الاثنين، 27 يوليو 2020

العودة إلى إيثاكا - الجزء الأول.

قراءة في أوديسة هوميروس. 



الملحمة الثانية للشاعر الإغريقي هوميروس التي يقص فيها رحلة عودة صاحب فكرة حصان طروادة الخشبي أوديسيوس ابن لايرتيس إلى موطنه في جزيرة إيثاكا وكيف تمددت الرحلة ذات الشهر الواحد إلى عشر سنوات كاملة تحمّل فيها ورفاقه شتّى صنوف المخاطر والأهوال في البحر قبل وبعد انتقام إله البحر بوسيدون. 

لا نملك معلومات كثيرة عن أصول الأوديسة أو زمن نظمها (أو حتى هل ثمة نوع التدوين استعان به هوميروس) أو هل هي فعلا لهوميروس. أسئلة عديدة تدور حول الأوديسة ولا تفرق كثيرًا عن تلك التي ما زالت مُثارة حول الإلياذة ويتفرَّق الدارسون لها على ملل ونِحل في تضارب وتعارض في الآراء. فمنهم من قال إنَّ شاعر الأوديسة مختلف عن شاعر الإلياذة، وإنَّ في الأوديسة إضافات كثيرة سواء في الأناشيد التليماكية (الأربعة الأولى) أو في النشيد الرابع والعشرين، إضافة إلى تغيَّر العادات الاجتماعية والطقوس التي استُدلَّ عليها مع تطور علم الآثار وتوسع إمكانيات البحث فيه، مما يجعل الأوديسة مادة خصبة للدراسة والمقارنة مع الحقب التاريخية التي ترد أو محاولة الربط مع كتابات اللاحقين لعصر هوميروس رغم أن عصره من العصور المظلمة التي لا يُعرف عنها إلا القليل القليل. وتؤدي كل هذه الاختلافات وقلة المصادر التي يمكن الرجوع إليها والاستناد عليها في إطلاق الأحكام إلى الأخذ بأن هذا العمل وسابقه هما لهوميروس والأساس في هذا هو الدراسات والأبحاث اللغوية والنقدية المبنية على ذات العمل، كالبحث الذي كتبه العالم الأمريكي Milman Parry ونشره في باريس باللغة الفرنسية في عام 1928 وتُرجم إلى الإنجليزية من قبل ابنه في عام 1971. عمل باري في البحث على دراسة الأوديسة لغويًا واكتشف أن هوميروس عمل على "إبداع" جملة من التراكيب والعبارات الوصفية لكي تلائم الأوزان الشعرية التي يكتب فيها وعمل حتى تغيير اسم أوديسيوس ولفظه بأنماط صوتية مختلفة لتحقيق التوازن والتناغم الشعري. وكذلك أثار باري العديد من الأسئلة من أهمها، كما يذكر بيرنارد كنوكس في تقديمه للأوديسة بالترجمة الإنجليزية لروبرت فاغليس، أن هوميروس قد يكون أو لا يكون إميًّا مثل سابقيه لكن في وقت ما قد دُوِّنت الإلياذة والأوديسة. لكن متى، ومِنْ قبل مَنْ، وما الغرض، وما الظروف التي كُتبت فيها؟ تبقى أسئلة بلا أجوبة. 

يلاحظ في الأوديسة اختلافات أسلوبية وبنيوية وموضوعية واجتماعية عن الإلياذة مثل زمن المادة المروية ما بين القصر في الإلياذة وبين التمدد الطويل في الأوديسة، ودور الآلهة ما بين الحضور الفاعل ذي التماس الكبير مع الفانيين وبين تقلص دور الآلهة بشكل كبير ويكاد يغيب لولا بعض التدخلات العلوية التي تتحكم بمصير أوديسيوس، والوجود الأنثوي ما بين شبه المنعدم في أحداث الإلياذة والحضور الشاخص للشخصيات الأنثوية ودورهن الفاعل في الحدث سواء بشرًا كنَّ أو إلاهات أو غير ذلك، والتنوع في مكان الحدث الأرضي فثمة أماكن متعددة في رحلة العودة وإيثاكا في الأوديسة في حين تقع الإلياذة فوق أرض طروادة فحسب، وتعدد مسارات الأحداث ففي الأوديسة لدينا (مسار رحلة عودة أوديسيوس، تيليماكوس والخطَّاب ورحلته للتقصي عن أخبار أبيه، بينيلوبي والخطَّاب) أما الإلياذة فهي تدور حول حرب وحصار طروادة فقط، وتعدد الشخصيات الرئيسة الموجِّهة للأحداث في الأوديسة (أوديسيوس وبينيلوبي وتيليماكوس) أما الإلياذة فهي عن غضبة آخيلوس وهي منظومة في مجده. وربما مصداق هذا الافتتاحية التي يطلب فيها الشاعر من ربة الشعر في الإلياذة أن تُحدِّثه عن غضبة آخيلوس، في حين يترك المجال مفتوحًا لها أن تُحدِّث من حيث تشاء. وهذا الطلب يفسِّر لنا كذلك البدء في الأناشيد التليماكية ثم العودة إلى أوديسيوس (حيث يتحرر من جزيرة الإلهة كاليبسو -اسمها يعني غطاء أو إخفاء- التي تحتجزه مدة سبع سنوات ثم يصل إلى جزيرة الفياكيين، حيث يقص عليهم فيها ما وقع له في السنوات التسع الماضية) ثم يلتقي مسار الحدثين في النشيد الثالث عشر فوق أرض إيثاكا بعد أن يصل أوديسيوس. فثمة هنا مساران زمنيان وعجلتا أحداث يجتمعان ليشكلا مسارًا زمنيًا وحدًا وعجلة أحداث واحدة. لكننا لا نرى هذا الأمر في الإلياذة التي تأخذ تقدما نحو الأمام في عجلة أحداث واحدة وإن بدأ الشاعر بروي الأحداث ابتداءً من السنة التاسعة لا الأولى ولم يتلاعب بالزمن ما بين الزمن الآني والزمن الاسترجاعي. 

تُثير هذه الاختلافات الأسلوبية الأسئلة المشككة حول شاعر الملحمتين فمثلا هناك من يشكك بوجود الأناشيد الأربعة الأولى وأنها جزء من الأوديسة. وعلى الرغم من كون هذا التشكيك ليس بمحله إذ البحث عن الذات عند تيليماكوس والمتمثلة في البحث عن أبيه جزء رئيس من العمل يتهاوى جزء كبير منه ويخرِّب العودة بالكامل لو لم توجد هذه الأناشيد  مما يجعل الملحمة فاقدة لتلك القوة العاطفية لشخصياتها  والتصوير النفسي لتليماكوس الذي يلعب دورا في الأحداث أو التآمر عليه أو علاقته بأمه التي لم تكن بالمثالية بعدما شبَّ وبدأ مرحلة البحث عن الذات والتوجيه والإشارد المتمثلة في أبيه ملك إيثاكا. يقدم روبرت كنوكس تفسيرًا لهذه البداية بالأناشيد التليماكية "في كونها تقديما مهما للعمل وتحضيرا لعودة البطل دون قطع التسلسل الزمني ومسار الحدث المتزامن مع عودته لو لم يقدم له هوميروس ويهيئ الأحداث التي تلي عودته لمستمعه، وبذلك فإن هذا الابتداء بالأناشيد التليماكية يعطي خلفية للمستمع بالحال التي تنتظر أوديسيوس في إيثاكا، إضافة إلى تقديم تيليماكوس وبينيلوبي والحالة النفسية لكليهما". ويكتمل تقديم الصورة الشاملة عن إيثاكا أو الاستباقية لما سيحدث من خلال ما تعرَّض له أوديسيوس في رحلة العودة، إذ يبتدئ الأمر بدعاء السيكلوب العملاق ذي العين الواحدة، بولوفيموس، ألا يعود أوديسيوس إلى موطنه إلا بعد أن يعاني، وبلا رفاقه، وعلى متن سفينة أجنبية، ويلاقي المحن في وطنه، ثم بنبوءة طيف العرّاف الضرير تايريسياس الطيبي الذي يلتقيه أوديسيوس في منزل الأموات (هاديس) ويحكي له ما سيجري في غيابه في إيثاكا من استنزاف الخطّاب لخيراته وشرب خمره ومغازلة زوجته وطلب يدها وما سيلاقيه من محنة هناك ثم يرشده لطريقة فكِّ لعنة بوسيدون الذي ينتقم منه بعد أن فقأ عين ابنه السيكلوب بولوفيموس مستجيبًا لدعائه. إذن فلدى المستمع/ القارئ معرفة مبدأية بحال إيثاكا من خلال التقديم لها عبر الأناشيد الأربعة الأولى وكذلك لدى أوديسيوس معرفة مبدأية عن حال الوضع في منزله وما ينتظره وأنَّ رحلته الشاقة لن تنتهي بمجرد أن يطأ سواحل إيثاكا بل إنَّ ما ينتظره لا يقل خطرًا عمَّا مرَّ به في رحلة العودة. كل هذا يجعل من الأناشيد الأربعة الأولى أصيلة وجزءًا من الأوديسة ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون مضافة إذا ما اقترنت مع محتوى الأناشيد اللاحقة. وقد يمكن أن يكون تسلسلها  في موقع آخر لا البداية إلا إن الشاعر سيواجه إشكاليتين: الأولى في قطع سلسلة أحداث عودة أوديسيوس  ثم تلو الأناشيد الأربعة ثم العودة مجددًا إلى سلسلة أحداث العودة، وهذا يعمل على تشتيت المتلقي لا سيما وأن المتلقي هنا مستمع وقد يجري الإنشاد للأوديسة على أوقات مختلفة لا مرة واحدة. والأخرى إنَّ الشاعر يفقد المزية الأسلوبية لجمع حدثين رئيسين منفصلان زمنيًا ومكانيًا- في زمن واحد ومكان واحد دون الإخلال في نقطة الالتقاء زمنيًا ومكانيًا التي ينطلقان إليها في وقت واحد تقريبا -(إذ يتزامن تحرر أوديسيوس من قبضة كاليبسو ثم عودته إلى إيثاكا مرورا بجزيرة الفياكيين [يروي لهم قصة عودته بأسلوب الاسترجاعية] مع ذروة الأحداث ما بين تيليماكوس والخطَّاب في إيثاكا التي يغادرها من أجل استقصاء الأخبار عن أبيه في الأناشيد الأربعة ثم عودته إليها في النشيد السادس عشر)- لو لم يستهل الملحمة بالأناشيد الأربعة إذ سيتوجب عليه إيقاف الزمن وأوديسيوس في إيثاكا ثم تلو الأناشيد التيليماكية، ليعود الشاعر بعدها إلى  أوديسيوس ولقائه مع ابنه في إيثاكا. ثمة في الإشكالية الثانية عقبة ستشوش المستمع والقارئ وحتى الشاعر نفسه إذ عليه أن يتعامل مع حدثين منفصلين زمنيا في مكان واحد فمن غير المستساغ أن يعود أوديسيوس إلى إيثاكا ليوقف الشاعر زمن الأحداث في إيثاكا ثم يعود إلى أحداث ما قبل وصول أوديسيوس في إيثاكا  لا سيما أننا نعرف أنَّ الغرض الرئيس هو عودة أوديسيوس إلى إيثاكا. لذلك فإن الأناشيد التي تخص أوديسيوس متسلسلة عكس لو قطعت بالحديث عن تيليماكوس ثم الالتقاء بين الاثنين والانتقام من الخطَّاب سيبدو أن أحداث ما بعد العودة متعلقة بتيليماكوس أكثر من ارتباطها بأوديسيوس إذ سيبقى حضور الابن مستمرًا عكس حضور الأب الذي تتمحور حوله الملحمة. ويوضح هذان المخططان ما سيقع لو افترضنا روي الأناشيد الأربعة الأولى بعد وصول أوديسيوس إلى إيثاكا: 


