضح ويليك سمات هذه النظرية: 
- محاكاة الطبيعة، والمحاكاة هنا لا تعني النسخ ولا النزعة الطبيعية الفوتوغرافية بل في التمثيل. وإن ما يطرحه الشاعر عبر هذا المصطلح هو ليس الطبيعة نفسها بل قصده أن يمثلها. 
ومصطلح الطبيعة لا يعني "الطبيعة الميتة" (الطبيعة الصامتة أو منظر خارجي) على نحو ما يستخدم كثيرا اليوم بل المقصود به الطبيعة الإنسانية. 


ويضيف حول المقصود بالطبيعة في النظرية الكلاسيكية الجديدة: 
"إن المصطلح يعني أشياء مختلفة جدا بالنسبة لمختلف الناس. فمحاكاة الطبيعة كثيرا ما فهمت على أنها تعني الواقعية…". 
لكنه يخالف هذا ويقول: إن التفسير لـ"محاكاة الطبيعة على أنها نزعة طبيعية أو نسخ لم يكن سوى تيار واحد من النقد الكلاسيكي الجديد". 


- تجاوزت النظرة القاصرة التي اعتقدت أن الفن مجرة عبارة عقلية عن القواعد الأخلاقية، وقد فهم النقاد -في أحسن الأحوال وأسوأها- أن الأدب هو جزء من السياسة بالمعنى والواسع للكلمة، وأن الشاعر شاء أم أبى هو مشكل وصائغ النفوس الإنسانية. 


- إن أهم ما جاءت به النظرية الكلاسيكية الجديدة هو في تحول الاهتمام النقدي إلى رد فعل الجمهور، مما أفضى إلى تحلل الكلاسيكية الجديدة إلى النزعة الانفعالية والنزعة العاطفية. 
**
أما فيما يخص التاريخ الأدبي الناجح، فإن ويليك يعد أن بدايته في القرن التاسع مع بيوترفك (فيلسوف وناقد ألماني) والأخوين شليجل وفلمين وسيسموندي (مؤرخ واقتصادي سويسري)، لكن الإعداد لهذا التاريخ الأدبي الناجح سبقه إعداد في القرنين السابع عشر والثامن عشر (وهو ما خصه ويليك بالدراسة في هذا الكتاب)، ويؤكد ويليك أن التاريخ الأدبي كان قاصرا على الأدب القومي، لأن أحد دوافعه هو النزعة القومية (التي علا شأنها ولا سيما في نهاية التاسع عشر وكانت السبب الرئيس في الصراع السياسي الذي انتهى بالحرب العالمية الأولى) ولكن كان هناك وعي متزايد بالآداب وأوجه النشاط الأدبية للأمم الأخرى. 
تنقسم دراسة هذا الكتاب للنقد في أربع جهات أدبية هي الفرنسية متمثلة في فولتير وديدرو وآخرين، والإنجليزية متمثلة في دكتور جونسون وآخرين، والإيطالية التي يتناولها بالعموم، والإنجليزية، والألمانية موزعة في لسّنج، وحركة "العاصفة والاجتياح" التي تعد من الحركات المضادة لعصر العقلنة وكان جوته وهردر من أبرز روادها، والفيلسوف كانت وشيلر الذي جمعته صداقة مع غوته. 


إذن، فالكتاب يتناول بالتفصيل هؤلاء وما كتبوه من مقالات وكتب وآراء ودراسات نقدية عن كتب سواء معاصرة لهم أو سابقة لهم، منطلقين من الآداب الإغريقية القديمة وأشهر الشعراء والمسرحيين.
يعطي الكتاب تفاصيل في قالب أكاديمي متخصص يمنحه الضبط والإتقان والجفاف، لكنه مهم لكل دارس ومهتم بالنقد الأدبي. 



السبت، 30 نوفمبر 2019

ذو العقل يشقى - ألكسندر غريبايدوف.



تعد مسرحية "ذو العقل يشقى" واحدة من الكلاسيكيات الأدبية المهمة في الأدب الروسي، وأفضل أعمال ألكسندر غريبايدوف، وتأثر بها أدباء مثل دوستويفسكي وأنطون تشيخوف. لم تُنشر المسرحية الشعرية الكوميدية والهجائية للمجتمع الروسي لمرحلة ما بعد حملة نابليون إلا في عام 1833 بعد موت الكاتب بأربع سنوات، إذ منعت الرقابة نشرها لما وجدته فيها من سخرية وتهكم من المجتمع الموسكوفي وطبقة عليّة القوم والانتقاد لسلوكياتها الزائفة والعلاقات القائمة على المصلحة والنفعية.


