الأربعاء، 24 يونيو 2020

البصائر والذخائر - التوحيدي.


  

يعدُّ كتاب البصائر والذخائر للتوحيدي من أكبر كتبه حجمًا وأجلَّها أثرًا، إذ يتألف من تسعة أجزاء وجزء عاشر للفهرس والمحتويات، وقد صدر بتحقيق وداد القاضي. 

استغرق التوحيدي في تأليفه قرابة خمسة عشر عامًا (350 - 365)، جمع فيه من الأخبار والحكم والخطب والطرف والأشعار والنثر والوصايا والأمثال واللغة وفنونها وفقها، من شتّى المنابع ومختلف الأصقاع موزعًا إياها في أجزاء كتابه على شكل فقرات مرقَّمة متسلسلة في كل جزء. 

يكتب التوحيدي في خطبة افتتاح الجزء الأول وهو أفضل ما يقدِّم به كتابه ويعرِّفه:

 

ثبتَ -أطال الله بقاءك- الرأي بعد المخض والاستخارة، وصحَّ العزم بعد التنقيح والاستشارة، على نقل جميع ما في ديوان السَّماع، ورسم ما أحاطت به الرواية، واشتملت عليه الدراية من عام خمسين وثلاثمئة، مع توخي قصار ذلك دون طويله، وسمينه دون غثِّه، ونادره دون فاشيه، وبديعه دون معتاده، ورفيعه دون  سفاسفه، ومتى أنصفتك نفسك، وهدتك الرأي وملكَّتك الزمام، وجنَّبتك الهوى، وحملتك على النهج، وحمتك دواعيَ العصبية، علمتَ علمًا لا يُخالطه شكٌ، وتيقنت تيقنًا لا يطورُ به ريبٌ، أنك ممن كُفي مؤونة التعب بنصب غيره، وُمنح شريف الموهبة بطلب سواه، وذلك بيّن عند تصفِّح ما تضمن هذا الكتاب، فإنك مع النشاط والحرص ستُشرف على رياض الأدب، وقرائح العقول، من لفظ مصون، وكلام شريف، ونثر مقبول، ونظم لطيف، ومَثَل سائر، وبلاغة مختارة، وخطبة محبرة، وأدب حلو، ومسألة دقيقة، وجواب حاضر، ومعارضة واقعة، ودليل صائب، وموعظة حسنة، وحجَّة بليغة، وفِقرة مكنونة، ولمعة ثاقبة، ونصيحة كافية، وإقناع مؤنس، ونادرة ملهية، وعقل ملقَّح، وقول منقَّح…  


ويزيد متمما في ما تبع مبينًا منهجه: 

جمعت ذلك كله في المدة الطويلة مع الشهوة التامة، والحرص المتضاعف، والدأب الشديد، ولقاء الناس وفلي البلاد، من كتب شتى حُكيت عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الكناني*، وكتبه هي الدر النثير، والنور المطير، وكلامه الخمر الصرف، والسحر الحلال، ثم كتاب "النوادر" لأبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، ثم كتاب "الكامل" لأبي العباس محمد بن يزيد الثُمالي**،… 

ثم يسرد المصادر التي استقى منها والمنابع التي وردها صاديًا وعادَ ريانَ مرتويًا، فأما أمهات الحكم وكنوز الفوائد فهي كما يحددها: 

- كتاب الله تعالى. 

- السنة النبوية الشريفة. 

- حُجة العقل.

- حجة العين.    

*

يمتاز هذا السِفر الكبير: 

بتقديم التوحيدي له بخطبة يفتتح بها كل جزء وهي خطب عصماء أليق ما تكون بمحتوى كتابه وأجمل ما يستهل بها أجزاءه، شاملةً لشتى المواضيع ما بين وصايا ووعظ ودعاء وحكم، ويردُّ في بعضها على أقوال منتقدي كتابه.    


يُخاطب التوحيدي القارئ كأنه جليسه بأرق الألفاظ وأعذبها مما يزيد متعة القراءة له كأنه في حضرته عيانا، ولا يكتب التوحيدي بقلم الكاتب فحسب بل وعين ومزاج القارئ فيستشعر مواضع الملل والسأم إذا طال الحديث في موضوع عميق ومسألة عويصة معقدة فينبّه القارئ بأنه يعلم ما ألمَّ به فينقله إلى طُرف القصص والأملوحات يُروِّحُ بها عن نفس قارئه. 


يعمل التوحيدي في أجزاءه على ألا يطيل في الكتابة في حقل أدبي ما فينوِّع ويمازج بين الثقيل والخفيف والأصيل المنفعة وما دونه من الفائدة، فكأنه يقدّم للقارئ مائدة عامرة بالأطايب من طعام وثمار وحلوى وشراب، متيحًا للقارئ ألا يُثقل في صنف إلا أورد عليه صنفًا آخر، وما شعر بالتخمة إلا وسقاه من خفيف الأخبار وطريفها التي كثيرًا ما ركّز فيها التوحيدي على أخبار المخنَّثين وبعضًا من القصص التي يشوبها الفُحش والبذاءة، التي يغلب عليها الضحك والهزل لا غايتها الابتذال والجد. 


 يكشف الكتاب عن مدى براعة التوحيدي باللغة وتضلّعه منها وحماسه لها وغرفه منها غرفَ من لا يرتوي وجنيه من ثمرها جني جائع لا يشبع، لنقف مع تنوع المواضيع وتشعبها على عقلية موسوعية فذّة حصيفة وأديب بليغ ناجع الكلام وصائب الرأي والقول، لا يكتفي القارئ من الأخذ من علمه بل ويزيد عليها الحكمة وتوسيع المدارك وتعميق الدراية. 


_____

* أُعجب التوحيدي بالجاحظ أيما عجب، فاقتفى أثره واتبع خطاه فكان البحرَ الذي 

مخرت سُفنه فيه، لكنه بحرٌ وأيُّ بحر! فقد امتلأت شطآنه باللؤلؤ المنثور فكيف بقيعانه وما بالك بقيعانه! بدرها المكنون وجوهره المصون. ويعده بعض متأخري الأدباء الجاحظَ الثاني وهو شرف لم يحلم به التوحيدي كما يشير د. عبد الرحمن قائد.  

** هو المُبرِّد صاحب المؤلف المشهور "الكامل في اللغة والأدب. 



الهوامل والشوامل



كتابٌ تساؤلات وإجابات مشترك ما بين أبي حيان التوحيدي وأبي علي مسكويه يضم خمسًا وسبعين ومئة مسألة أرسلها أبو حيان التوحيدي إلى أبي علي مسكويه يستجوبه عنها، وسمّى أسئلته بـ الهوامل وهي الإبل السائبة، وأما أجوبة مسكويه فسُمِّيت بـ الشوامل وهي الحيوانات التي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها.  

وترد تسمية أسئلة أبي حيان بالهوامل فيما يذكره أبو علي مسكويه في استهلال الأجوبة فيكتب:

"وهأنذا آخذٌ في أجوبة مسائلك التي سميتَها "هوامل" ومجتهد في ردها عليك برعاة حفظة، وولاة يقظة، محلولة العقال، موسومة الأغفال، ومؤمل أن تجد بها من الحكمة ضالتك، ومن العلم بغيتك وطلبك، فتقضي بعد الظفر منها إلى بَرْدِ اليقين فيها إن شاء الله". 


ولد أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه في عام 320 هـ، أصله من الري إيران. وكان من علماء المسلمين اشتغل 

 

بالفلسفة والسياسية والكيمياء إضافة إلى أنه مؤرخ وشاعر، وهو أول علماء المسلمين الذين كتبوا في علم الأخلاق في كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ولعلنا نستكشف سعة معرفة مسكويه في هذا المجال من أجوبته على مسائل التوحيدي التي كثير منها تدور في/ حول الأخلاق والأفعال الإنسانية بل ونجد في كلامه الحجج العقلية والمنطقية القوية كما في مسألة هل يخالف شرع الله العقل، ومسألة وجود الملائكة.

كان التوحيدي ممن عاصروا مسكويه إلا إنه لم يجد فيه ما يُعجبه بل ويبدو من مسائله أنها قد قرَّع مسكويه في كلامه، ويصف إ. د. صلاح رسلان العلاقة بين الاثنين أنها كانت علاقة تحدٍ ومطاولة غلب عليها التوتر والمخاشنة، ويكبر أبو علي مسكويه التوحيدي بسنين قلائل، وقد عَمر حتى عام 421 هـ. ويشير إلى أن أسباب الصراع بين الاثنين هي الغيرة من مسكويه الذي حقق شهرة بالعلم أكبر من شهرة التوحيدي، وحالفه الحظ دائما، وأغدق الكبراء عليه بسخاء كما فعل عضد الدولة عندما اختاره ليكون خازن بيت المال وخازن الكتب ومن هنا عرف بالخازن. 

يضيف أيضًا "إنَّ السبب في اختيار التوحيدي مساءلة مسكويه، وعنده من هو أعلم منه كأبي سليمان السجستاني المنطقي، والفيلسوف يحيى ابن عدي، وأبي سعيد السيرافي عالم النحو والمنطق، والعالم علي بن عيسى الرماني وغيرهم ممن تلقى العلم على أيديهم، لم يكن مصادفة بل كان مقصودًا للتندر والاستخفاف به، وإظهار عجزه الفكري، خاصة بعد أن باء طمع التوحيدي في علم ومال مسكويه بالفشل، فوصفه بالبخل والغباء". 