مخطط الأحداث مكانًا وزمنًا كما رتبها هوميروس. 


مخطط مفترض للأحداث زمانًا ومكانًا، والذي سيفقده هوميروس لو لم يبتدئ بالأناشيد التيليماكية  


من الإضافات الأخرى التي تُثار حول الأوديسة أنَّ النشيد الرابع والعشرين مضاف إليها كما يكتب أمين سلامة "هي ختام الأوديسة وهي أنشودة ضعيفة وأغلب الظن أنها أضيفت إلى الأوديسة…" لكن هذا الرأي لا يُمكن الأخذ به كليا وإن كان الجزء الأول منه الخاص بمشاهد وحوارات من منزل الأموات (هاديس) تبدو خارج موضوعات وسياقات الأوديسة،  ولقاء أجاممنون بأشباح الخطَّاب الذين قتلهم أوديسيوس في ساحة منزله انتقاما منهم على ما فعلوه في غيابه. وقد يُقبل هذا الرأي جزئيا في كون الجزء الأول من النشيد مضافًا لا سيما وأنَّ فيه تعارضًا مع الإلياذة فيما يخص دفن الجثث وعبور نهر ستيكس إلى العالم السفلي، ويذكر روبرت كنوكس أنَّ طيف باتروكلوس جاء إلى آخيلوس وطلب منه حرق جثمانه حتى يتمكن من العبور إلى منزل الأموات وهذا يتعارض مع عبور إلپينور صديق أوديسيوس إلى منزل الأموات ولمَّا تُدفن جثته بعد حين التقى أوديسيوس بشبح صديقه في هاديس بعد رحلته من أجل لقاء العرَّاف الضرير تايريسياس، وطلب شبح إلپينور من صديقه أن يعود ويدفن جثَّته التي تركوها في جزيرة سيرسي، وكذلك في عبور أشباح الخطَّاب إلى منزل الأموات وجثثهم ما زالت مكومة خارج منزل أوديسيوس لم تدفن. وهنا كما يذكر روبرت ثمة فرق بين التصوير لهذا العالم مما يشك بصحة نسب هذا الجزء من النشيد الرابع والعشرين إلى الأوديسة أو حتى الأوديسة إلى هوميروس أو أن الأمر يعتمد على تطوِّر التصورات الاعتقادية عن عالم الأموات ولا سيما أن هذه الملحمة نُظمت بعد الإلياذة كما يُرجَّح. لكننا نواجه إشكالية فيما يخص هذا الجزء المتعلِّق بمنزل الأموات، وتتمثل الإشكالية في مدح شبح أجاممنون لزوجة أوديسيوس بعد أن يلتقي أشباح الخطَّاب حين تصل إلى منزل الأموات يتقدمهم رسول الآلهة هرمس، إذ كان أجاممنون حين التقى أوديسيوس في هاديس قد حكى له كيف تآمرت عليه زوجته كليتمنسترا وعشيقها إيجيسثوس ونحروه كما تنحر الخِراف وحذَّره من زوجته التي قد تفعل مثل فعلة كليتمنسترا. وبعدما يخبره شبح أمفيميدون بقصِّة الخطّاب كاملة وكيف خدعتهم بينيلوبي بذريعة النسج على المنول ثم انتقام أوديسيوس منهم؛ تزداد أحزان أجاممنون على حاله فيمدح بينيلوبي ليبدو هذا المديح كأنه اعتذار عن سوء الظن في البداية الذي بدر منها بحقها بحقها. فإن كان هذا الجزء مضافًا فإن الذي أضافه قد درس نشيد منزل الأموات بشكل متقن مما جعل الإضافة المتعلقة بالخطّاب مترابطة موضوعيًا ودفاعًا وثناءً على بينيلوبي.    

 أما الجزء الثاني من النشيد الرابع والعشرين لا يمكن أن يكون مضافًا إلى الأوديسة وذلك لسببين مهمين: 

- الأول متمثل في لقاء أوديسيوس بأبيه وهو لقاء ضروري بل وكما يشير كنوكس ثالث أهم لقاء بعد العودة إلى إيثاكا إذ يسبقه لقائي تيليماكوس وبينيلوبي، وما تحكيه أم أوديسيوس عند لقائها بابنها في هاديس وكيف ساءت حال والده وانعزل عن الجميع. إذ يصبح هذا اللقاء ضروريًا وإلا فثمة شيء ناقص سيبقى دون أن تُسدَّ فجوته. 


- الثاني متمثل في ردة فعل ذوي الخطَّاب بعد أن يشيع خبر قتل أوديسيوس لهم ونقرأ في النشيد الثالث عشر بعد أن عرضت أثنيا خطة الانتقام؛ تفكيرَ أوديسيوس بحال ذوي الخطَّاب وكيف له أن يواجههم وحده، لتبرز له معضلة مرحلة "ما بعد المذبحة" التي تتدخل فيها أثينا وتُحلُّ السلامَ في إيثاكا. ويشير كنوكس هنا إلى ضرورة ختم الأحداث دون ترك أي حدث دون نهاية وإلا فثمة شيء ناقص سيبقى دون أن تُسدَّ فجوته.


لا يخفى على القارئ التشابهات والاختلافات الموضوعية والفنية والأسلوبية ما بين الإلياذة والأوديسة، وأرى أنَّ ملحمة الأوديسة متطورة وناضجة فنيًا وأسلوبيًا أكثر من الإلياذة وغنية بمواضيعها الرئيسة المتنوعة أكثر. وقد يتسنى لي المقارنة والحديث مفصلًا ما بين الملحمتين في مقام آخر.  