ولد الشاعر والمسرحي والدبلوماسي الروسي غريبايدوف في موسكو ما بين (1790-1795)، درس في جامعة موسكو ونال درجة الماجستير في الفيلولوجي، وانخرط بعدها في برنامج الدكتوراة إلا أنه تركه ولم يكمله. 

كانت حياة غريبايدوف، التي جمعته بصداقة مع شاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين، حافلة بالأحداث رغم قصرها فقد انضمَّ إلى الجندية المقاومة لحملة نابليون على روسيا في عام 1812، وخدم في روسيا البيضاء قبل استقالته عام 1816، ليشترك بعدها في ثورة ديسمبر عام 1825 ضد القيصر نيكولاس الأول، واعتقل في سنة اللاحقة لكن أطلق سراحه بعدها بمدة. 

عُيّن غريبايدوف سفير روسيا في طهران عام 1828 إثر زواجه بستة أشهر من نينا ذات الستة عشر ربيعا، وبعد الحرب الروسية - الإيرانية ومعاهدة تركمانجي المهينة والتي تخلت فيها إيران عن عدة مناطق في جنوب القوقاز ومناطق أخرى لصالح الإمبراطورية الروسية. 

كانت تلك المدة مليئة بشعور العداء تجاه الروس في إيران، ولم تكن بالأجواء الطيبة بتاتا وزاد من حدتها هرب أرمينيتين من جواري حريم الشاه وسبقهما هرب مخصي أرميني وطلبوا اللجوء في السفارة الروسية، وعلى الرغم من طلب الشاه إعادتهم فقد رفض السفير هذا، وكانت المعاهدة تجيز للجورجيين والأرمينيين العودة إلى جورجيا وأراضي أرمينيا الشرقية، لتزداد حدة غضب الدهماء ويطوقوا السفارة الروسية في طهران ويتحول الأمر إلى غوغائية، الأمر الذي اضطر غريبايدوف على الموافقة بإعادة الهاربات لكن بعد فوات الأوان، إذ اقتحمت الدهماء السفارة وقتلت موظفي السفارة وألكسندر الذي قطع رأسه، ورميت جثته من النافذة وسُحلت في الشوارع، وعرض رأسه في كشك كباب في الحادي عشر من شهر شباط/ فبراير 1829.

بعد أربعة أشهر في حزيران/ يونيو سافر بوشكين إلى جنوب القوقاز والتقى بعدد من الرجال الإيرانيين الذي ساعدوه للحصول على بقايا جثة غريبايدوف، ودفنها في تيلفس - جورجيا. 


تدور أحداث المسرحية في روسيا داخل منزل بافيل أفاناسيفتش فاموسوف، رئيس مكتب حكومي، الذي يُحبُّ ابنته صوفيا بافلوفنا الشابُ الألمعي الذكي ألكسندر تشاتسكي، وكان قد ترعرع معها في منزل فاموسوف بعد موت والده، إلا أنه يتركها ويسافر ليعود بعد ثلاث سنوات ويجد أن الوضع لم يكن كما كان، وأن رغبته بالزواج منها تواجهها عقبات كثيرة أبرزها مولتشاين مساعد فاموسوف، والذي كان يسكن معهم في المنزل أيضا. 

تقع صوفيا في غرام مولتشالن بعد سفر تشاتسكي، لكن طبيعة مولتشالن الوغدة والنفعية التي تجعله يخادع ويفعل كل شيء ليحافظ على عمله والسكن في منزل فاموسوف تخلق الحدث في المسرحية، وفي ظل هذه الأحداث الدرامية ذات الطابع الهزلي والساخر والتهكمي الناقد للمجتمع الروسي تتداخل الأحداث وتظهر شخصية الكولونيل سكالوزب سيرجي سيرجفيتش، الذي كان  فاموسوف يرغب بتزويجهِ ابنته، وسكالوزب هذا، رجل لا يهمه شيء سوى المناصب والترفيعات والمكانة الاجتماعية العالية التي يسعى ليترقيها (كانت فئات المجتمع الروسي مقسمة إلى طبقات ورتب اجتماعية) ثم تظهر الشخصيات الأخرى فوق خشبة المسرح تباعًا صانعة الحدث في المسرحية.