ولعل مصداق هذا الكلام ما يورده أبو علي مسكويه في جواب المسألة الرابعة حين يقول: "ارفق بنا يا أبا حيان -رفق الله بك- وأرخ من خناقنا، وأسغنا ريقنا، ودعنا وما نعرفه في أنفسنا من النقص فإنه عظيم، وما بُلينا به من الشكوك فكثير، ولا تُبكِتنا بجهل ما علمناه، وفوت ما أدركناه، فتبعثنا على تعظيم أنفسنا، وتمنعنا من طلب ما فاتنا فإنك -والله- تأثم في أمرنا، وتقبح فينا، أسأل الله ألا يؤاخذك ولا يطالبك ولا يعاقبك، فإنك بعَرَضِ جميع ذلك إلا أن يعفو ويغفر، فإنه من أهل التقوى وأهل المغفرة".

فإن كان حقًا أنَّ أبا حيان التوحيدي أراد إحراج وتوبيخ وإساءةً يوجهها إلى مسكويه عن غيرة وحسد وطمع فقد أوغلَ في مستنقع الخطأ والبذاءة وسوء الخلق على النقيض من مسكويه وأجوبته التي فيها من التواضع ومعرفة الذات ومقدار العلم الضئيل، فلا نلتمس تعاليًا ولا عجرفة ولا أنا متعالية، وبزَّ مسكويه التوحيدي في الأخلاق وحسن التعامل والرد فكان الأستاذ المجيب الوقور في مواجهة الطالب السائل الفظ الجلف.  

* 

إنَّ هذه المسائل التي ترد في الكتاب (وهو من إخراج أحمد أمين والأستاذ "السيد أحمد صقر" وكما يذكر أحمد أمين في تقديمه أيضا للكتاب " بل كان نصيبه من تصحيح الكتاب والتعليق عليه أكثر مما لي فله جزيل الشكر على ما قام به") وكما يتضح من الأجوبة أن هذه النسخة المحققة من الكتاب هي التي كتبها مسكويه لا أبو حيان. فنقرأ أولًا في خطبة افتتاح الكتاب لمسكويه:  

قرأت مسائلك التي سألتني أجوبتها في رسالتك التي بدأت بها فشكوت فيها الزمان، واستبطأت بها الإخوان، فوجدتكَ تشكو الداء القديم والمرض العقيم، فانظر حفظك الله إلى كثرة الباكين حولك وتأسَّ، أو إلى الصابرين معك وتسلَّ، فلعمر أبيك إنما تشكو إلى شاكٍ وتبكي على باكٍ، ففي كل حلق شجًى وفي كل عين قذى، وكل أحد يلتمس من أخيه ما لا يجد عنده أبدًا ولو كان حدُّ الصديق ما رسمه الحكماء حين قالوا: صديق آخر هو أنت إلا أنه غيرك بالشخص- فهيهات منه إني لأظن الأبلق العقوق (الأبلق: الخيل الذي يبلغ تحجيله إلى الفخذين، والعقوق: الحامل صفة المؤنث، للدلالة على الاستحالة. هامش الكتاب) والعنقاء المُغرب، والكبريت الأحمر أيسر مطلبًا وأقرب وجودًا منه. 


والآخر في حذف مسكويه بعض كلام التوحيدي كما في المسألة الرابعة إذ يقول: 

"ثم أتبعتَ المسألة من تنقُّصِ الإنسان وذمِّه وتوبيخه ما أستغني عن إثباته".

يتضح لنا أن هناك كلام لأبي حيان فيه من الشكوى، وسبق أن قرأنا عن التقريع الذي يذكره مسكويه عَرَضًا أيضا- غير موجود في هذه النسخة من الكتاب، ويبقى حظ التوحيدي من هذا الكتاب هو أسئلته فقط. 


**

إن المسائل الواردة في الكتاب تشير إلى فضول أبي حيان الكبير فتنوعت مسائله ما بين الدين والفكر والفلسفة والأخلاق والعِلم الطبيعي والشرعي واللغة وفقها وعلم الاجتماع والإنسان والسياسة وخلجات النفس وخواطرها وخيالاتها، وترد أجوبة مسكويه في ذات السياق دالةً على حسن إطلاع وتفقّه في العلم والحياة والإنسان وما يربط هذه الجهات الثلاث من روابط حسيّة أو غير حسيّة، بل ويزيد الأمر إلى أن نعرف مدى ما وصل إليه الحال في ذلك الوقت فنجد مسكويه يضرب أمثالًا في أجوبته من الرياضات كذكره الدائرة ومركزها والمثلث وقوائمه، واستشهاده بأقوال أفلاطون وأرسطو، وهذا حال مشرف يُثير في النفس الأسى لو قُوبل اليوم مع ما وصلنا إليه من تذيل ركب الأمم وتخلّف في قوافل العلوم والمعارف.  

من المسائل التي وقفت عندها ووجدت فيها من الفائدة المعرفية والفكرية فهي المرقمة: 

1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 24، 34، 61، 63، 77، 78، 79، 84، 90، 92، 94، 100، 112، 126، 128، 129، 131، 136، 141، 147، 158، 159، 160، 161، 171، 172.   


الأحد، 14 يونيو 2020

أبو حيان التوحيدي



علي بن محمد بن العباس التوحيدي، أحد كبار الأدباء، وعَلم من أعلام في القرن الرابع الهجري، اُختُلِفَ في أصله ما بين عربي وفارسي وفي مكان ولادته إلا إن الثابت نشأته في بغداد حيث تعلَّم وتفقّه وقطف من ثمار المعرفة والفكر، واشتغل بالأدب واللغة والفلسفة والتصوف. يصفه ياقوت الحموي بأنه: فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة ومحقق المتكلمين ومتكلم المحققين وإمام البلغاء… فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاءً وفطنةً، وفصاحةً ومكانةً. 


أما الذهبي فقد كان من الذين طعنوا في عقيدته -التي هي الأخرى مختلفٌ عليها إلا أن القارئ لكتبه يعلم مدى إيمانه وحُسن عقيدته وتقواه وأن الطعن فيه لا يثبت من كتبه لا سيما تلك الخطب الاستهلالية التي يفتتح بها أجزاء البصائر والذخائر فهي زاخرة بالإيمان والتوحيد ومزادنة بحسن الظن بالله ورقي الحديث عنه تبارك وتعالى، فيها من أطايب الأوصاف ألذها ومن أجود  العبارات أنْفسَها، ومحالٌ أن تخرج مثلها ممن شابت عقيدته شوائبُ الضلال  

والفجور والانحراف عن جادة الحق والانتكاس عن فطرة الإسلام، في الأقل مما وصل إلينا من كتبه- فيقول في تقديمه في "سير أعلام النبلاء": الضال الملحد أبو حيان، علي بن محمد بن العباس، البغدادي الصوفي، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية، ويقال: كان من أعيان الشافعية". ويقول د. عبد الرحمن قائد في حديثه عن التوحيدي وما ذكره الذهبي: "وقد انتصر لأبي حيان التاجُ السبكي الشافعي، وأورده في طبقات الشافعية، وسبقه النووي، وإيراده في طبقات الشافعية بسبب نقله عن أبي حامد المروورذي، قال السبكي: "لم يظهر من كلامه ما يدل على الزندقة". ونقل عن والده تقي الدين السبكي قريبا من هذا، ولعل حماسة السبكي في الدفاع عن أبي حيان لكونه معدودًا في الشافعية ومذكورًا في طبقاتهم، كما أن انتسابه للصوفية سبب آخر للدفاع عنه، وزعم السبكي أن الذهبي بسبب موقفه من غلاة الصوفية طعن فيه، لكن نقول إن الذهبي عنده موقف من غلاة الصوفية لا معتدليهم كما أشار المحقق المعروف بشار عواد معروف". 


والقارئ لكتاب البصائر يجد ازدراء التوحيدي ممن يتناول غامض الكلام ومبهمه في العبادة أو يتخذ السبل الوعرة في الوصول إلى الله أو توهم الوصول إليه من خلال تعليقاته على ما يذكر من أخبار هؤلاء من غلاة المتصوفة والمتكلمين فكيف بعقيدته وإيمانه.

ويذكر إ. د. صلاح رسلان في تقديمه لكتاب "الهوامل والشوامل" عن دين أبي حيان قوله: 

لقد كان التوحيدي حنيفًا مسلمًا، صوفيًا يغار على دينه ويقر بجلال القرآن وإعجازه ويمجّد أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويدعو إلى الثقة في الله وحده، وفي ذلك يقول أبو العباس أحمد بن أبي الخير زركوب شيرازي وهو من أعلام القرن السابع الهجري: 

التوحيدي هو الإمام الموحد، والعالم المتفرِّد، الجامع للمعارف والعلوم، لا نظير له في المكاشفات الإلهية والبحث عن التوحيد. 


عاش أبو حيان التوحيدي حياة مديدة امتدت لقرابة قرن من الزمن تقريبًا (ولادته مختلف عليها ما بين 310 هـ و311 أو أكثر أو أقل ووفاته في سنة 414 هـ) وزاخرة بالشقاء وسوء الحظ حتى لقِّب بالمفلوك أي قليل الحظ، كما يذكر د. عبد الرحمن قائد، ورغم قلة ذات اليد والفاقة التي أدت إلى التناقض ما بين حياته وكتاباته فقد كان عالمًا موسوعيًا اشتغل في كثير من مجالات العلوم والمعارف في عصره من لغة وفقه وحديث وأدب وفلسفة وتصوف وكلام. 