تيليماكوس يبحث عن أبيه 

(البحث عن الذات) 


تبتدئ الأناشيد الأربعة الأولى من الأوديسة أو كما تُسمى الأناشيد التيليماكية بالحديث عن تيليماكوس ابن أوديسيوس الذي يبلغ ويبدأ بالبحث عن أبيه لكنه في الحقيقة بحثٌ عن الذات أكثر من البحث عن أبيه، إذ بحثه عن ذاته ومعرفة الدرب الذي يجب عليه أن يسلكه ابن الملك الغائب عن وطنه يُغلِّفُهُ السؤال عن أبيه. هذا السؤال الذي يبدأ تيليماكوس بطرحه بصيغة "ابن من أنا؟" لكنه ليس سؤال شكِّ بأمه لكن سؤال البحث عن التأكيد والوثوقية في النسب التي ستبقى مجهولة حتى يظهر أبيه حقًا قُبالة ناظريه، أما القول إنه ابن ملك إيثاكا أوديسيوس الغائب لا يستطيع تقبُّله، فكلما تقدَّم به السن ازداد شكّه بنفسه وأصبحَ البحث عن الذات ضرورة ملحَّة لا يمكن أن يتماشى معها دون الوقوف على مصير أبيه المجهول. يُقدم لنا هوميروس هذا الجو النفساني والتصوير الخارجي لسلوكيات تيليماكوس راسمًا صورة كاملة جوانيًّا وظاهريًا لأحد الركائز الرئيسة الثلاثة في العمل، فهو الابن الضال للمحارب القديم الذي مخرت سفينته مع رفاقه قبل عشرين عامًا تلبية لطلب الملك أجاممنون وإعادة الهاربة هيلين زوجة ملك إسبارطة مينيلاوس. ينشأ الابن على أمجاد أبيه فيكرم الإيثاكيون وفادته لا سيما بعد أن تنتهي حرب طروادة ويعود الآخيون إلى بلادهم حاملين معهم خبر مجد صاحب فكرة حصان طروادة الذي دمَّر الآخيون عبره المدينة ذات الأبراج الحصينة وسلبوا ذهبها ونهبوها عن بكرة أبيها قبل إحراقها. لكن هذا المجد يزيد من تشتت الذات التيليماكية ويقع بين حجري رحى "هل يعيش حياته على أمجاد أبيه أوديسيوس، وأن يكون ابن أوديسيوس فحسب؟ أم هل يعيش حياته في كونه تيليماكوس قبل أن يكون تيليماكوس ابن أوديسيوس؟" توضِّح الأوديسة ضمنيًا أنه يختار الخيار الثاني في أن يكون تيليماكوس ويتمثل هذا الاختيار في علاقته مع أمه التي تبدو أنها سيئة نوعا ما بل أنه لا يفهمها كذلك فيعاملها بنوع من القسوة لا سيما فيما يخص أسلوب تعاملها مع الخطَّاب الذين يحتلون بيته "في غياب المالك الأب" وينهبون خيراته ويذبحون ماشيته ويغازلون أمه طالبين يدها للزواج. يحاول في ظل هذه الظروف التي هي حجر الاختبار الحقيقي الذي تُحكُّ فوقه ذاتُ تيليماكوس- أن يواجه الخطَّاب بكلام مفاده أنه ربُّ البيت ومالكه وعليهم أن يطيعوا أمره وينهوا هذا الاحتلال لمنزله لكنهم يواجهونه بالسخرية والضحك لحداثة سنه وكثرة عددهم فهو لا يستطيع مواجهتهم وحده. ونرى من السلوكيات الأخرى أنه ينهر أمه حين تخرج للحديث مع الخطَّاب ويطلب منها العودة إلى غرفتها وعملها فهو رجل البيت ولا حديث للنساء ما دام الرجال حاضرين. يرى تيليماكوس نفسه رجل البيت والسيد المطاع في بيت أبيه الغائب، ويريد إثبات نفسه في بيته لكن هذا الإثبات متعلق بالشطر الأول من السؤال هل يعيش على أمجاد أبيه؟ لا يريد تيليماكوس العيش على أمجاد أبيه وحدها بل يريدها مزية تضاف إلى حفيد لايرتيس وابن أوديسيوس لذا فإن الخطوة الأولى لإزاحة هذا الثقل ذي المجد الأوديسيوسي عن كاهليه هو الذهاب إلى الملوك المحاربين في طروادة والسؤال عن مصير أبيه. تتدخل الإلهة أثينا في هذا الأمر وتنصحه متجسِّدة بشخصية البطل مينتور بالذهاب إلى بولوس حيث الملك الآخي الشهير نسطور والذي حارب في طروادة ثم الذهاب إلى لاكيدايمون للقاء الملك مينيلاوس لكونه آخر العائدين من طروادة والتقصي عن أخبار أبيه. 

ثمة أمران بعد ذهابه إلى زيارة الملكين يعززان ذاته التي يبحث عنها: يتمثل الأول في إكرام الملكين له وتحميله بالهدايا الثمينة ويتوسمان فيه سمات الملوك قبل معرفته فيكرمونه ويزيد الكرم والوفادة بمعرفتهم هويته، ويتمثل الآخر في الخبر الذي يعرفه تيليماكوس عن أبيه إذ يخبره مينيلاوس عن طريق عجوز البحر أن أوديسيوس محجوز في جزيرة كاليبسو راغبًا بالعودة لكنها تمنعه ويفكر كل يوم بالعودة إلى الوطن إيثاكا باكيًا وحزينًا. يهطل الأمل بعودة أبيه على ذات تيليماكوس، لتصبح مسألة الأمل بعودة الغائب جزءًا رئيسًا في تعزيز ذاته الآن بعد أن كانت تزيد شكه وحيرته. إذن فالأب عند تيليماكوس هو الذات، هما وجهان لعملة واحدة، فإما أن يتخلص من قيود مجد أبيه وإما أن يعود أبيه ويتأكد من نسبه ويعرف ذاته فعلًا أنه ابن الملك أوديسيوس مدمّر المدن وناهبها وملك إيثاكا. 

تعود أثينا لتتدخل فتجيئه في المنام وتحثّه على العودة عاجلًا إلى إيثاكا فأوديسيوس سيعود قريبًا، يُسرع تيليماكوس بالإبحار راجعًا إلى إيثاكا وهناك في مأوى راعي الخنازير يومايوس يلتقي بأوديسيوس المتخفي الذي يُكشف له بفضل أثينا عن هُويته، ليلتقي الابن الضال بأبيه المنفي العائد إلى تربة إيثاكا. يدعم هذا اللقاء الذات التيليماكية ويبدأ تيليماكوس بمرحلة جديدة، مرحلة الرجولة والبطولة التي كانت متوقفة على عودة أبيه أو طوي صفحته. يشرع بعدها الأب وابنه في التخطيط للانتقام من الخطَّاب الذين دنَّسوا منزله وأهانوا شرفه ملكًا ورجلًا فكان تيليماكوس أحد الأربعة الذين قضوا على الخطَّاب الذين بلغ عددهم ثمانية عشر ومئة رجلا ومن ضمنهم الخدم، وبهذا يبدأ تيليماكوس الذي بلغ العشرين من عمره مرحلة الرجولة بحدث مهم ومفصلي في حياته متمثلًا بالانتقام ممن سخروا منه وهزأوا ضاحكين منه وطلبوا يد أمه في عقر داره آكلين شاربين من خيراته وخيرات أبيه. وثمة موقفان يؤكدان أن تيليماكوس قد بدأ هذه المرحلة التي ستشكل الأساس الانطلاقي في حياته: 

- حين يشفع للمنشد فيموس وكذلك النذير ميدون اللذين كانا مع الخطَّاب مُكرَهين. هذه الشفاعة التي ينالانها من تيليماكوس ليعفو عنها أوديسيوس من الموت المحتَّم على جميع من في ساحة البيت تدل على مكانة تيليماكوس الآن عند أبيه وكذلك على ثقة الأب بابنه فحين قال إنهما لم يسيآ إليه ولا يستحقان الموت؛ يستجيب الأب لقول ابنه، ويوجه الخطاب للنذير (ترجمتي عن الإنجليزية):

تشجََّع! 

الأمير من أنجاك من هذه المعمعة، 

وأنقذك الآن، فخذ الأمر بقوة  

وأخبر الرجل الآخر: 

إنَّ فعلَ الخيرات يبزُّ المنكرات       22:400


- حين يجتمع ذوي الخطَّاب في نهاية الملحمة ويريدون الانتقام من أوديسيوس الذي كان عند أبيه فيتأهب أوديسيوس وابنه وأبيه ومن معهم لقتالهم؛ يوجِّه أوديسيوس الخطاب لابنه (ترجمتي عن الإنجليزية): 


["تيليماكوس، 

ستتعلم قريبًا بما فيه الكفاية، 

عندما تتقدم إلى القتال- 

الموضع الذي تتوق الأبطال فيه إثباتَ أنهم أفضل،

فلا تُخزينَّ والدك من جانبك لحظة، 

في شجاعة الوغى التي برعنا فيها لعصور

عبر كل العالم"

تيليماكوس يطمِّنُ نفسه


"سترى الآن، إن كنت مهتما بالمراقبة يا أبي، 

إنني أتقدُ حماسًا الآن، خزيٌّ، تقول؟

لن أخزينَّك من جانبي!"]       24:560 


يوضح هذا الخطاب الأبوي والاستجابة البُنُوَّيّة  عن حلف جديد لكنه حلف الأبطال المقاتلين في ساحة الوغى. وعلى الرغم من أنه الاختبار الثاني بعد وقعة المذبحة فإنَّ أوديسيوس كان يعرف في الأولى وقوف الآلهة ونصرتهم له لكن في الوقعة الثانية ثمَّة أعداد كبيرة ونصر الآلهة قد لا يكون حاضرًا كما في الأولى لذا فقد أراد التأكيد على رفيق القتال الجديد وبثَّ الحماس فيه واستفزاز شجاعته ليخرج أفضل ما عنده أو قد يكون محض تشجيع الأب لابنه!  