تدفع طبيعة تشاتسكي المرحة والذكية والتهكمية إلى رفض العادات الكثيرة للمجتمع الروسي وكيفية تعاملهم المزيف والمجوف اعتمادا على المظاهر، وينفر من الولع الروسي بكل ما له علاقة بفرنسا والفرنسيين واللغة الفرنسية، وتبرز قيمة المسرحية في هذه النقطة ذات النقد الذاتي اللاذع للمجتمع الروسي وقتئذ. ويبقى تشاتسكي رغم كل ألمعيته يلاحق صوفيا لمعرفة مشاعرها التي تنفر منه بشدة، ليقع تشاتسكي ضحية ذكائه ورفضه للمظاهر الاجتماعية المنافقة والتقليد الخاوي لكل ما هو آتٍ من خارج البلاد. 

تتوزع المسرحية في أربعة فصول، انكشفت في نهايتها الحقائق في مأساة هزلية (تراجيكوميديا)، التي تعد من أبرز سمات العمل التي خصص لها جاستين وليام بحثًا بعنوان "توقُّعُ تشيخوف: العناصر التراجيكوميديّة في مسرحية غريبايدوف (ذو العقل يشقى)" لجامعة أوهايو، ويذكر في مقدمة بحثه:

"غلبت القراءة الأيديولوجية على دراسات مسرحية غريبايدوف "ذو العقل يشقى" في القرنين الماضيين. ففي السنوات الأولى بعد نشرها، أطلقت المسرحية شرارة الجدل ما بين النقّاد المحافظين والكتّاب الرومانسيين-الديسمبريين بشأن وصف المجتمع الموسكوفي. أما النقّاد المتقدمون في أواخر منتصف القرن التاسع عشر، أمثال فيسارين بيلنسكي ونيكولاي دوبروليوبوف، فقد أشادوا بالعمل على أنه أول الأوصاف الحكيمة للواقعية الروسية، العُرف الذي استمرَّ، حسبما رأيا، مع بوشكين وغوغول. وسيمجِّد النقّاد السوفييت قراءة "ذو العقل يشقى" في القرن العشرين.  

كانت القراءة السياسية للعمل مُسيطرة، فاستعرض العديد من النقّاد العمل على أنه بيان الحركة الديسمبريّة، وأن تشاتسكي هو بطلها وخطيب الحركة المفوّه. حتى الشكلانيون لم يكونوا في منأى عن هذا، فقد ركّز يوري تينيانوف على النماذج التاريخية لشخصيات المسرحية أكثر من جوانب الإبداعية الشكلانية. أما الدراسات الغربية للمسرحية فهي محدودة نسبيًا، وتضمَّنت إعادة تقييم لبعض شخصيات المسرحية وتحليلات لوزنها الشعري ولغتها".


لهذه المسرحية أثر واضح في الأدب الروسي فقد ذكرها دوستويفسكي في رواية المراهق وكذلك في رسائله، وذكرها أنطون تشيخوف في قصة العازف الأجير ورواية حكاية مملة حين يقول: 

إن مسرحية ذو العقل يشقى ليست مسرحية مملة فإنها تهب عليَّ من خشبة المسرح ذات رائحة الروتين التي كانت تثير فيَّ الملل منذ أربعين عاما مضت، عندما كانوا يضيفونني عواءً كلاسيكيا ودقا على الصدر، وبعد كل زيارة للمسرح أخرج أكثر محافظة عما كنت عليه عند دخولي.   

ويقول في موضع آخر من ذات العمل: 

لماذا يجب على الممثلين أن يحاولوا إقناعي بكل الوسائل بأن تشاتسكي، الذي قضى وقتا طويلا يحدث الحمقى والمُحب لفتاة حمقاء، كان رجلًا ألمعيًا...