امتاز التوحيدي بإتقان اللغة وتبحره فيها وضلوعه منها فقدَّم لأجزاء البصائر والذخائر خطبًا سامية اللفظ، بليغة المعنى، رقراقة الصياغة، متقنة السبك والتدبيج كأنها الدرُّ في القلادة، في فصلها ووصلها إراحه للنظر ومتعة للبصر ولذة المعرفة ونشوة العلم، وامتاز كذلك برجاحة العقل النقدي والذوق الأدبي الرفيع كما في يتضح في تعليقاته على ما يُورد في كتبه التي يلتمس القارئ فيها حُسن الرأي والبيان، ورقي طباعه الأدبية واللغوية سواء باختياره للأخبار وتوفيقه بينها وجمعها بما لا يثير الضجر والسأم والملل وبمعرفته لنفوس قرَّائه طاريًا صبرهم ومستجديًا فضلهم ومستصفحًا إياهم عن زلَّاته الواردة فهم أهلٌ لهذا. وقد تبرز أقبح معايب التوحيدي في إحراقه مخطوطاته قبل وفاته معللا فعلته بكون كتبها لأجل الدنيا فلم ينتفع منها.

ولا مفرَّ لكل محب للأدب العربي واللغة الراقية أن يطوف قارئًا وناهلًا من كتب التوحيدي التي نجت من محرقته فقد ألَّف عشرات الكتب من بينها: 

1- البصائر والذخائر وهي أكبر كتبه وأشهرها. 

2- مثالب الوزيرين. 

3- الإمتاع والمؤانسة. 

4- الهوامل والشوامل. 

5- الإشارات الإلهية. 

6- الصداقة والصديق. 

7- المقابسات. 

8- رسائل أبي حيان التوحيدي.

   


 




















السبت، 13 يونيو 2020

حالة طوارئ - ألبير كامو


الطاعون
لا سيادة لأحد غيري، هذا أمر واقع فهو إذن حق، ولكنه حتى لا يقبل المناقشة وعليكم أن تروضوا أنفسكم على التكيَّفِ وفقه. على كل حال حذار من أن يخطئ ظنكم، قلتُ إنني رب السيادة هنا، وقد يكون من الأصح أن أقول إنني رب الفعل والتنفيذ. 

بعد سنة من نشر رواية الطاعون، نشر كامو مسرحية "حالة طوارئ" في عام 1948، ويعلل المترجم اختيار هذا العنوان رغم أن العنوان الحرفي للعمل "حالة حصار": إن ما يفرض على مدينة قادش (أرض الحدث) هو حدثٌ طارئ سرعان ما ينتهي. يبدو التعليل منطقيًا كون الحالة التي تمر بها المدينة وأهلها هي حالة أشرب بحالة الطوارئ التي تضرب بلدًا ما، لكن كان بإمكان كامو أن يستخدم "طوارئ" لا "حصار" لذا فإن لهذا التغيير صوابه الاقتراحي وخطأه التنفيذي. وبما إن الرواية رمزية في كثير من أحداثها وشخصياتها المتمثلة في مقدمتها بشخصيتي الطاعون والسكرتيرة فإن كلمة "حصار" لها أيضا رمزيتها وليس المقصود بها حالة الطوارئ التي تضرب المدينة بل لها مدلولاتها المختلفة التي تبقى محل تأويل من قبل القارئ. وما يتبيّن لي فإن "حصار" لها مرامٍ مرتبطة برمزية المسرحية، بدءًا من اختيار كامو لإسبانيا بدلًا من أوروبا الشرقية، التي كانت تعاني من النظام الشمولي المتمثل في الاتحاد السوفيتي، واتخاذ مدينة قادش الساحلية أرضًا لأحداث المسرحية، وربطًا بما سبق المسرحية من رواية الطاعون ورمزيته المرض فيها إلى اجتياح النازيّة لأوروبا. نقف أولًا عند سؤال لمَ إسبانيا بالذات، وبالإجابة عن هذا السؤال يتضح لي سبب اختيار كامو لكلمة "حصار" بدلًا من "طوارئ"، كانت إسبانيا وحتى سبعينات القرن الماضي تعاني من نظام قمعي متمثل في حكم الجنرال فرانكو، ولم تستطع نُظم وحكومات أوروبا استمالة فرانكو حتى وفاته في عام 1975، لتبدأ بعده إسبانيا بالعودة تدريجيًا إلى أحضان أوروبا الغربية. أوروبا التي كانت "محاصرة" من خطر المد الشيوعي في شرقها وخطر استمالة السوفييت لفرانكو في غربها، فها هنا يتبيّن الحصار المقصود، حصار أوروبا بين فكَّي كماشة الشمولية الشيوعية التي جعلتها في اضطراب مستمر يقرع نواقيس الخطر. 

كتب كامو رواية الطاعون، ووصف فيها إنسان الأزمات في مواجهة خطر الكوارث المرضية والفكرية على حد سواء إذا أخذنا ببعد العمل الرمزي الدال على النازيّة المتمثل في "الطاعون"، لكنه في مسرحيته هذا وجَّه الأضواء إلى الجهة المقابلة، جهة الجاني، إلى الطاعون نفسه، وهو النظام الشمولي وقراءته من كثب وكيفية الخلاص منه، وفي السكرتيرة التي رمزت إلى "إدارة هذا النظام الشمولي"، وفي المقابل نجد شخصيتي دييغو "رمز المقاومة" وفيكتوريا حبيبته "رمز الحياة". 
يستولي الطاعون على الحكم بتنازل الحاكم القديم عن الحكم طوعيا، ويبدأ بتنفيذ حالة الطوارئ على مدينة قادش وينتشر الموت بين الناس، ويحصد الطاعون الأرواح بشخطة قلم من دفتر السكرتيرة التي لا تتوانى عن تنفيذ الأوامر. 

تنقسم المسرحية إلى ثلاثة أقسام تدور الأحداث فيها، ابتداءً من سيطرة الطاعون على  الحكم وانتهاءً بذهابه إلا إنه ذهاب منتصر لا ذهاب خاسر، ففي رواية الطاعون يختتم الراوي بقوله: "وإن يومًا ما قد يأتي يوقظ فيه الطاعون جرذانه، مصيبة للناس وتعليمًا لهم، ويرسلها تموت في مدينة سعيدة"، ولم يكن لأهل مدينة وهران من فضل في هزيمته إلا في الصبر والانتظار، ويتكرر الأمر في هذه المسرحية فبعد أن يُتمَّ الطاعون مهمته يخرج مع السكرتيرة بكامل إرادته خروج غير مضطر ولا مهزوم، بل وقد آخذ معه دييغو مقابل إعادة فيكتوريا إلى الحياة. ليتبادر لقارئ الرواية والمسرحية ما الطريقة المُثلى لمواجهة هذا الخطر الممتد، لا يبدو أنَّ العملين يمنحان وسيلة أو نهجًا يتبعه المرء أو حتى أسلوبًا تجريبيًا متخيَّلًا في المواجهة إلا إننا نحصل في المسرحية على إضاءة على بذرة المقاومة وجذرها المتمثِّلة في عدم الخوف والوقوف بشجاعة وثبات في مواجهة الطاعون أو الأنظمة الشمولية، لكن هذه المواجهة لا تُؤتي أكلها دائما بل وقد تبدو محاولة عبثية لا سيما حين يكون للطاعون الشمولي أذرعه التي لا تُلوى وقوته التي تُهزمُ وحديده الذي لا يُفلُّ إلا بتقادم الزمن وبعد أن يتعب من نفسه أو ينهي ما أراده، أي التآكل الداخلي والاضمحلال الذاتي. لكن هل المقاومة عبر عدم الخوف هي الوسيلة التي يجب أن يتبعها المرء في ظل هذه الأنظمة الشمولية، لا يمكن فرض وسيلة معينة عليه لكن لا بد من الاعتراف أنه لا يملك خيارًا سوى المواجهة وعدم الخوف وانتظار أن ينهي الطاعون الشمولي نفسه بنفسه، كما نرى النهاية التي اختارها فيليب ديك في روايته "الرجل في المعقل العالي" لهتلر بعد أن أحكمت النازية سيطرتها على العالم:  

… أو الرجل المريض. العجوز هتلر، ومفترض أنه داخل مصحة في مكان ما، يعيش المتبقي من حياته بخرف الشلل الجزئي. سفلس الدماغ، يرجع تاريخه إلى أيام فقره وهو متسكع في فيينا بمعطف أسود طويل، وملابس داخلية قذرة، ومأوى رديء. 
من الجلي إنَّ انتقام الإله التهكمي هذا مستلخص من بعض الأفلام الصامتة. ينهش هذا الرجلَ المتوحشَ رجسُه الداخلي، الوباءُ التاريخي للشر البشري. 

فكم يجب علينا الانتظار حتى ينهشَ الطاعونَ الشمولي رجسُه الداخلي؟ وإن كان علينا التسريع في عملية إهلاكه نهشًا فما السبيل إليها؟ أسئلة قد تبقى بلا إجابة أبدًا. 
***
ترد في المسرحية أقوال ترتقي إلى مستوى الأمثال والحِكم أُوردُ بعضًا منها: 

الحياة والموت سيّان والإنسان حزمة من ذات الحطب الذي يُوقَدُ للمحكوم عليهم بالموت حرقًا. 