بينيلوبي الزوجة الوفية 


الشخصية الرئيسة الثانية في العمل هي بينيلوبي، زوجة الملك الغائب، التي بقيت تنتظر زوجها عشرين عامًا. مثَّلت بينيلوبي كما سيخطر في ذهن القارئ أولا الزوجة المخلصة لزوجها، والمرأة الآخية الشريفة إذا ما قُوبلت بكليمتسترا زوجة أجاممنون أو هيلين زوجة مينيلاوس، لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا انتظرت بينيلوبي أوديسيوس كل هذا المدة تعيش على أحزانها متآكلة ذاتها بالدموع والأسى وانتظار الغائب علَّه يعود هذا الانتظار الذي لطوله تحولت فيه العودة إلى أمنية مُستحيلة الوقوع، فما من أوديسيوس حيّ ولا أمل بعودته أبدًا؟ تفقد بينيلوبي الأمل شيئًا فشيئًا وحين عاد أوديسيوس كانت أكثر ذويه شكًا بهويته الحقيقية ولم تستطع وهي الأكثر حزنًا ولوعةً على غيابه أن تصدق أنه عاد، فعودته أكبر من قدرتها على التصديق. ما الذي أخضع بينيلوبي لانتظار أوديسيوس؟ هذا ما يمكن أن يُفسَّر بدايةً أنها ليست زوجة رجل عادي بل زوجة ملك إيثاكا فالانتظار مفروض أكثر مما هو خيار متاح بيديها تقبل به أو ترفضه. وعلى الرغم من أنَّ هوميروس يركز على حبها له وإخلاصها لكونها زوجته وأن دافع الانتظار هو حبها فإن أكثر ما يبدو دافعًا له هو خلق شخصية مثالية شبيهة بالآلهة مجسِّدة للإخلاص والفضيلة والزوجة الصابرة أكثر من كونها امرأة حقيقية. وحتى لا يطغى على شخصها صفة المثالية اللا معقولة بعيشها متفانية في أحزانها ومكرِّسة وقتها وحياتها في انتظار المجهول فحسب فقد وضع هوميروس شرطًا لإنهاء هذا الرابط بينها وأوديسيوس الذي يطلب منها قبل الرحيل إلى طروادة أنه إذا تأخَّر بعودته كثيرًا ونبتت لحية ابنه فلها أن تتزوج من يعجبها من الرجال.

تبتدئ الملحمة بالحديث عن الأحداث التي سبقت عودة أوديسيوس بقليل لذلك فنحن لا نعرف الكثير عن حياة بينيلوبي في السنوات العشرين الماضية إلا ما يرد في متن الأحداث، مما يجعلها أكثر الشخصيات غموضًا. يُبرزُ هوميروس لنا من شخصية بينيلوبي المرأة الحصيفة والحذِرة والحكيمة وأشهر الإيثاكيات ومن أشهر الآخيات قاطبة- ذاك الجزء المرتبط بحبها وحزنها وانتظارها لزوجها الغائب لكن لا يرد ما فيه الكفاية عن هذا الجزء بل ويزيد على ذلك تصوير الأناشيد التليمياكية ضعفها قُبالة ابنها وحتى قُبالة الخطَّاب إذ تطلب قبل إعلانها للمسابقة أن تحضر معها وصيفتاها لأنها لا تستطيع فعلها وحدها. إذن فبينيلوبي تسير بخطًى وئيدة نحو أفول نجمها في سماء الانتظار في منزل زوجها (ومنزل ابنها في غيابه)، وليس لها سطوة على ابنها أو سلطة وكما يبدو واضحًا جرأة تيليماكوس عليها وضعف حضورها وشخصيتها أمامه ودومًا ما استجابت لأوامر ابنها فيما يتعلق بالخطَّاب حين يطلب منها العودة إلى وغرفتها والانشغال بأعمالها. إنَّ الانتظار لأوديسيوس طغى عليها فأنساها نفسها وأنساها ابنها لتغدو كتلة من الانتظار الحزين فتقطَّعت علاقتها بمحيطها فهي مجرد خيال زوجة وذكرى أم، وطيف امرأة تحاول بكل جهد أن تثني وتؤخر زواجها الجديد من أحد الخطَّاب الذين تجمَّعوا في منزل زوجها. لكنها وتحت إصرار ذويها وابنها تخضع في السنة الأخيرة لهذه الضغوط وتقرر الموافقة بعد كل الممانعات والصد الذي ابتدأ أولًا بحيلة نسج ثوبٍ على المنول لأجل اليوم الذي يموت فيه والد زوجها العجوز لايرتيس، وجعلت من وقت نهاية النسج موعدًا لزواجها من أحدهم. استمرَّت خلال ثلاث سنوات كاملة تنسج نهارًا وتفك نسجها ليلًا قبل أن تدلَّ إحدى خادماتها الخطّاب على حيلتها ولم يبقَ أمامها خيار إلا مواجهة الأمر الواقع. هذا الواقع الذي تواجهه الآن بينيلوبي هو الواقع الذي كانت تتهرب منه لسنوات، إذ بتقدم السنين وعدم عودة أوديسيوس يزداد يقينها بهذا القدر المحتوم المتمثل بخروجها من المنزل الذي زُفَّت فيه وتركها للدار التي تضم غرفة عرسها وسرير الزوجيّة. هل كانت بينيلوبي ترفض الزواج وتؤخره لأنها تحب زوجها أو ثمة أسباب أخرى لا تريد الإفصاح عنها؟ هل رفضها الزواج والخروج من المنزل هو صورة من العودة إلى الوطن الأودسيوسيّة، وصورة من البحث عن الذات التيليماكية؟ 

لا بدَّ من الإشارة إلى الفكرة بكون بينيلوبي انتظرت زوجها بدافع الإخلاص والحب فحسب تبدو غير مقنعة فثمة علاقة نشأت بينها وبين بيت أوديسيوس حيث عاشت، إذ أضحى هو وطنها الذي لا تريد أن تبارحه ولا مفارقة حياتها فيه. فإن كان أوديسيوس يخوض في البحار ويواجه المصاعب من أجل العودة إلى وطنه فإن بينيلوبي تخوض صراعًا في مواجهة الخطَّاب لكيلا تترك وطنها، فهذا البيت هو وطنها وحياتها متعلقة بالانتظار و الآمال التي تخبو شعلتها باستمرار. إضافة إلى ذلك فإنَّ بينيلوبي لا تعرف هُوية لها غير هُويتها المرتبطة بأوديسيوس زوجة الملك الضائع والغائب لسنوات طوال، فهي الأخرى تعيش على أمجاد زوجها لكنها  لا تبحث عن هويتها في زوجها عكس تيليماكوس الباحث فيه عن ذاته، وهي متأكدة من أنَّ ذاتها موجودة في هذا الزواج المعلَّق أو ذكرى الزواج الغابر المرتبط بهذا البيت. لذا فإن رفضها للزواج ومغادرة البيت هو رفض للتشتت الهُوياتي والاستقرار النفسي الذي عرفته هنا. تجتمع في شخصية الأم قضية الأب في العودة إلى الوطن وقضية الابن في البحث عن الذات، فشطر من بينيلوبي يُمثِّل رغبة أوديسيوس بالعودة إلى الانتماء في حين تكدح جاهدة في المحافظة على الانتماء، وشطر منها يُمثل سعي تيليماكوس بإيجاد الذات في حين تكدح جاهدة في المحافظة على الذات. نستخلص من ذلك أنَّ جهود بينيلوبي هي جهود تتمحور حول الأنا لا الآخر، وساء كانت واعية أو غير واعية فهي تقاسي لأجلها وتحزن على نفسها وما الانتظار والحزن وتحمل غلاظة ووقاحة الخطَّاب إلا محرِّكات يُحفِّزنها على إلبقاء حيَّة ذهنيًا وجسديًا. 