ويقول عنها الممثل المسرحي كونستاتين ستانسلافسكي (الذي أحدث ثورة في عالم التمثيل المسرحي الروسي وأدّى وشارك في أداء مسرحيات لتشيخوف من أبرزها مسرحية "النورس" الشهيرة): تُعد مسرحية "ذو العقل يشقى" من النوع الهزلي. وتبرر مشاهد كثيرة بأكلمها هذا الأسلوب المسرحي، لكن ثمة كثير من أسى الكاتب المر بحق وطنه وشعبه في هذه المسرحية العظيمة... لقد أظهر المسرحيون الكلاسيكون حبًا عميقًا لشعبهم ووطنهم عبر إنزال دموع الجمهور المخفية وسط ضحكهم- وهي سمة معبّرة في العديد من الأعمال الفنية الروسية. 


وذكرها أيضا بولغاكوف في مسرحية الجزيرة القرمزية. 


وعلى الرغم من كل هذه الشهرة فإن المسرحية لم تترجم إلى العربية إلا مؤخرًا بترجمتي عن الإنجليزية، وأما العنوان "ذو العقل يشقى" المقتبس من شعر المتنبي: 

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله 

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم  


فلا أعرف من صاحبه على الرغم من وجوده بهذه الصياغة في أعمال دوستويفسكي وتشيخوف وبولغاكوف. 


لقراءة وتحميل المسرحية:

هنا

السيرة الكاملية لابن النفيس.



إن أحد أهم تأثيرات حيّ بن يقظان سواء ذاك الذي كتبه الرئيس ابن سينا أو ما قصه ابن الطفيل يتمثل في الرسالة الكاملية في السيرة النبوية أو ما يعرف كذلك "رسالة فاضل بن ناطق" للعالم والطبيب والفيلسوف والفقيه الشافعي العلاء بن النفيس القرشي الدمشقي، أحد أعلام الأمة والمتوفى في القاهرة عام 1288، بعد أن كان رئيس الطب فيها

عارضت هذه الرسالةُ مذهبَ ابن سينا في الفلسفة ويذكر محقق الرسالة عبد المنعم محمد عمر مخالفة ابن النفيس لابن سينا في مبدأين
الأول: إيمانه بنظرية المعرفة الإشراقية التي تقرر أن العقل الإنساني يستطيع أن يصل وحده إلى حضرة الحق سبحانه لأنه موهبة من الله الذي أفاضها على الأرواح الإنسانية، لذلك فإن العقل البشري يستطيع وحده أن يصل إلى ما دعاه الأنبياء والمرسلون

الثاني: النظرة "الصوفية الفلسفية" التي قام بها "الرئيس ابن سينا" في قصة حيّ بن يقظان، ومفادها أن العقل إذا سيطر على الشهوات والغرائز والملكات الإنسانية الأخرى، فألزم الإنسان أن يتوغل في الرياضة الروحية ومجاهدة النفس، استطاع العقل وحده أن يرى المعارف، واستطاع الكشف عن معميات ما وراء الطبيعة

وشابهت هذه الرسالةُ قصة حيّ بن يقظان في خلق من أسماه كامل، وعيشه في جزيرة عرف بها ذاته واكتشف محيطه وتوصل إلى المعرفة الكلية، والتقائه بأناس رماهم البحر إلى جزيرته ليعلموه لغتهم ثم ينطلق معهم إلى أرضهم
كان هذا التشابه في أول القصة فحسب ثم يشرع بعدها في بيان محور النص، وهو كيفية معرفة هذا الكامل أهمية وجود النبي وما صفاته وكيف أحواله، وما الذي يحل بعد وفاته، فهيا بنا نكتشف العمل

يروي نص ابن النفيس سارد داخلي اسمه فاضل بن ناطق (الاسم فاضل من الفضل، وناطق من العقل والمنطق، مما يعطي إشارة على قيمة سارد النص ومكانته) الذي يتكلم فيه عن هذا الإنسان الذي أسماه كامل، هذا السارد الداخلي خلق لنا مستويين سرديين وثلاثة أزمنة
المستوى السردي الأول: مستوى الحدث الخاص بالكامل
المستوى السرد الثاني: مستوى الحدث الخاص بسرد فاضل بن ناطق
أما الأزمنة
الزمن الأول: زمن وقوع الحدث الخاص بالكامل
الزمن الثاني: زمن الخاص بقص فاضل بن ناطق للقصة
الزمن الأخير: هو زمن كتابة ابن النفيس لهذا النص