إن الحكومات الصالحة هي الحكومات التي لا يحدث فيها شيء، تلك هي إرادة الحاكم ألا يحدث شيءٌ في حكومته حتى يظل حاكمًا صالحًا كما كان دائما. 

أمور خاصة تلك كلمات لا معنى لها عندنا، الأمر يتعلق طبعًا بحياتك العامة، وهي كل الحياة الوحيدة المصرَّح لك بها، سيدي القاضي إلى التفاصيل.                          

القاضي الأول: هل أنت أيها الرجل من هؤلاء الذين يحترمون النظام القائم. 
الصيَّاد: نعم حين يكون عادلًا ومعقولًا. 
السكرتيرة: أصبحت موضع شك، اكتبْ: إن المشاعر الوطنية مشكوك فيها.

إن الأمر يتعلق هنا بالعمل من أجل ألا يفهم أحدٌ أحدًا مع استعمال اللغة نفسها. 

طاعون واحد وشعب واحد.

القاضي: إني أخدم القانون ولا أستطيع استقبالك هنا. 
دييغو: لقد كنتَ تخدم القانون القديم. ولا شأن لك بالقانون الجديد. 
القاضي: إني لا أخدم القانون من أجل ما يقضي ولكن لأنه القانون. 
دييغو: ولكن إذا كان القانون هو الجريمة؟ 
القاضي: إذا أصبحت الجريمة هي القانون فستكف عن كونها جريمة. 

لا شيء يسمى نذالة في مدينة الأنذال. 

ليس من الرجولة أن لا تتورع عن ذكر أمر سبق لك أن غفرته. 

إن للجسد أخطاءه وللقلب جرائمه. 

الواجب هو في البقاء بالقرب من الذين نحبهم. 

من ذا الذي يحتاج إلى الشفقة غير هؤلاء الذين لا يرحمون أحدًا. 

إن قيمة إنسان تُسلب منه الحياة فيصبح ميتًا هي أقل فوزًا من قيمة إنسان تسلب منه الحرية فيصبح عبدًا.  


الخميس، 4 يونيو 2020

الحركة التصويريّة الشعريّة The imagism movement، وأبرز أعلامها.

الحركة التصويريّة*الشعريّة

 The imagism movement

 وأبـــــرز أعلامــــــها 


إعداد وترجمة

مؤمن الوزان



____

* الصُوريّة



في محطة ميترو 

هذه الوجوه الشبحية في الزِّحام؛ تويجات فوق غصنٍ أسودَ نديِّ

- عزرا باوند

 وُلدتْ الحركة التصويريّة في إنجلترا وأمريكا في بداية القرن العشرين، بكونها ردة فعلٍ ضد الرومانطيقية والشعر الفيكتوري. تُشدد التصويرية على السهولة، ووضوح التعبير، والدقة من خلال استخدام الصور المرئية الفائقة الدلالة. 

على الرغم من أن عزرا باوند يُعد مؤسسَ التصويرية فإن جذور الحركة فكريًا تطورت بادئ الأمر مع الفيلسوف والشاعر الإنجليزي ت. ي. هيوم، الذي تحدث -بالتحديد في بداية سنة 1908- عن تأسيس الشعر على العرض ذي الدقة المطلقة لموضوعه بدون أي حشو زائد. كتب هيوم في مقالته "الرومانسية والكلاسيكية": "الصور في الشعر ذات المرأى الصارم المتماسك ليست مجرد زخرفة بل هي لب جوهره". 

تبنَّى عزرا أفكار هيوم عن الشعر في حركته التصويريّة، التي انطلقت بشكل جدي في عام 1912، حين أضاف عزرا العبارة لأول مرة إلى المعجم الأدبي خلال لقائه مع هيلدا دوليتل. اقترح عزرا بعد أن قرأ قصيدة هيلدا "هرمز الدروب Hermes of the ways" بعض التصويبات ووقَّع القصيدة باسم "هـ. د. التصويريّة (صفة نسبة إلى التصوير)" قبل أن يرسل القصيدة في تشرين الأول/ أكتوبر من ذات السنة إلى مجلة شعر. بعدها بشهر استخدم عزرا بنفسه عبارة "التصويريّ" حين نشر أعمال هيوم الشعرية الكاملة. 

هدف تيار الحداثة والتصويرية إلى أن تحلَّ التفاصيل الصارمة بدلًا من الأفكار التجريدية، والتوسع أكثر بهذه التفاصيل من خلال استخدام التشكيليّة. ابتعدت قصائد الشعر الحر والمثالية في قُصرها -كانت بشائر الإيجاز فيها واضحة، وذات صورة مُركَّزة لقصائد الشعراء الإغريق الغنائيين القدامى وشعراء الهايكو اليابانيين- عن أوزان الشعر المعروفة والتأملات الأخلاقية، مُخضعَةً كل شيء إلى ما أسماه هيوم يوما بـ "الصورة الصلبة الجافة".  

أما تعريف باوند للصورة فقد كان "تلك التي تعرض مُركَّبًا ذكيًا وذا عاطفةٍ مُلتقطة في لحظة من الوقت. إنَّ العرض لهذا "المُركَّب" بشكل فوري يمنحنا إحساسَ التحرّر المُفاجئ، إحساسَ الحرية من الحدود الزمانية والمكانية، إحساسَ النمو الطارئ- هذه الأحاسيس التي نَخبرُها في أعظم الأعمال الفنية".  

نشر باوند في آذار/ مارس 1913 مقالا بعنوان "A Few Don'ts by an Imagiste" مُعرِّفًا فيه منطلقات الفكرية للشعر التصويرية مقتبسًا إياها من قصائد الشاعر التصويري ف. س. فلينت: 

 

1- المعالجة الفورية للـ "الشيء" فيما لو كان موضوعيًا أو غير موضوعي. 

2- عدم استخدام أيّ كلمة لا تساهم في العرض بتاتا. 

3- تتألف قافية القصيدة بتتابعيّة العبارة الموسيقية لا تتابعية الإيقاع. 

 وفي عام 1914، صدرت مختارات شعرية "Des Imagistes" من تجميع وتحرير عزرا، ضمّت أعمال كلا من وليام كارلوس وليامز، وريتشارد ألدينغتون، وجيمس جويس، وهيلدا دوليتل، وآخرين. لكن الأجواء داخل المجموعة عصفت بها ريح الخلافات في ربيع السنة نفسها بخصوص قيادة المجموعة والسيطرة عليها. انتقدت الشاعرة آمي لوويل Amy Lowell عزرا بشأن ما اعتقدته بشأن وجهة نظره الشعرية القاصرة جدا، ومتوليَّةً قيادة الحركة ما بين سني 1915-1917. نشرت ثلاثة مختارات شعرية، وسُمِّيت جميعا Some Imagist Poets. انفصل لاحقا عزرا عن الحركة وسخر منها بتسميتها "Amygyism (نسبة التصويرية إلى آمي)"، وانتقل عزرا بتصويريته إلى فلسفة جديدة، ألا وهي "الدوَّاميَّة" مدَّعيا بأن "الصورة ليست فكرة بل عقدة أو كتلة… دوَّامة". 

بدأت لويل في عام 1917 بإبعاد نفسها عن الحركة التي اندمجت منطلقاتها الفكرية التصويرية في رحاب الحركة الحداثية الواسعة، واستمرَّت بتأثيرها في الشعراء عبر القرن العشرين.




عزرا باوند (1885-1972)




ولد عزرا لوميس باوند في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر في بلدة تعدين في منطقة هايلي، أيداهو، حيث عمل والده هيكتور في مكتب أراضٍ فيدرالي، أما أمه إيزابيل فقد كانت غير سعيدة بالسكن في بلدة صغيرة فانتقلت العائلة إلى وينكوت، شمالي فيلادلفيا حيث التحق الصبي عزرا بالعديد من المدارس قبل أن يُرسل إلى أكاديمية تشيلتينهام العسكرية في عام 1897. تحوّل بعدها إلى المدرسة الثانوية العامة ونال مقعدا  في جامعة بنسلفانيا في عام 1901. 


كوّن باوند مع هيلدا دوليتل في الجامعة أول علاقة غرامية رومانسية جادة ثم خطبها لاحقا، والتقى بصديق حياته الشاعر وليام كارلوس وليامز. انتقل بعدها إلى نيويورك لإكمال  دراسته وتخرج في جامعة هاميلتون في عام 1905، وعاد إلى جامعة بنسلفانيا لدراسة الدكتوراة في شعر التروبادور.


سافر عزرا -بعد أن فسخ خطوبته من هيلدا- إلى مدينة البندقية، حيث نشره بنفسه أول ديوان 


قصائد "شموع مطفأة A Lume Spento". انتقل بعد إلى لندن وهو مفلس حرفيًا آخذًا معه نسخًا من ديوانه معه. التقى هناك بعدة أشخاص من ضمنهم الروائية أوليفيا شيكسبير التي قدَّمته إلى كتّاب آخرين مثل الشاعر وليام ييتس. بدأ عزرا بعدها بتودد طويل مع ابنة أوليفيا دوروثي، الرسامة الشابة، الذي تُوِّج بالزواج في عام 1914.


في عصر إيجاد الابتكار الفني، كان عزرا متحمسًا لتطوير أسلوب شعري "حداثي" جديد. وتعاون بنفسه مع "مدرسة الصور" -تمحورت حول فكرة إن الصورة هي المبدأ المُنظِم للشعر، بشاعرها الطليعي والفيلسوف ت. ي. هيوم. استمدَّ عزرا إلهامًا مستفيضا من أصدقائه الفنانين، من بينهم الرسام ويندام لويس والنحّات هنري غادر-بريسكا، الذين طوروا أسلوب ما بعد التكعيبية الهندسي وما أسماه عزرا بـ"الدوّاميَّة". 