تتشكل هذه الهُوية البديلة عن هُويتها الأصلية المرتبطة بشخص أوديسيوس زوجها لكنها تبقى في توقٍ دائمٍ وحزن إلى هُويتها الأصلية التي تنتظر عودتها بعودة زوجها، ونرى ذلك في إكرامها للمتسول المشرَّد (أوديسيوس المتخفِّي) وقولها له إنه سيكون أقرب أصدقائها فقط لأنه حكى لها عن أوديسيوس ووقف معها ضد الخطّاب. يتضح لنا من هذا التكريم والتقريب قيمة أوديسيوس في نظرها زوجًا وهُويةً بينيلوبية. لكن طول الانتظار والحزن جعل من فكرة عودة أوديسيوس/ الهوية الأصل مستحيلة على التصديق لذا فحين تحدث المذبحة في ساحة بيتها وهي نائمة ويجتمع بها أوديسيوس بعدها فإنها تقابله بنوعٍ من الجفاء والقسوة حتى يعيب عليها تيليماكوس معاتبًا بقوله هل هكذا تستقبل امرأةٌ زوجها الغائب لسنوات، إنَّ قلبك أقسى من الصخر. هذا ما يراه تيليماكوس من تأخر أمه في استقبال أبيه بالطريقة التي يستحقها والواجبة عليها لكن السبب في هذا يكمن في سمات بينيلوبي الشخصية كالحذر والحكمة والتأني والصبر والحِلم والفِطنة فليس كل من قال أنا أوديسيوس ستصدقه لا سيما بعد حادثة الخطَّاب، والسبب الآخر يتمثل في الاستبدال الهُوياتي الذي سيتغير مجددًا بعودتها إلى هويتها الأصلية، هوية بينيلوبي أوديسيوس بدلا من هوية بينيلوبي ما بعد أوديسيوس التي بقيت فيها وتطورت معها مدة عشرين سنة من غياب الأخير. تطلب بينيلوبي من أوديسيوس برهانًا صادقًا وعلامة تتمثل في سر زوجية لا يعرفه سواهما فتوقع أوديسيوس في الاختبار بطريقة مستفزِّة حين تطلب من خادمتها نقل سرير الزوجية من غرفتها إلى الخارج لينام عليه أوديسيوس الذي يردِّ مستنكرًا قولها إذ السرير راسخ في الأرض لا يتزحزح، صنعه أوديسيوس ونحته من شجرة الزيتون في الغرفة،  ثم يشرع بعدها في ذكر تاريخ صناعة هذا السرير فتتأكد من أنه الزوج التائه في ظلمات البحور والعائد إليها من جديد. وتأكيدًا على ما أوردته بشأن غموض زوجة أوديسيوس فإن اليوم التالي لاجتماعها بزوجها يطلب منها أن تحبس نفسها في غرفتها ولا تخرج منها مهما حصل بسبب الثأر المحتمل الذي سيأتي ذوي الخطَّاب لطلبه من قلتة أبنائهم. يغيب ذكرها بعدها في عالم الأحياء تمامًا فما من أحداث تخصها لكن ذكرها يعود مجددًا على لسان من ذمَّها ضمنيًا شبح الملك أجاممنون -عندما التقى به أوديسيوس في رحلته إلى/ في منزل الأموات- بعد أن يلتقي بأشباح الخطّاب ليثني عليها ويغبط أوديسيوس على زوجته المخلصة مقابلة بحاله ومقتله على يد زوجته كليتمنسترا وعشيقها إيجيسثوس.   


الجزء الثاني

الجزء الثالث

الأحد، 19 يوليو 2020

تحت أسوار طروادة

الإلياذة - هوميروس.



أشهر الملاحم الشعرية في التاريخ الأدبي الإنساني بجانب ملحمة الأوديسة اللتان ألَّفهما الشاعر هوميروس. ينسب اسم الإلياذة إلى مدينة إليون عاصمة الطرواديين، حيث حاصرت جموع جيوش الآخيين مدينة طروادة بعد أن خطف باريس، ابن ملك طروادة بريام وأخو البطل هيكتور، هيلين زوجة ملك إسبارطة مينيلاوس، ليقود أخوه الملك أجاممنون جيوش الآخيين عابرًا بهم البحر إيجة نحو الشرق إلى طروادة، المدينة الساحلية الواقعة جنوب مضيق الدردنيل، لتشهد طروادة حصارًا وحربًا دامتا عشرة سنوات (يُؤرخ وقوع هذه الحرب حقيقةً نحو سنة 1200 ق.م.) وفي السنة الأخيرة تلتهب أوار الحرب فيسرد لنا هوميروس صراع الأبطال وقتالهم وتدخل آلهة الأولمبوس من زيوس  وبوسيدون وأبولو وهيرا انتهاءً بـ آريس وأثينا وأفروديت هيفايستوس ومشاركتهم في إنقاذ وتعجيل مصائر وأقدار الرجال من الأبطال والشجعان الصناديد الذين ما زالت أسماؤهم نجوم ساطعة في التاريخ الإنساني ابتداءً من آخيلوس وباتروكلوس وأوديسيوس وإياس الميلاتوني وأجاممنون من الجانب الآخي إلى هيكتور وباريس وغيرهم من الجانب الطروادي.     

تبتدئ الملحمة بالحديث عن غضبة آخيلوس، ابن حورية البحر والإلهة ثيتيس، بطل حرب طراودة وأعظم مقاتلي زمانه قاتل الرجال ومبيد الأعداء وسالب النفوس كما يصفه هوميروس، الذي سلب منه أجاممنون محظيته بريسيس التي نالها آخيلوس في الحرب، مما دفعه لترك الحرب والنأي عنها وبجيش الميرميدونيين، لتنقلب كفَّة الحرب والقتال لصالح الطرواديين بقيادة هيكتور أقوى رجال طروادة وأميرها والثاني في العزم والقتل بعد آخيلوس وتنتهي بعودة آخيلوس إلى الحرب ليقتلَ هيكتور ويدور به حول أسوار طروادة انتقامًا وثأرًا لصديقه العزيز باتروكلوس الذي يقتله هيكتور بمعونة الآلهة، ثم لقاؤه بملك طروادة الذي يفدي جثمان ابنه ويعود به إلى طروادة بعد أن يمنحه آخيلوس اثنا عشر يومًا هدنة ليقدم الطرواديون طقوسَ لائقة بوداع أميرهم ورجل حربهم هيكتور. 

تدور كتب الملحمة الأربعة والعشرون عن هذه الأحداث والمعارك والحصار ومؤامرات الآلهة وتدخلاتهم وكل ما دار في عالم الأرض وجرى في خبايا عالم السماء، لتقدَّم لنا حربًا إلاهية وبشرية على حد سواء، فالآلهة هي الأخرى تدخل صراعًا مع بعضها فمنهم من يقف بجانب الطرواديين والآخر مع الآخيين. 

إن القيمة الأدبية والفنية لملحمة الإلياذة متعددة الجوانب التي تُعدُّ ولا تحصى وما كُتب فيها منذ ظهور الأول "الذي يُرجع وجود الإلياذة عامة إلى ما بين 750 و 550 ق. م. ولكن النصَّ المعتمد لا يبدأ تاريخه إلا على يد طاغية أثينا بيسيستراوس في القرن السادس ق. م. وظلت الإلياذة موضع تعليق وشرح الفقهاء والنقاد منذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا" كما يذكر أحمد عتمان في تقديمه للملحمة في ترجمتها الكاملة الأخيرة إلى العربية. لكن قيمتها لا تقف عند هذا الجانب الأدبي والفني بل تتعداه إلى الفكر والعادات المجتمعية والطقوس الدينية وعبادة الآلهة ومواضيع الصداقة والحب والانتقام فهي تقدم رؤية شاملة عن الإنسان والحياة في وقتها في مجالاتها كافة وعلى مختلف الأصعدة. أما تأثيرها في الآداب اللاحقة فهي ما زالت ممتدة كذلك إلى يومنا هذا ودخلت في كل المواضيع الأدبية والفنية مقروءة ومرئية على حدٍ سواء. 

كُتبت الإلياذة بنظام "الوزن السداسي من ستة أقدام، وكل قدم مكون من داكتيلون أي مقطع طويل متبوع بآخرين قصيرين          (U U -) ويمكن أن يستبدل بأي قدم من الأقدام الستة الداكتيلون بقدم سبوندي أي مقطعان طويلان (- -) بل إن القدم السادس يمكن أن يقتصر على مقطعين طويلين أحدهما طويل والآخر قصير (U - )" أحمد عتمان. 

لكن القارئ للإلياذة سواء بترجمتها العربية أو الإنجليزية لا يشعر بهذا النظم الشعري فالشعر عند انتقاله من لغة إلى أخرى يفقد هيكليته وبنيويته في لغته الأصلية ويبقى المعنى الذي تُعاد صياغته بما يتلائم مع نُظم اللغة الجديدة. والألياذة مثل أي نص إنساني ضارب في القدم وأعماق التاريخ تدور حوله بعض الشكوك حول الزيادة والنقصان وهناك بعض الأبيات التي يعلِّق عليها أحمد عتمان بكونها كما يذهب البعض إلى أنها مضافة، لكن أكثر ما يثار حوله الجدل في هذا الباب هو قسم قائمة السفن التي تُذكر في الكتاب الثاني، الذي كان له تأثير فيما بعد بالشعراء "ويمكن أن نسميه بأدب القوائم (أحمد عتمان)". لم يتوقف هذا التأثير عند لاحقي عصر الإلياذة بل إنَّ أسلوب القوائم دخل في آداب الحداثة وما بعد الحداثة وأصبح من خصائصها وعلامتها المميزة ولأُمبرتو إيكو كتاب يبحث فيه بهذه التقنية السردية بعنوان "لا نهائية القوائم من هوميروس حتى جويس".  

إنَّ سرَّ الإلياذة لا يقف عن نصها فحسب بل ينتقل إلى شاعرها الذي لا يُعرف عنه الكثير وما يعرف عنه فهو غير مؤكد. 