هذا التنوع السردي وتعدد مستوياته، يبين أن النص قد برز مستواه منذ البداية فهو ليس سردا متجانسا ولا خطابا مباشرا ولا نثرا خالٍ من زمن حدث رئيس، كعادة الكتب الفكرية والشرعية في التراث

تتوزع هذه الرسالة كما يفصلها ناطق بن فاضل إلى أربعة فنون
الفن الأول: في بيان كيفية تكون هذا الإنسان المسمى بكامل
الفن الثاني: في كيفية وصوله إلى تعرف السيرة النبوية
الفن الثالث: في كيفية وصوله إلى تعرف السنن الشرعية
الفن الرابع: في كيفية وصوله إلى معرفة الحوادث التي تكون بعد وفاة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

يتضح من هذا التقسيم ما أشرتُ إليه في أن التشابه مع قصة حيّ بن يقظان لابن الطفيل، هو تشابه ابتدائي خصه بربع الرسالة، والأرباع الثلاثة الباقية موزعة قسمين
الأول: ربعان يخصان السيرة النبوية ومنها اسم السيرة الكاملية في السيرة النبوية، وهي نصف الرسالة.
الآخر: ربع يخص الواقع ما بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، والواقع إذا عمَّ الشر والفساد في أرض الإسلام وما يجلبه الأمر من تسلط الأعداء وهزيمة المسلمين أمامهم، وهو بحث ينطلق من مبدأ الذنوب تجلب العقاب المتمثل بالأعداء لا الكوارث الطبيعة لحرمة أمة خاتم النبيين عند الله عز وجل

يشمل الفن الأول من الكتاب قصة خلق الكامل في جزيرة اتفقت فيها الظروف المناسبة لتكون وخلق هذا الكامل من طين خاثر يفصلها ابن النفيس في شرحه مستفيدا من خبرته وعمله في الطب (وتكرر هذا في كثيرا لا سيما في هذا الفن)، لينشأ بعدها هذا الإنسان في هذه الجزيرة، وهذا النقطة تشير في التخلّق من دون التقاء الذكر والأنثى، يعد من الإشارات الإسلامية التي قال بها التطوريون لاحقا في تفسيرهم لنشأة الحياة فوق الأرض، وهذا يضفي سمة معرفية وعلمية بارزة على هذه النقطة. ويتبع ابنُ النفيس ابنَ الطفيل في قصته حول كسب الكامل معلوماته ومعرفته عن طريق الحواس والمراقبة والتفكر في هذا الخلق حتى وصل إلى معرفة وجود موجود واجب الموجود وهو الخالق وله في هذا تفسير رائع دقيق في إثبات الخالقية فيقول

وكان قد شاهد كثيرا من الأجسام توجد تارة وتعدم أخرى فعلم أن وجود تلك الأجسام وعدمها، كل منهما غير مستحيل (أي غير مستحيل وجودها -إضافتي-)، وذلك ما نسميه بالممكن، فرأى أن هذا الممكن ليس يجوز أن يكون وجوده أو عدمه من ذاته وإلا لم يفارقه ذلك الأمر الذاتي (أي أن الوجود والعدم ليس من إمكانية الممكن وهو المخلوق العادي ونحن نرى اليوم أن الإنسان يولد دون إرادته ويموت دونها) فهو إذًا من غيره، فعل الفاعل لوجود الممكنات ممكن أو ليس كذلك؟ فإن كان ممكنا كان وجوده من غيره أيضا وتسلسل ذلك، فلا بد من الأشياء إلى موجد غير ممكن؛ إذ لولا ذلك لاجتمعت علل ومعلولات لا نهاية لها، وكانت بجملتها ممكنة أيضا فكانت محتاجة إلى موجد غيرها والذي هو غير جميع الممكنات فهو غير ممكن. فلا بد وأن يكون واجبا فإذا لا بد وأن يكون لهذه الموجودات موجد هو واجب الوجود وذلك هو الله تعالى، ولا بد وأن يكون عالما بكل شيء وإلا لم يكن فعله متقنا، ولا بد أن يكون في غاية الاعتناء بكل شيء، وإلا لم يجب أن يكون كل شيء على أفضل الأحوال الممكنة له، فظهر لكامل إذن أن لهذه الموجودات موجدا واجب الوجود، وعالما بكل شيء ومعتنيا بكل شيء