وصلت هيلدا دوليتل إلى لندن في عام 1911 وأثَّرت في تغيير اتجاه عزرا الشعري. وعلى الرغم من فسخ خطوبتهما فقد بقيا مقرَّبين، وأسسا مع الشاعر ريتشارد ألدينغتون (زوج هيلدا لاحقًا) حركة شعرية سُميَّت بالتصويرية، والتي شددت على الوضوح الكبير في التعبير بإيجاز في قصائد من الشعر الحر

ضاق عزرا ذرعًا بالمجموعة واعتقد أنها لم تكن تمضي قدما بما فيه الكفاية في حداثيتها. وأصبح بعدها مهتمًا بالشعر الشرقي، ولا سيما استخدامه المكثّف للغة متخففة من الكلمات الزائدة وتضمينه المجازي المدهش. بدأ في إثرها على ترجمة قصائد صينية في عام 1913، وأدرك أن هذا هو الأسلوب المطلوب منه تبنّيه في شعره حيث: الإيجاز والمباشرة والحركية

حقق عزرا بعض النجاحات التجارية بمجموعتيه الشعريتين "شخصان (1909)"، و"الردود الخاطفة Ripostes (1912"، واستهل في عام 1915 مشروعًا رئيسًا جديدًا- ملحمة شعرية مُتحدِّية ومعقدة، والتي ستُصبح لاحقا The Cantos. انتقل عزرا ودوروثي إلى باريس في عام 1921. استمرَّ بعمله على The Cantos، وكسب سمعته محررًا، وناقدا مساهما في التعليق على قصيدة إليوت "الأرض اليباب" وقصص صديقه إرنست هيمنغواي. وفي باريس، ابتدأ عزرا علاقة غرامية مع عازفة الكمان أولغا رودج- استمرت حتى آخر حياته

انتقل عزرا إلى إيطاليا بعد مدة وجيزة من تسنم بنيتو موسوليني والحزب الفاشي زمام السلطة. كان عزرا محبًا عظيمًا للقائد The Duce، وأصبح ناشطا سياسيا بشكل متزايد خلال عقد ثلاثينات القرن الماضي ونتيجة لذلك فقد عاد إلى أمريكا في عام 1939 لحث الحكومة على عدم التدخل في الصراع الذي يُوشك أن ينشب. لم يكتفِ عزرا عند هذا الحد فقد أصبح داعما لنازية هتلر في الحرب العالمية الثانية وبثَّ أراءه الفاشية والمعادية للسامية للعالم عبر "إذاعة روما".

كانت سمعته وبسبب آرائه الفاشية العلنية في خطر، والرأي كان وما زال منقسما إلى أي قدر يمكن تمجيده بصفته شاعرًا. تُوفي عزرا بعد يوم من ذكرى ميلاده السابعة والثمانين حين كان مع أولغا في مدينة البندقية.  


من شعره:


بحر الزجاج 


تطلَّعتُ ورأيتُ بحرًا 

شُيِّدَ سقفه من أقواس قزح 


وفي وسط أرجائه

التقى عاشقان وغادرا


ثم امتلأت السماء بوجوه

ومن خلفها بهاء ذهبي 


العودة


(كُتبت هذه القصيدة في عام 1913، ونشرت في عام 1917 في مختارات شعرية. تتكون القصيدة من خمس مقطوعات بواحد وعشرين سطرا شعريا (بلغتها الأصلية). تحكي القصيدة عن عودة الآلهة، لكنها عودة آلهة في خريف عمرها خائرة القوى وشاحبة الوجوه ونحيلة الأجساد ومترددة الخطوات، وترافقها كلابها الفضية. يستخدم عزرا هذه القصيدة لتعبر عن طبيعة القوى وخوارها بمرور الوقت حتى وإن كانت تبدو منيعة في مرحلة ما، وقد تكون أيضا رمزية إلى نهاية آلهة الديانتين المسيحية واليهودية اللتين كان لعزرا موقفًا مضادًا منهما. Poem Analysis).


انظر، إنهم يعودون

 آه، انظر إلى الحركات المترددة،  

والأقدام البطيئة، 

والهُنَّة في الخبب والارتعاش القَلِق

 

انظر، إنهم يعودون

واحدا تلو آخر بخوفٍ

 مثل نصفِ مُستيقظ؛ 

كالثلج لا بد أن يهطل بتذبذب

ويهفهف في الريح

بنصف دورة إلى الوراء؛

كانت هذه "المُجنَّحةُ بالرهبة" مُحرَّمةً

 

آلهة الأقدام المُجنَّحة

 تتقفى برفقتها الكلاب الفضية

أثر الهواء!

 

احترزي! احترزي!

كانت هذه السرعة للانقضاض

هذه الحماسة في التشمم 

كانت هذه أرواح الدم

 

يرخون القِيادِ لها* ببطء

رجال القِيادِ الشاحبون


________

 

*أي الكلاب.

 














هيلدا دوليتل (1886-1961) 






ولدت هيلدا دوليتل الملقَّبة بـ "التصويرية المثاليّة" في بيثليهم Bethlehem - بنسلفانيا في العاشر من أيلول/ سبتمبر عام 1886. انضمت إلى كلية برين ماير وكانت زميلة لـ ماريانا مورو (شاعرة أمريكية)، والتحقت بعدها بجامعة بنسلفانيا حيث تعرَّفت على عزرا باوند وأصبحت خليلته وللشاعر الآخر وليام كارلوس وليامز. 

ارتحلت إلى أوروبا في عام 1911 بنيِّة قضاء الصيف هناك، لكنها بقيت بعيدة عن الوطن لآخر حياتها. تنامت أهمية هيلدا وباوند خلال هذه الأوقات سريعا وأصبحا رائدي حركة التصويرية الشعرية رفقة الشاعر ت. ي. هيوم Hulme، وف. س. فلنت، وريتشارد ألدينغتون، وآخرين. نالت بعضًا من بواكير قصائدها الاعتراف حين نُشرت من قبل هاريت مورنو في عام 1913. 

تزوجت هيلدا في عام 1913 ريتشارد ألدينغتون، ورزقا بعد بسنتين بطفلة. انضم بُعيدها ألدينغتون إلى الجيش البريطاني للخدمة في الحرب العالمية الأولى. وفي المرحلة التي تلت مغادرة زوجها، شغلت هيلدا منصبًا مساعدة محررة لمجلة The Egoist*. نشرت هيلدا في عام 1916 "حديقة البحر Sea Garden"- أول مجموعة شعرية لها. 

قُتل أخوها في شجار عام 1918، وفي ذات السنة بدأت هيلدا علاقة غرامية سحاقية مع الروائية  آني وينيفريد إيليرمان، التي كتبت باسم Bryher، وعاشت الاثنان  معًا قرابة أربعين عاما. 


____

* المجلة التي نشرت رواية "صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس ما بين عامي 1914-1915، وكانت هاريت شاو ويفر رئيسة التحرير والمالكة، وقد غيّرت اسم المجلة باقتراح من عزرا باوند من The Freewoman إلى The Egoist.  

تميّز شعر هيلدا بالقوة الشديدة لصورها الشعرية، وإيجاز اللغة، واستثمار الميثولوجيا الكلاسيكية. لم تنل قصائدها تقديرًا واسع الأفق والإشادة خلال حياتها، ومن أسباب هذا ارتباط اسمها بالحركة التصويرية في حين أن صوتها الشعري نما بعيدًا عن حدود الحركة، والشاهد على هذا أعمالها الطويلة مثل Trilogy و Helen in Egypt. كما يمكن أن يعود رفضُ هيلين الشاعرة إلى أن القرّاء لم يكونوا مستعدين للاستجابة مع المبادئ النسوية القوية التي أفصحت عنها في أعمالها. قالت عنها الشاعرة الأمريكية Alicia Ostriker: "أصبحت هيلدا دوليتل في آخر مسيرتها الأدبية لا مجرد أفضل شاعرة موهوبة لبلدنا بل وواحدة من أكثر الشعراء أصالة -كلما قرأت لها فكرتُ بهذا- في لغتنا". 


ماتت هيلدا في زيورخ - سويسرا في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1916.

نشرت هيلدا عددا من الدواوين الشعرية من ضمنها: 

Flowering of the Rod.

Red Roses From Bronze

وكتبت النثر منه كتاب Tribute to Frued، ونُشر لها بعد وفاتها كتاب "Helen in Egypt". 


من شعرها:

حورية الجبال

(أشهر قصائد هيلدا)


دُرْ أيها البحر 

دوِّر صنوبراتك المُستدقَّة 

انثر صنوبراتك الكبيرة 

على صخورنا

اقذفْ خُضرتكَ علينا 

وغطِنا بنباتات التنوب


 **

البركة 


هل أنت حيٌّ؟ 

ترتجف مثل سمكة بحر 

أغطيك بشبكتي 

ما أنت؟ سمكة مُلوَّنة


**

ريتشارد ألدينغتون (1962-1892)



وُلِدَ ريتشارد ألدينغتون باسم إدوارد غودفري ألدينغتون في الثامن من تموز/ يوليو 1892، في هامبشاير- إنجلترا. درس في كلية دوڤر وجامعة لندن، وأصبح صديقا لعزرا باوند ومن أوائل أعضاء الحركة التصويريّة، نشر مجموعته الشعرية "Images Old and New" في عام 1916.