أما لغة هوميروس الشعرية فهي الأخرى لغة مميزة ومحور للبحث والتقصي حتى اليوم، ويكتب بيرنارد كنوكس عنها إنها لغة صعبة وينقل عن العالم الألماني Witte قوله "إن لغة هوميروس في ملحمتيه هي إبداع شعر ملحمي" إضافة إلى أن الإغريق في العصر العظيم -القرن الخامس ق. م.- كانوا يجهلون الكثير من لغة هوميروس الشعرية إذ كانت طافحة بالمهجور -مفردات، تراكيب جمل، قواعد اللغة- والتعارضات، وتوجب عليهم تعلم العديد من الكلمات الغامضة في المدرسة إذ الكلمات والصيغ مستوحاة من لُكنات مختلفة ومراحل متباينة من التطور اللغوي. وفي الحقيقة إنَّ لغة هوميروس هي لغة لا أحد، ما عدا شعراء الملاحم والكهنة المتنبئون وشعراء البارودية (شعراء المحاكاة الساخرة) المثقفون الذين قد يحلمون باستخدامها. ويستدرك بيرنارد بقوله لكن هذا لا يعني أنَّ ملحمتي الشاعر مقتصرتان على العلماء والمتعلمين بل هما مألوفتان للجميع مثل أيّ ألفاظ منزلية تدور على ألسنة الأناس العاديين.  



هوميروس

 

من هو هذا الشاعر وإلى أي مدينة ينتمي وفي عصر عاش تبقى هذه الأسئلة محط خلاف وجدل. فهوميروس (إن كان هذا اسمه أو لقبه) لا يعرف عن ميلاده وحياته ويقول المترجم عن اليونانية أمين سلامة "تواجهنا صعوبة في تحديد التاريخ والعصر اللذين عاش فيهما هوميروس. وفي الواقع ليست هناك أي تواريخ محددة لمولده أو لمماته. والسبب في ذلك يرجع إلى افتقارنا الشديد إلى تاريخ ثابت جقيقي جاء ذكره في أي من ملحمتيه أو في أي مؤلف من مؤلفات معاصريه ولأن باحثي الآثار كذلك لم يتركوا لنا ما يشير إلى هذه التواريخ". فـ"للمؤرخين أقوالٌ مختلفة في تعيين الزمن الذي ظهر فيه شيخ الشعراء وهي تتراوح بين بدء القرن الثاني عشر والقرن السابع قبل الميلاد، ورواية هيرودوتس القائل إن هوميروس تقدَّمه بأربعمئة سنة ما زالت أجدرهن جميعًا بالثقة، لانطباقها على منقول الثقات من قدامى المؤرخين والأثر المتصل بالتواتر إليهم. فعلى هذا يكون نبوغ هوميروس في منتهى القرن العاشر أو بداية القرن التاسع قبل الميلاد أو نحو سنة 900 ق.م. لأن مولد هيرودوتس كان في أوليات القرن الخامس ق. م." سليمان البستاني. 

أما المدينة التي ينتمي لها فقد تنازعت سبع مدن عليه "ومن أشهر المدن التي تنافست على شخصية هوميروس مدينتا خيوس وسمورنا… اما المدن الأخرى التي ادَّعت بانتماء هوميروس إليها في رودوس وكولوفون وسلاميس وأرجوس وأثينا (أمين سلامة)". 

لا يهم كل هذا فمن هو وأين عاش ولأي عصر ينتمي لا يمنحنا فائدة إذا ما نظرنا إلى الجانب الآخر من الموضوع وهو أنَّ ملحمتي هوميروس بين أيدينا كاملتان. "فهوميروس هو ينبوع الأدب الإغريقي الذي انبثق جارفًا من قمة شاهقة فسالت منه الأنهار هنا وهناك، ونهل منه كل من جاء بعده في الأدب الإغريقي والروماني ثم الأوروبي والعالمي. صارت أشعار هوميروس بمثابة كتابات مقدسة تُوجز جوهر المعرفة الإنسانية وتجسيد التفوق البشري. يقول أفلاطون من تتسنّى له فرصة فهم هوميروس يهيمن على أساليب الفنون جميعًا هيمنة كاملة. ويعدُّ هيراكليتوس أشعاره منجمًا لا ينضب معينه من الورع الديني والحكمة الفلسفية (الإلياذة - أحمد عتمان ص91)". و"هوميروس يمثل الشعر الملحمي الأصيل والقائم على تقنية الشعر الشفهي لا الأدب المكتوب. وهي تقنية تتجلى في عدة جوانب أهمها الحبكة الملحمية القائمة على وحدة الموضوع والجو النفسي العام مهما وقع من تكرار أو استطراد. ونتيجة أخرى يمكن أن نستنبطها من دراستنا للتقنية الملحمية الهومرية وهي أن التفكير الدرامي صفة مميزة للعقلية الإغريقية منذ البداية، وهذا ما يفسر لنا مقولة أيسخولوس سالفة الذكر 'ما مسرحياتي إلا فتات مائدة هوميروس الحافلة' (أحمد عتمان)". 

 

صدام الشرق والغرب


يتبادر سؤال لقارئ الملحمة هل يُمكن أن تكون ملحمة الإلياذة هي أول صدام يخلِّده الأدب الإنساني ما بين الشرق والغرب؟ والشرق والغرب هنا لا بمفهومها الحاليين المشيرين إلى أوروبا والشرق الإسلامي، بل الشرق والغرب بمفهوم أعم يشمل أي قوتين عظميين أو أمتين متخاصمتين أو حضارتين متصارعتين، إذ يمثل الطرواديون الشرق الآسيوي لبحر إيجة وأسلاف الإغريق من الآخيين والميرميدونيين والأسبارطيين والدانائيين وبقية ممالك الآخيين الغرب الأوروبي لبحر إيجة. يبدو التفكير في الإجابة بالإيجاب على هذا السؤال مانحًا لتحفيز في خلق رؤى وتشكيل معطيات حول هذه الحرب ومآلاتها ودوافعها وكيفية تشكّل مفهوم الصراع بين الأمم الكبرى. وبما أن مع ظهور أولى الإمبراطوريات في التاريخ فقد نشأ الصراع والتوسع العسكري، إذ الحرب من أجل كسب أراضٍ ومغانم جديدة تزيد من قوة الأمة والممالك والإمبراطوريات هي الوجه الثاني لاستقرار الإنسان بعد قرون مديدة من حياة الترحال والتنقل فوق المعمورة. إذن مما يمكن أن أستنتجه من قراءتي لهذه الحرب أنها صدام الشرق والغرب بمهفوم صراع الحضارات وتنافسها للسيطرة وهذا ما تعضده بعض الآراء والشروحات حول نية أجاممنون السيطرة على منافذ بحر إيجة والتوسع على حساب الطرواديين. وكان ما يحتاج إليه هو الذريعة التي من أجلها يقود سفن جيوشه ويعبر بهم البحر وتهيأت له الأسباب بهروب هيلين مع باريس أمير طروادة.  


هيلين الجميلة 


هيلين الجميلة أو الملعونة هل كان هربها هو سبب الحرب التي امتدت عشرة سنوات والحصار لطروادة؟ هذا السبب الظاهري هو ما يوضحه هوميروس في كتب الإلياذة الأولى، لكنه يبقى سببًا لا يمكنه أن يحتضنَ كل ما جرى ولا أن يكون الدافعَ لهذه الحرب التي اشتركت فيها حتى الآلهة، فهل كانت هيلين الهاربة والتاركة لزوجها مينيلاوس مع عشيقها الطروادي هي عود الثقاب الذي سقط فوق الحطب الجاهز للاحتراق، هذا ما أميل له وأراه أكثر من منطقية في قتال عشرات آلاف الرجال مع بعضهم في حرب ضروس لا تبقي ولا تذر وجعلت أمتين عظيمتين متناحرتين عقدًا من الزمن. 

والسؤال الآخر ما حال هيلين في خضمِّ كل هذا؟ إنَّ المتعارف عليه في الإلياذة كما سأتطرق له، هو التركيز على العالم الجوّاني والنفسي لشخصياته، وتصوير حالهم الخارجي متأثرين أو مُأثرين. وهيلين ليست بمنأى عن هذا فهي كما تُظهرها الإلياذة تشعر بالعار والخجل من فعلتها وما سببته من صرع الكثيرين، وكذلك يبدو عليه التردد وتعيش في عقدة الذنب التي يحاول المحيطون بها التخفيف عنها لكنها تبقى عالقة في دائرة الإقرار بخطأها، الخطأ الذي لا مهرب منه ولا تصحيح له، فالحرب قد شبَّت نارها والموت قد افترَّت أنيابه وحطَّت على صدور الرجال براثنه وأدلت آلهة الأولمب برأيها أنَّ الحرب هي الحرب، ولعل مصداق هذا التردد ما تقوله نفسها في الأوديسة - الكتاب الرابع بعد أن تعود إلى زوجها إثر حرق طروادة اجتيحاحها: "إذ كان قلبي يتلهف إلى العودة إلى وطني، وتأوهت نادمة على العمى الذي أعطتنيه أفروديت عندما قادتني من وطني العزيز إلى طروادة، تاركةً طفلي، وهاجرة حجرة عرسي، وزوجي الذي لم ينقصه شيء، سواء في الحكمة أو الجمال". لكن هيلين لم تستطع أن تعود عن خطأها ولا تصححه ولا تملك المقدرة على التماشي معه وهي ترى الأحزان التي تُخيم على الوجوه والدمار الذي ارتفعت آيات نُذره. فرغم أنها كانت السبب الظاهري في هذه الحرب والقتل الدائرين فإنها من أكثر الشخصيات التي تستدعي التعاطف معها فما نالته من عقاب يفوق جريرتها.  