نرى في هذه الأسطر مدى الدقة في التفكير والبلاغة في الإفصاح والقوة في الحجة والبلوج في البرهان. ويبتع ابن النفيس هذا الخط في تبيان الحجج العقلية الدالة على ضرورة وجود النبي، والشريعة، والمعاملات بين البشر، إلخ. ثم يقوده التفكير إلى ضرورة وجود النبي، وتوصل إلى ثلاث منافع للنبي
الأول: إنه يبلغ الناس شرع الله عز وجل كما ذكرناه
الثاني: إنه يُعرِّف الناس بجلال الله تعالى، وبسائر صفاته
الثالث: إنه يعرفهم حال المعاد وما هو معد لهم في الدار الآخرة من السعادة والشقاوة (ويرد في هذه النقطة على قول الرئيس ابن سينا الناص على أن البعث هو للأرواح لا الأجساد ورد على كل من أنكرَ بعث الأجساد). 
يشرع بعدها في الفن الثاني والثالث، ففي الفن الثاني يتحدث عن نسب النبي، وموطنه، وتربيته، وحاله مع الشهوات، والهيئة، والصحة، وانجابه الأولاد، ودعوة الناس، واسمه، وكتابه. والفن الثالث يشمل بابين: الأول فيما يأتي به النبي من التكاليف العلمية، والآخر ما يأتي به النبي من التكاليف العملية
ولا يظنن القارئ أن السيرة هنا سيرة سردية قصصية بل هي سيرة فكرية عقلية تحليلية قائمة على ما ورد من سيرة النبي في خطوطها العريضة، فيذكر أن الكامل تفكر في هذا النبي وصفاته ومؤهلاته، فيبدأ هذا الكامل بالتفكّر ونتيجة تفكّره مطابقة لسيرة النبي (عليه أفضل الصلاة والسلام). إن هذا التحليل العقلي القائم على التحليل والتفسير والحجج المنطقية يبرز قيمة الرسالة الفكرية بل ونفاذ بصيرتها وقدرة صاحبها، وكذا الأمر مع الفن الرابع الذي ذكر فيه أحداث ما يقع بعد وفاة هذه النبي من صراع، وكذلك ما يحدث بعدها في القرون المتأخرة من حرب وهزيمة ضد أهل الكفر، وجدير بالذكر أن زمن ابن النفيس، كان في العهد الأخير من الحروب الصليبية، هذه الحروب التي امتدت منذ عام 1095  بدعوى البابا أوربان الأول وحتى نهاية الربع الثالث من القرن الثالث عشر، وقد جرّت هذه الحروب من ويلات وتراجع وتقهقر وهي من أعظم البلايا التي حلّت بالأمة والموضوع فيها يطول، وما يهمنا هو التأثير التي خلفته هذه الحروب في فكر ابن النفيس وأن الابتعاد عن شرع الله موجب العقاب، وانتشار الفساد موجب للهزيمة أمام الأعداء. وفي هذا الفن الأخير الكثير من النُقَط المثارة والتي تستوجب الوقوف والمطالعة والرد عليها بالتفصيل وتناولها بالإسهاب حتى تكتمل الفائدة ولعلنا نعود لهذا مستقبلا
يتبقى السؤال هل يمكن أن نسمى الرسالة الكاملية بالقصة؟ إن هيكل القصة فيها معدوم وإن كان في بعض أجزائه كما في الفن الأول ذو طابع قصصي إلا أنه في عمومه كتاب فكر لا قصص، ومن الإشارات التي تثبت هذا قوله: "ولقد ذكرنا هذا في كتاب آخر". 
والسارد القصصي لا يخرج بهكذا ملاحظات إن أراد القص، وتتمحور أهمية الرسالة في أسلوبها ولغتها وكونها تحليلا عقليا ومنطقيا يرد فيه ابن النفيس على سابقيه ومخالفيه، ويُثبت فيها أهمية وجود النبوة، وشرح أُسسها بإيجاز لمّاح ذكي وعقلي.
الجانب الآخر المهم في هذا النص هو التحليل بناءً على الماضي والحاضر المعاصر، فهو يأخذ السيرة النبوية كما ذكرنا معتمدا عليها في خلق نصه وهنا تُفقد الإبداعية ونتحول إلى التحليلية والتفسيرية، وهذا ما يسحب منها البناء القصصي ويثبت عليها السردية الفكرية


    

مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...