تزوج في عام 1913 من الشاعرة هيلدا دوليتل، الشخصية المهمة في الحركة التصويرية، ثمَّ انضمَّ ألدينغتون إلى الجيش البريطاني في عام 1916 وخدم ضمن فوج Royal Sussex في فرنسا. انتهى زواجه من هيلدا بالطلاق بعد ربع قرن في عام 1938.


بدأ ألدينغتون بنشر قصائد الحرب في شباط/ فبراير 1918، وكتب في رسالة إلى صديق: "قد يبدو لكأني كنتُ مريضًا بشكل جنوني تقريبا في قصائد الحرب هذه… لا يمكنك أن تعلم ولا أن تفهم حيث أنت الآن الحالة العقلية للجندي وما ينتابه من التحطيم العميق للأعصاب، والتوتر الشديد، وحِدَّة الإحاسيس". 

نشر بعدها عدة مجلدات شعرية من ضمنها: The Complete Poems of Richard Aldington (A. Wingate, 1948), Exile, and Other Poems (G. AllenUnwin, 1923), and Images of War (G. Allen & Unwin, 1919). 


عُرف أيضا برواياته من ضمنها :  Death of a Hero، والسير الذاتية وأشهرها لورانس العرب

(Lawrence of Arabia (1955. تُوفي ألدينغتون في السابع والعشرين من تموز/ يوليو 1962 في فرنسا. 

من شعره:

 

صور

I

 مثل جندول فواكه خضراء عَبِقة

منجرفًا طوالَ قنوات البُندقية الرطبة

أنتِ أيتها البهية!

 يا من دخلتِ مدينتي المعزولة

 

II


يثبُ الدخان الأزرق

مثل دوامات غيوم من الطيور تختفي

يثبُ حبي إلى الأمام تُجاهكِ

يختفي ويتجدد 


III


قمر زهري أصفر في سماء شاحبة

حين يكون الغروبُ ذا لون قرمزي باهت

في الضباب وسط أغصان الأشجار

فأنتِ الفنُ في نظري يا محبوبتي


IV

شجرة زان فتيّة فوق حافة الغابة

تقف هادئة في المساء

رغم اهتزاز كل أوراقها بنسمة هواء 

وتبدو خائفة من النجوم-

أنتِ كذلك هادئة وكلُّكِ ارتعاش


V

الأيائل الحمراء تعلو فوق الجبل

هناك خلف أشجار الصنوبر الأخيرة

وهرولتْ رغباتي معها  

  

  

VI

الزهرة التي هزّتها الريح

امتلئتْ بَعدها بالمطر مجددا 

هكذا يمتلئ قلبي بالدموع على مهلٍ

يعلوه الزَبَد، وريح حقول الكروم

حتى تعودي






وليام كارلوس وليامز (1883-1963)






وُلدَ وليام كارلوس وليامز في السابع عشر من شهر أيلول/ سبتمبر 1883 في رذرفورد، نيو جيرسي. 

بدأ وليام بكتابة الشعر في المرحلة الثانوية عندما كان طالبا في مدرسة هوراس مان، ووقتها اتَّخذ قراره وحزم أمره في أن يكون طبيبًا وكاتبًا. 

وهذا ما تحقق لاحقًا بعد نيله شهادة الطب في جامعة بنسيلفانيا، حيث التقى وكوّن صداقة مع عزرا باوند.

بدأ تأثير عزرا يُصبح عظيما في كتابات وليامز، ورتّب لوليام في عام 1913 نشر مجموعته الشعرية الثانية "Tempers" في لندن. وبعودته إلى وذرفورد استمرَّ وليام بممارسة الطب خلال حياته، وابتدأ النشر في مجلات مغمورة وشرَعَ بمسيرة أدبية غزيرة شاعرًا وروائيًا ومسرحيًا وكاتبَ مقالات. 


كان وليام واحدًا من الشعراء  المؤسسين للحركة التصويرية خلف عزرا، إلا إنه بمرور الوقت عارض القيم التي رُوِّجَ لها في كلٍّ من أعمال عزرا وإليوت ولا سيما الثاني الذي شعرَ أنه أكثر اتصالًا بالثقافة الأوروبية وتقاليدها. 


باستمراره في تجربة تقنيات جديدة في بحور الشعر والسطورية الشعرية (نظم الشعر وفقًا للسطور الشعرية ومراعاة النَغم الشعري والإيقاع وطول السطر وقصره وتواصله وانقطاعه في النظم الحر)، سعى وليام إلى إبداع شاعرية أمريكية فريدة وجديدة بالكامل، يتركّز غرضُ موضوعها الرئيس حول ظروف الحياة اليومية وحيوات عامة الناس. 

انتشر تأثير وليام الشعري ببطء في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وشعر بأن الشعبية الكبيرة لقصيدة إليوت "الأرض اليباب" قد طَغت عليه. لكن الالتفات إلى أعماله شهد تزايدًا ملحوظا في خمسينات وستينات القرن الماضي من الشعراء الشباب من بينهم Allen Ginsberg وThe Beats، الذين أُعجبوا بوصولوية لغته وصراحته بصفته مرشدًا. 


تنوعت أعماله الرئيسة بين:

Kora in Hell (1920); 

Spring and All (1923);

 Pictures from Brueghel and Other Poems (1962) المجموعة الشعرية التي نالت جائزة Pulitzer; 

the five-volume epic Paterson (1963, 1992); 

Imaginations (1970).


تدهورت صحة وليام بعد نوبة قلبية في عام 1948 وسلسلة من الجلطات الدماغية، لكنه استمرَّ بالكتابة حتى وفاته في الرابع من آذار/ مارس عام 1963 في مسقط رأسه نيو جيرسي.

من شعره:

عربة يد



كثيرةٌ هي الأشياء 

التي عليها تعتمد 


عربةُ يدٍ حمراء

مكسوَّةٌ بماء المطر 


بجانب الدجاجات

البيضاء


مرثاة أرملة في الربيع 


الأسى في ساحتي

حيث العشبُ الطري

متوهجٌ كما لو أنه التهبَ

مثل السابق غالبًا بنارٍ باردة 

نارٌ تقترب مني هذه السنة


خمسة وثلاثين عامًا 

عشتها مع  زوجي 


شجرة البرقوق بيضاء اليوم

تحطيها أحراش الورود

تحمل أغصان الكرز 

ثمة بعض الشجيرات الصفراء

وبعض الشجيرات الحمراء

لكن حُزن قلبي أقوى منها وألوانها

رغم أنها كانت فرحتي في الماضي 

أطالعها اليوم وابتعد نحو النسيان

 

أخبرني ولدي وسط المروج اليوم 

رؤيته لأشجار الأزهار البيضاء 

عند نهاية الأيكة في الغابة 



يتنابني شعور عارم بالذهاب إلى هناك

والانغمار وسط تلك الأزهار

والغرق في المستنقع قرُبها



هذا ما يُقال فحسب


أكلتُ البرقوق 

الذي ضمَّه البرَّاد


البرقوق الذي 

قد تكونين تحتفظين به للإفطار

اغفري لي 

فقد كان شهيًا

ولذيذًا جدًا

وباردًا جدًا









آمي لوويل (1874-1925) 


وُلِدت آمي في التاسع من شهر شباط/ فبراير عام 1874 في سفينلز، الأخيرة من بين خمسة أطفال للعائلة في إقطاعية بمساحة 10 فدادين تعود ملكيتها لذويها في بروكلين - ماساشوستس. اعتنقت عائلتها مذهب الكنيسة الأنجليكانية لنيو إنجلاند القديمة، وكانت على قمة هرم مجتمع بوسطن. 


كان أخوها الأكبر، أبوت لورانس، طالبًا جامعيًا في هارفارد وقتَ ولادتها ثم أصبح لاحقًا رئيس كلية هارفارد. تعلَّمت آمي الصغيرة في المنزل، ثم قصدت المدارس الخاصة في بوسطن، وخلال هذه المرحلة من حياتها زارت أوروبا مع عائلتها في عدة رحلات. 

وبسن السابعة عشرة وضعت آمي لنفسها قائمة كتب مكونة من 7000 كتاب في مكتبة سفينلز لدراسة الأدب، وشجَّعتها عائلتها على الكتابة في سنٍّ مبكرة. 


كتبت آمي مع أمها وأختها في عام 1887 "Dream Drops أو Stories from fairy land" ووضعنَّ كلمة "حالم" استعارة عن اسم كاتبها، وطُبعَ الكتاب سرًا من قبل شركة كوبلز وهورد في بوسطن. 

نُشرت قصيدتها "Fixed Idea فكرة راسخة" في عام 1910 في مجلة أتلانتك الشهرية، واستمرت بعدها آمي بنشر قصائد مفردة في مجلات مختلفة. ظهرت أول مجموعة شعرية لها في تشرين  الأول/ أكتوبر عام 1912 والتي حملت عنوان "قُبّةُ زجاجٍ ملون A Dome of Many-Coloured Glass

كانت آمي، امرأة الأعمال النشِطة والصريحة، ذات نزعة إلى الجدَل المُثير، واهتمت من أعماقها وتأثرت بالحركة التصويريّة التي قادها عزرا باوند. 