أجاممنون الملك


يشغل الملك أجاممنون قدرًا بارزًا من الإلياذة، فهو بطل من أبطال الحرب إضافة إلى كونه ملكًا، وسيدَ الرجال، ويكيل له هوميروس المديح والثناء والأوصاف الراقية التي نالها جميع الأبطال في العمل، إلا إنَّ الدور المهم الذي لعبه أجاممنون أنه كان سببًا في غضبة آخيلوس وانسحابه المؤقت عن الحرب، إذ يسلبه أجاممنون محظيته بريسيس بعد أن أرجعَ خريسيس ابنة كاهن معبد أبولو التي أخذها أجاممنون وأهان أباها الذي دعا أبولو ليلسط عليهم عذابه فكانت النجاة بإعادة خريسيس لكنه اشترط على إعادتها أخذ محظية آخيلوس فتمَّ له هذا، وهو هنا يقوم بخطوة مفصلية في الحرب والعمل ومن دونها لم يكن للإلياذة أن تُنظم. 

إن الصورة المتناقضة التي يرسمها هوميروس لأجاممنون تستدعي التوقف فهو يُظهر أجاممنون بزي الملك الوضيع الذي يحاول التسلِّق على أكتاف قادته ويظهره في صورة أخرى أنه ملك عظيم وشجاع يقاتل في الصفوف الأولى. إن سمة التناقض التي يُلبسها هوميروس لأبطاله متكررة ومؤكدة لدى أكثر من شخصية مما يجعل هناك فارقًا ما بين حال وحال، بل وإن لكل شخصيّة شخصيات داخلية متعددة، وهو بهذا يخلق شخصيات متسمة باللا كمال، فثمة نقص دائم يشوبها، وقد تنحدر لتمارس سلوكيات لا تتلائم مع قدرها ومقامها لكنها تفعلها وبإصرار لكن سرعان ما تعود إلى صوابها ورشدها كما حدث مع أجاممنون لتبقى الهيئة الجليلة هي الحاضرة والمسيطرة رغم فعله لبعض المعايب. 

  

آخيلوس الصنديد الباكي 


إنْ قلنا إنَّ ملحمة الإلياذة كتبت في مجد آخيلوس لما جانبنا الصواب، فهو أعظم مقاتلي زمانه، وأشهر محاربي حرب طروادة، حبيب الآلهة وابن حورية البحر ثيتيس، مفرِّق الجماعات والموت الزؤام ومُجندل الأبطال في سوح الوغى، سريع القدمين الذي بانسحابه رجحت كفّة الطرواديين وبعودته رجحت كفّة مقاتلي الآخيين مجددًا. مجَّده هوميروس وأطراه ومدحه وجعل زيوس، كبير الآلهة، يقف في صفه وعلى يديه عرف الطرواديون الهزيمة النكراء والميتة المذلة لأميرهم وأقوى رجالهم وأشهر أبطالهم هيكتور مروض الخيول، وعند أقدامه ركع ملك طروادة عندما قدّم فدية جثمان ابنه الذي أخذه آخيلوس متوعدًا إياه بأن تنهش جثته الكلاب ولن يحظى بتكريم مشرِّف بعد موته. يتجاوز حضور ملك الميرميدونيين الجميعَ حتى الملك أجاممنون الذي يبدو قُبالته صغيرًا. 

تبتدئ الملحمة في كتابها بالحديث عن غضبة آخيلوس، التي لعنت الآخيين وسببت لهم الخسائر وجعلت مروضي الخيول يثخنون فيهم قتلًا وتدميرًا حتى حاصروهم في معسكراتهم وأماكن تجمعهم القريبة من سفنهم المجوفة والبحر. وبغضبة آخيلوس ينسحب عن الحرب، شاعرًا بالحزن والأسى على شرفه المهان، وحتى عندما أقرَّ أجاممنون بخطأه وطلب رضاه وأرسل له الرُسل يسترضيه ويلتمس عنده المعذرة ويعوضه عما أخذ منه فإنه  يأبى ويرفض، وما كان له أن يعود للحرب إلا بسبب موت صديقه باتروكلوس الذي سمح له آخيلوس بعد أن منحه عدته الخاصة بالقتال، ليغضب آخيلوس غضبة الانتقام التي ثأر فيها من قاتل صديقه العزيز وسالب أسلحته، هيكتور، في واحد من أجلى المشاهد التي صورها هوميروس وأروعها في الملحمة، وهي تسرد قصة القتال بين أشهر مقاتليْـن في الحرب، إنها الذروة التي حُبستْ فيها أنفاس الطرواديين لوحدهم لأن آخيلوس كان لا يُقهر ولا ترهبه مجاميع الرجال ولا أسلحتهم وطارد الطرواديين كالأسد الذي يلاحق قطيع غزلان مُشرِّدًا إياهم إلى ما وراء أسوار مدينتهم الحصينة والشاهقة.  

لكن هذه الصورة البطولية الخارقة لنظير الآلهة في الشجاعة لم تكتمل إذ "يُخرِّبها" هوميروس بما لا يتوافق مع سمات الشخصية المقدامة التي تقود الأبطال ولا تتوانى عن جعل أبطال الأعداء يجثون على ركبهم قُبالته طالبين الرحمة. فبعد أن يسلب أجاممنون آخيلوسَ محظيته فإن الأخير بعد أن يغضب منه وينوي قتله ثم يتراجع بمشورة الإلهة أثينا وينسحب إلى خيمته فإنه يبكي على شرفه المهان، ويظهر في حال ضعيفة وهيئة تتنافى كل النفي مع مكانته قائدًا وملكا للميرميدونيين وأفضل وأشهر مقاتلي عصره حتى تخرج أمه ثيتيس من أعماق لتواسيه! لكن هوميروس لا يُبقي آخيلوس في حالة ثابتة تتلائم ما فيه من سمات البطولة رغم أنه محور الإلياذة وغضبته هي التي تؤرجح كفتي الحرب ما بين الآخيين والطرواديين. ويبدو أن هوميروس يركز على بكاء آخيلوس فيتكرر بكاؤه في ثلاثة مواضع: الأول ما ذُكر آنفا، والثاني وهو الأطول والأكثر مرارة وحرقة يسكب الدمع فيه مدرارًا على موت صديقه باتروكلوس الذي يُقتل في المعركة، والأخير عندما أتى بريام ليفدي جثة ابنه هيكتور فيبكي آخيلوس على والده -إذ يذكره بريام به ليستشفعه- وباتروكلوس. إن للبكاء لدى آخيلوس بدافعين الأول وهو الذي تعلوه سمة الضعف وعدم القدرة على الرد كما يريد، والآخر هو بدافع الحزن والأسى على فقدان من يحب، وهو بكاء على أعين الملأ فآخيلوس لا يبكي في الخفاء بل ويبكي معه الآخرون، إنه نوع من البكاء البطولي الذي يفخر به، وعلامة من علامات الحب التي يكنها لصديقه الذي مات. علاوة على ذلك فإن البكاء المقرون بالحزن العظيم لا يقلل منه على العكس تمامًا فهو يعزز من قدره مقاتلًا شجاعًا وصديقًا مخلصًا، وقبل كل شي إنسانًا بطباعٍ بشرية متعددة ومتباينة لا تنتفي مع شجاعته ولا تختفي خلف قناع زائف ولا تختبئ خلف ستار من ادعاءات كاذبة. إنها الصراحة والتوافق ما بين العالمين الداخلي والخارجي التي يجعل كل ما يقوم به مدعاة للإفصاح والإعلان دون تردد أو خوف أو التحفِّظ لأي اعتبارات. 