آمنت الحركة الأنجلو-أمريكية بكلمات آمي "التكثيف هو جوهر الشعر الحقيقي" وسعتْ جاهدة "لإنتاج شعر صلب وواضح لا بالضبابي أو الغامض". قادت آمي الحركة الشعرية التصويرية في أمريكا، واعتنقت مبادئ أعمالها الشعرية، وشغلت دور مُروِّجة عمومية للحركة، محررةً ومساهمةً في "مختارات شعراءَ تصويريين" في عام 1915.


ساهم تأثيرها ومشاركتها الحماسية في انفصال عزرا عن الحركة، ووصفته بأنه ذو رؤية شعرية قاصرة وقادت الحركة الأنجلو-أمريكية لعامين (1915-1917). 


استمرت آمي في استعراض الأسلوب التصويري في الشعر وكانت الطلائعية في استخدام "النثر المتعدد الأصوات" في اللغة الإنجليزية، مازجة الشعر التقليدي بأشكال الشعر الحر. 

غمرت نفسها لاحقا بالشعر الصيني والياباني متأثرة به، وقادها هذا الاهتمام لمشاركة المترجم فلورنس آيسكاف Florence Ayscough في ديوان "Fir-Flower Tablets" في عام 1921.

أحبَّت آمي طوال حياتها الشاعر كيتس، ويُمكن رؤية تأثيره واضحًا في قصائدها ورسائلها، وآمنت بأنه سلف التصويريّة. ونُشر كتابها عن سيرة كيتس في عام 1925 وهي ذات السنة الذي حازت فيها جائزة Pulitzer عن مجموعتها الشعرية "What's O'Clock". 


توفيت آمي لوويل الشاعرة المتكرَّسة للشعر، والمروِّجة العامة، وجامعة التحفيات، والناقدة، والمحاضرة في الثاني عشر من أيَّار/ مايو عام 1925 في إقطاعية العائلة، سفينلز. 

 من أعمالها:


Selected Poems of Amy Lowell (Rutgers University Press, 2002)

What's O'Clock (Houghton Mifflin Company, 1925)

Sword Blades and Poppy Seed (The Macmillan Company, 1914)

A Dome of Many-Coloured Glass (Houghton Mifflin Company, 1912) 


من شعرها: 

أوبال


ثلجٌ ونارٌ أنتَ، 

وبلمسة منك تحرق يديَّ كالجليد 


بردٌ ولهبٌ أنتَ، 

يا لونَ النرجسِ القرمزيّ

يا لونَ زهرِ المغنوليّة الفضيّ


حين أكون برفقتك 

يُصبح قلبي بركة متجمِّدة 

تبرقُ بأضواء مُتهيِّجة



كهولة


مثلُ جليدٍ أسودَ 


يمرُّ فوقه مرَّ سحابٍ بتخبُّط


متزلِّجٌ جهولٌ


هذا سطحُ قلبي البليد 

*

ريحٌ وفضة


مُشرقٌ بعظمة 

يطفو قمرُ الخريفِ في السماء الرقيقة

تهتز أسماك الزينة في أحواضها

وتومضُ حراشفها التنينيّة

في كل مرة مرَّ فوقها 


زوجة الصياد 


حين أكون وحيدة 

الريحُ بين أشجار الصنوبر 

مثل صفعِ الموجاتِ 

على جوانبَ قاربٍ خشبيّة 


عاشق 


إذا تمكنت من إمساكَ خضرةِ مشكاةِ الحُباحِب

قد أنظرُ في كتابةِ رسالةٍ إليكَ




ت. ي. هيوم (1883-1917)

T.E. Hulme




وُلِدَ توماس إرنست هيوم في السادس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر   1883 في إندون، إنجلترا. قصدَ كلية القديس جون - كامبريدج، لكنه غادرها دون أن يتخرَّج. أصدرت مجلة "العصر الجديد" الأدبية خمسًا من قصائده التي أُعيد طبعها في مجموعة عزرا الشعرية "الردود الخاطفة Ripostes (1912". 

لهيوم شخصية ذات جاذبية خاصة وفي كل الجوانب فعليًا، فقد كان بطول ستة أقدام، وبتقاسيم وجه قرمزية، ورغبة بالجدال مع أي شخص وفي مشاجرته،(خاض عراكًا شهيرًا بالأيدي مع Wyndham Lewis في ساحة سوهو)، انحدر هيوم من ستافوردشاير، الريف الذي أخرج للعالم قبل قرنين كاتبَ رسائلَ جذَّاب آخر وهو الدكتور جونسون. 

قضى في بداية عشرينياته مغامرة قصيرة في كندا، ورحل إلى لندن، حيث أسسَّ "نادي الشعر" وجادل الناس، وأكل الكثير من الحلويات (لم يشرب الكحول  

قط، وليس بمدخنٍ، مفضلًا عليهما أكلة suet pudding ودبس السكر).


وعلى الرغم من نشره العدد القليل من القصائد في حياته إلا إنه يُعدَُّ من مؤسسي الحركة التصويرية وشخصية مهمة في شعر القرن العشرين. كتب إليوت عنه قائلًا: "هيوم كلاسيكي، ورُجْعي، وثَوري؛ إنه مضادات العقل الديمقراطي والانتقائي والمتسامح في آخر القرن التاسع عشر". قُتل هيوم في معركة في الحرب العالمية الأولى في الثامن والعشرين من شهر أيَّار/ سبتمبر 1917.


بعد هذا العرض الموجز لحياته القصيرة نجيب عن سؤال هل كان ت. ي. هيوم: أول شعراء الحداثة؟ 


من كتب أول قصيدة حداثية إنجليزية؟ متى وأين كُتبت؟ ثمة العديد من الترشيحات، وأسوأ ما يمكن اقتراحه هو تفضيل آخرَ على "ت. ي. هيوم" الذي كتب قصيدة "غروب شمس مدينة" في عام 1908، على ظهر فاتورة فندق.  ويمكن ضّمُّ هيوم مع حفنة من الشعراء ليشكلوا مخططًا لأسماء شعراء الحداثة. لـ"شعر الحداثة" سمات يمكن تميزها بسهولة كـ: الإيجاز، دقة اللغة، البيان غير الصريح والمباشر، انعدام القافية، المواضيع اليومية والعادية، وبهذه السمات نحصل على هيوم وآخرين. 

 

كتب هيوم في نشاطه العارم "بيان الشعر الحديث" الذي نال عزرا شرف الإعلان عنه بعد تأسيس الحركة التصويرية رفقة آخرين، وقعَّد في مقالته A Few Don’ts by an Imagiste بعض قواعد شعر الحداثة، التي صاغها هيوم قبل خمس سنوات سلفًا. تشارك هيوم وعزرا في تأسيس التصويرية الشعرية، على الرغم من أن عزرا سيزيل دور هيوم بقسوة الذي لعبَ دورًا في تشكيل التطبيق التصويري الشعري. 

وبالعودة إلى تاريخ أول قصيدة حداثة كتبها هيوم، فلا مجال للتردد في تحديد تاريخها الكائن في السادس والعشرين من شهر أيار/ مايو عام 1908 على ظهر فاتورة فندق، بدأ بها هيوم بإبداع مفهوم جديد للشعر، مبنيٌ على الوضوح، والدقة اللغوية، والتي سيطلق عليه عبارات مثل "جاف، وقاسٍ، وشعر كلاسيكي". تُقرأ القصيدة "غروب شمس مدينة" كما لو أنها تفكير شاعرٍ بصوتٍ مسموع، ومألفةٌ كما يمضي شاعرها في البحث عن لغة جديدة، والذي ادَّعى أن العديد من قصائده كانت ارتجالية، ومنظومة من أجل موضوع عابر، تاركًا الصور تتنزل طبيعيًا إليه. 

تتألف "غروب شمس مدينة": 

فاتنٌ -إغواءُ الأرضِ- بأوهامٍ سامية

غروبُ الشمس الذي يسود في نهاية الشوارع الغربيّة

توهجُ سماءٍ مفاجئ

مربكٌ بغرابةٍ للمارِّ

برؤى سيثارا 

-غريبٌ على الشوارعَ المديدة-

أو باللحم الناعم للسيدة كاسلماين... 

***

جَذَلٌ قرمزيٌ

هو البهاءُ المنتشرُ للسماء

خادمُ العلياءِ المَرِح 

تَبخترُ أذيالِ ثوبٍ أحمرَ 

طوالَ أسطح المدينة الراسخة

وقت عودة الحشدِ إلى المنزل

خادمٌ مغرور، وباقٍ، يأبى الذهاب

 

ابتدأ هيوم كتابة قصيدة بقافية ثنائية (Conciets/أوهام وStreets/ شوارع، وPasser by/ المار، Sky/ السماء) ثم تبنّى تطبيقًا جديدًا من الشعر الحر -ابتداءً من جذلٌ قرمزي- في قصيدته، بكتابة سطور غير مقفّاة متجنبًا فيها بحور الشعر المعتادة، وبنيوية الشعرية المقطعية، والتي ستوصف لاحقا من قبل روبرت فروست بصياغة لا تُنسى "مثل أن تلعبَ التنس والشبكة على الأرض". من هذا التساقط الحر للسطور تبرز صورةٌ أو زوجان من الصور هما غروب الشمس، مجاز شعري تقليدي، مربوطًا بثوب امرأة حمراء يرفرف على أسطح المنازل. 

من جذر هذه الفكرة الواضحة، تطوّرت قصائدُ أخرى مثل "الخريف" التي يرتبط القمر فيها بوجه فلاح أحمرَ، و"فوق رصيف الميناء" التي يظهر القمر مجددًا لكن هذه المرة كبالونة طفل، و"الجسر" حيث سماء مزدانة كليا بالنجوم مرتبطة ببطانية قديمة تآكلتها العثة تائقةً بحزن لشخص ما ينام على مضض فوق شاطئ نهر التايمز. في كل قصيدة من هذه القصائد القصيرة صورتان -واحدة مرتبطة بلا نهائية السماء والعلياء، والأخرى مرتبطة بمظاهر الحياة اليومية الصغيرة- ينضمان لبعض معًا، كما لو أن هيوم في بحث لجلب الفضاء اللا محدود للشعر التقليدي إلى الأرض. وهذا بالضبط، كان أول فعل شعر الحداثة بتطبيقه على شيء ما غير ملحوظ، والحياة اليومية، مثل فاتورة فندق (كتب هيوم قصيدة أخرى على ظهر بطاقة بريدية).     

تشبه هذه القصائد القصيرة شعر الهايكو الياباني، الذي خَبِره عزرا بعد سنوات قلائل. ومنحت تجارب هيوم النهضة للتصويريّة، التي كانت الشعر الحقيقي الأول الذي يتعامل مع قضايا الحياة اليومية: وغالبًا ما تناولت التفاصيل العادية للعالم المعاصر، مثل الانتقال عبر الميترو، والمشي في شوارع لندن، ومراقبة الحشود وهي تغادر صالات السينما. ويسبق الشعرُ التصويري بعقدين من الزمن قصائدَ لـ Pylon Poets التي ذاع صيتها في ثلاثينات القرن العشرين. وبزَّت واحدة من قصائد هيوم القصيرة قصائد الهايكو الشعرية* بإيجازها إذ تتألف من ثماني كلمات: "كانت المنازلُ القديمة سقّالةً ذات مرة/ وصفيرُ عُمّال". إن شبكة الأصوات فيها معقَّدة ومعتنًى بها، فكلمة "قديمة" تحظى بدعم من "سقّالة" التي تغلِّف


_____

* يتكون الشعر الهايكو من بيت واحد مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا، يكتب بثلاثة أسطر، يتألف السطر الأول من ٥ مقاطع صوتية والثاني من ٧ والثالث من ٥.

 الكلمة، في حين تعاودُ "كانت" الظهور في "عمَّال" حيث ترتبط الصورتان معًا عبر قافية داخلية وصدًى.     

وبالطبع فثمة ساحل شعري حداثي بديل يمتاز بكونه أكثر غموضًا وتلميحًا كما في أسلوب ت. س. إليوت، وجيوفري هِل- لكن الفكرة الأكثر شيوعًا لـ"الشعر الحداثي" بلا شك فكرةُ هيوم التي سادت التخيُّل الشعبي. 

اقترح كارول آن دوفي في عام 2011 بأن القصائدَ القصيرة شكلٌ من أشكال الرسائل النصيّة للُغتها غير الراقية وإيجازها: مقارنةٌ مُوحية للشاعر الذي يمنحنا "نصًا" ربما يكون أول قصيدة جديرة بالملاحظة حول خبرة المراسلة النصيّة. 

لكن الشعر الإنجليزي كان قد نما سلفًا نحو صغر الشكل قبل مئة عام، قبل الهواتف الجوّالة وعوالم الرسائل النصيّة بكثير. 

فكّر هيوم بأن على الشعر أن يكون قصيرًا حتى يستطيع الشخص العادي قراءته وتقديَّره في الترام وهو في طريقه إلى العمل أو أثناء جلوسه على الكرسي بعد العشاء. ترك هيوم لنا حفنة من القصائد التي سيشيد بها ت. س. إليوت بأن "اثنتان أو ثلاث من أجمل القصائد القصيرة في اللغة الإنجليزية". أنزلَ هيوم الشعر من عليائه لكن ما حققه بعيد كل البعد عن الضآلة، فقد ساعد في إبداع شعر الحداثة كما نعرفه اليوم.  


****

 

أفضل قصائد هيوم من اختيار وتعليق د. أوليفر تيرل: 

تعد قصيدة "الخريف" واحدة من القصائد التي عمل عليها هيوم لتصبح قصيدة كاملة (يُجادلُ بأنها أول قصيدة حداثية بالإنجليزية) وقد نلمحُ فيها الذاتيّة في صورة "فلاح ذو وجهٍ أحمر"

لمسة برد في ليلة الخريف 

مشيتُ خارجًا

ورأيت قمرًا ينحني على سياجٍ 

مثل فلاحٍ ذي وجهٍ أحمرَ

لم أقفْ للحديث، أومأتُ فحسب

وحوله كانت النجوم الحزينة

بوجوهها البيضاء مثل أطفال المدينة 

*

كان هيوم مأخوذًا بالقمر لكونه ربما الصورة الشعرية الرومانسية التي تبزُّ كل الصور الشعرية الرومانسية الأخرى، ويعود إليها في قصيدة "فوق رصيف الميناء" (يعود هيوم في هذه القصيدة بشكل طفيف إلى التقليدية الشعرية عبر نظمه بقوافي ثنائية):

فوق رصيف ميناء هادئ في منتصف الليل 

مربوطٌ بحبلٍ الصارية الطويلة- 

يعلِّقُ ارتفاعه القمرَ 

ما يبدو بعيدًا جدًا ليس إلا بالون طفلٍ 

منسي بعد اللعب 

*

يعجب هيوم بحزن المدينة أو البلدة في الليل، مع ذاك اللقاء الرومانسي (للنجوم والسماء) والعصري والحَضَري. كما في هذين السطرين الشعريين مع قافية ثنائية تُظهر هذا بإيجاز:

المشهدُ المُبهَمُ الأسى

لبلدة بعيدة في الليل تُرى

* 

ظهرت قصيدة "مانا أبودا" -وهي إلهة بولينيزية- مع القصيدتين السابقتين ضمن القطع الخمس القصيرة التي ألَّفت في الأصل "الأعمال الشعرية الكاملة لـ ت. ي. هيوم" في حاشية ديوان عزرا "الردود الخاطفة" (لا بد أن هيوم أمسك لسانه جيدًا واحمرَّ خده فعلًا عندما قرأ العنوان):

مانا أبودا، ذاتُ شكلٍ منحنٍ

هي السماء في دائرةٍ مُقنطرةٍ

بحزن يبدو مجهولًا ليُرثى 

رغمَ سماعي لبكائها يومًا

سئِمٌ من الأزهار وغناء الشعراء 

ويوسف فوق هذا ليس طويلًا ليحاول

 

*

 أما قصيدة "سوزان آن والخلود" فهي تنوع آخر في الثيمة العامة في شعر هيوم -العلاقة بين المدى الفسيح للسماوات وصغر الأشياء الأرضية الراسخة تحت أقدامنا: 

 

مدلًّى رأسها إلى الأسفل 

محدقةٌ إلى الأرض، وثابتةُ الحماس 

مثل أرنبٍ  عند ابن أوى 

حتى كانت الأرضُ سماء

والسماء خضراء

ومرّتْ الغيوم البنيّة

                             *

وفي القصيدة "الشاعر" وهو شخصية تحلم بشاعرية مؤسسة على الصور المركَّزة أكثر من الصور الشعرية المجرَّدة المبتذلة: 

 

فوق الطاولة الكبيرة 

انحنى بابتهاج في حلمٍ 

تحوَّل إلى أخشاب 

تحدَّثَ ومشى مع الأشجار مغادرًا العالم 

وعاد إلى الأرض 

مع مجوهرات ملوَّنة 

حجرية، وصلبة، ومحددة 

بها لعبَ في الحلم على الطاولة الملساء

 

                           *

ويعقد في قصيدة "الغروب" مقابلة مدهشة بين الرمز الرومانسي التقليدي (وهنا الغروب أكثر من القمر) مع شيء غير متوقع "راقصة باليه":


زعيمُ حزب طامعٌ بالإطراء

وممانعٌ عن مغادرة المنصّة 

بسِحرها الختامي، توازنت ساميةً على إصبعها

ومظهرةً لباسها القُرمزي الغيوم الشفقيّة

وسطَ همهمات المنافسين المتذمِّرة 

*

انشغلت بعض قصائد هيوم بالتعامل مع شخصيات متهاوية، أناس فقدوا كل شيء وألفوا أنفسهم يحلمون بشيء لا يستطيعون الحصول عليه الآن. فأما القصيدة الأولى قصيرة وأقل شهرة عن السير والتر رالي: 


محبوسٌ رالي في البرج المظلم 

حالمٌ بالبحر الأزرق 

وما وراءه في فردوسَ ذاتِ مَدارٍ لم يُدرك- نما مِسكٌ...


 والأخرى وهي لربما أشهر قصائد هيوم "الجسر" (قصة خيالية لانهيار رجل وقور في ليلة باردة ومُرَّة):

في غمرةِ عذوبة الكمانات 

ألفيتُ نفسي ذات مرة 

منتشيًا بوميض الكعوب الذهبية على الرصيف 

أرى الآن دفء أشياء الشعر الدقيقة 

يا إلهي.. 

اجعل دثار السماء القديم الآكل للنجوم صغيرًا 

فقد أتلحف به وأستلقي مرتاحًا 

 

المصادر: 

  • Writers their lives and works.(Book)


  • Poetry Foundation.
  • Academy of American poets.
  • Interesting literature.

(Websites)

مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...