أوديسيوس نظير الآلهة


لشخصية أوديسيوس حضورها القوي في الإلياذة بله عن كونها شخصية هوميروس المفضَّلة الأخرى، التي جعل من رحلة عودته إلى موطنه ملحمة أخرى اشتهرت مع الإلياذة أدبيًا وفنيًا وتأثيريًا حذو القُذَّة بالقُذَّة. أما في الإلياذة فإن لملك إيثاكا الواسع الحيلة دوره الكبير في الحرب سواء أمقاتلا بطلا كان أو قائدًا محنَّكا أو خطيبا مفوَّها أو ذا رأي راجح (نظير زيوس في الرأي) كما يصفه هوميروس فتبرز مكانته فهو ذو حضور شبه دائم في كل حدث يخص الآخيين. وأكثر ما خُصَّ أوديسيوس به هو بلاغة الخطابة وسرعة البديهة فضلا عن كونه أفضل الرُسل لقدرته على المجادلة بدهاء والنقاش بحكمة في محاولة إقناع الآخر لما يريده. وأوديسيوس من الشخصيات البارزة الوحيدة التي لم يعمل هوميروس على تصويره في أحوال متناقضة تتضارب فيها سماته وتخرج قليلًا من النمط والمكانة الموقرة التي يُوضع بها كما حدث مثلا مع أجاممنون وآخيلوس. ولعل أبرز ما قدَّمه أوديسيوس في حرب طروادة وإن لم يذكر في ملحمة الإلياذة هو خطته المتمثلة في حصان طروادة والتي كانت سببًا في هزيمة الطرواديين وحرق المدينة وإعادة هيلين إلى زوجها مينيلاوس، ملك إسبرطة. إنَّ التركيز هنا والخاص على أوديسيوس في الإلياذة هو نتيجة لرحلة عودته في "الأوديسة"، ولا يعني هذا أنَّ شخصيته التي يرسمها هوميروس في الإلياذة غير جديرة بالانتباه والوقوف والملاحظة فهو يكاد يكون ثاني أبرز شخصية إغريقية الحضور والمكانة والتأثير بعد آخيلوس في الملحمة.  




هيكتور أمير طروادة


من بين جميع أبطال حرب طروادة التي مالت فيها كفَّة أبطال الآخيين كثيرًا، يبرزُ في الجهة المقابلة هيكتور أمير مدينة طروادة ذات الأسوار الحصينة والبوابات العملاقة، مروّض الخيول الذي أثخن في الغزاة قتلًا وتدميرًا، وهو أشجع الرجال المؤيَّد بالآلهة والحكيم الرأي وسليل زيوس، ولولا آخيلوس وشجاته المنقطعة النظير فلكان لهيكتور رأي آخر في الحرب الطويلة الأمد إلا إن مشيئة الآلهة كانت لها فصل الخطاب في الأخير وتحديد هُوية المنتصر ثم تدمير المدينة التي استعصت على الغزاة عقودًا طويلة، مدينة الملك بريام. 

تبرز دوافع قتال الأمير هيكتور في الحرب لتكون الأكثر شرفًا من بين الجميع، وهو الوحيد الذي يبدو أنه يُقاتل لأهداف مشروعه وتحركه نوازع حكيمة لا يُمكن أن يُخالفه عليها إنسان. يُقاتل هيكتور دفاعًا عن مدينته طروادة، فهو إذن في مقام الدفاع عن الوطن والذود عن الحمى، ليس بغازٍ مغتصب ولا طامع سفَّاك للدماء يبحث عن السيطرة وتوسيع ممتلكاته وثرواته. وهو كذلك يقاتل دفاعًا عن عِرضه وأهله خاصة وشعبه عامة فقد اجتمعت له خاصيتين سيقاتل كل امرء لأجلهما أحرَّ القتال وأشدَّه- الوطن والأهل. لنقف عند هيكتور البطل الشجاع والقائد المحنَّك والرجل الهمام الذي قضيته أعدل من قضايا الجميع وهو رغم يقينه بضعفه إذا ما قابل آخيلوس وهزيمته الموقَنة أمامه فهو حين آن أوان المواجهة الحقيقة مع آخيلوس، الذي كان يتميَّز من الغيظ وتتأجج في صدره نار الثأر والانتقام لباتروكلوس، فقد واجهه بشجاعة طلب منه أن يُكرم القاتلُ القتيلَ بتسليم جثمانه إلى جيشه وشعبه ليؤدوا مراسيم جنائزية تليق به لكن آخيلوس يرفض طلبه فلا اتفاق ولا عهود ولا مواثيق بينهما ويجيب آخيلوس: 


"أي هيكتور، أيها البائس الملعون، إياك أن تحدثني عن العهود

فكما لا يُوجد صدق في الوعود بين البشر والأسود 

وكما لا تكون للخراف والذئاب ذات الميول

فدائما ما يضمر كل منهم للآخر الشرور 

فهكذا نحن أنا وأنت، فلن يستطيع أحدنا أن يحب الآخر، 

ولن تكون بيننا عهود قبل أن يرتوي الإله آريس، 

ذلك المحارب العتيد بدم من يسقط أولا، فلتستجمع كل قواك القتالية، 

فهذا ما تحتاج الآن، تصرف بوصفك حامل رمح ماهر، 

ومحاربًا جريئًا، حقًا ليس لك مفر بعد الآن، 

فسوف تقضي عليك الإلهة باللاس أثينا 

في التو برمحي هذا، كما أنك ستدفع أيضا جزاء 

أحزاني على رفاقي الذي أرديتهم قتلى بحربتك العاصفة". 


كان هذا ردُّ آخيلوس على طلب هيكتور، والنهاية المعروفة المتمثلة بقتل هيكتور على يد آخيلوس سريع القدمين، والتمثيل بجثته قُبالة ناظر الطرواديين وملكهم بريام حيث دار بجثته التي ربطها بعربته حول أسوار طروادة ثم أخذها إلى معسكر الآخيين ليشبعَ نفسه بالانتقام العظيم ويبر بوعده بأن تنهش الكلاب جسد هيكتور إلا إن تدخل الإلهة يحول دون ذلك بقدوم بريام ليفدي جثمان ابنه هيكتور.      

إن كان آخيلوس قد بزَّ الجميع طرواديين وإغريق بالشجاعة وحسن التصرف في القتال ونيل مجد الآلهة وكبيرها زيوس في الحرب والقتل وجندلة الرجال أفرادًا وزرافات إلا أننا نقف بعد رفض آخيلوس العهد بينه وبين هيكتور قُبالة رجلين أحدهما همجي قتّال والآخر متحضِّر شجاع، لذا فقد بزَّ هيكتور الطروادي مروضُ الخيل آخيلوسَ الغازي ملك الميرميدونيين في أخلاق الحرب وسلوكيات المقاتليين الأكفَّاء، فقد عامله هيكتور وطلب منه تكريم القاتل لقتيله بعد الموت بدافعٍ من تحضُّر طروادي وتمدُّن لم يعرفه آخيلوس الذي أعمى الانتقام بصيرته وأغلقت شهوة الدم كل أبواب الإنسانية التي لا بد أن تكون قرينة الشجاعة والإقدام والرجولة التي يتمتع بها لكنه يأبى إلا أن يكون متوحشًا بربريًا تحت تأثير الرغبة بالثأر الذي ناله برمحه الدرداري المثقل بالبرونز، فيقول بعد أن طعن هيكتور بحَنجرته وطلب منه الأخير تسليم جثمانه مجددًا إلى أهله ويمنحه شرف حرق جثمانه يجيبه آخيلوس: 


"لا تستحلفني أيها الكلب بركبتيَّ أو بوالديَّ فليت غضبي 

وجنوني يأمراني بتمزيق جسدك، والتهام لحمك نيئًا، 

بسبب كل ما ارتكبتَ ضدي فليس هناك ما يدفع الكلاب عن رأسك، 

حتى لو أحضروا لي فدية لا تعدُّ ولا تحصى، عشرة أضعاف

أو عشرين ضعفًا ولو تعهدوا لي بأكثر من ذلك…"   


هكذا يستمر آخيلوس بتعنته ويصرَّ على عجرفته البربرية في حرب طروادة، تاركًا الأفضلية كاملة لهيكتور خلا تلك الخاصة بفنون الصِدام بين المقاتليْن وهمجية الانتقام. 


صراع الآلهة 


إنَّ دخول الآلهة على خط الصراع والحرب يمنح الإلياذة زخمًا على مستوى الحدث العام المتمثل بالحرب ومعاركها، ويقسم العمل إلى الجانب الأرضي المتمثل بالفريقين المتحاربين والجانب السماوي المتمثل بآلهة الأولمبوس وفي مقدمتهم زيوس وزوجته (أخته) هيرا وأخوه، إله البحر، بوسيدون ذو الرمح ثلاثي الشعب، وأبناؤه أبولو وآريس وأثينا وأفروديت. 

يمنح هذا الاشتراك الآلهي بُعدًا كونيا فالمعركة لم تعد مقتصرة على الفانيين فحسب، لتصبح المعركة هي معركة كونية ساحتها الفعلية أرض طروادة لكن أبعادها تجتاح السماء الفسيحة وتتوسع نحو الكون. ولو لم يكن الآلهة على خلاف لما حظيت المعركة بكل هذا الاجتياح التوسعي للأحداث- إذ لا تُرجح كفة معسكر على آخر، فآلهة الأولمبوس مختلفون فيما بينهم بعضهم يقف مع الطرواديين الذين يقدسونهم وينحرون لهم الأضاحي ويقدمون القرابين كأبولو وآريس وبعضهم مع الجانب  الآخي كبوسيدون وهيرا وأثينا، أما كبيرهم زيوس فهو يعمل على إطالة أمد الحرب وتغيير موازينها ليعطيها إثارةً وحماسًا ويهيئها لمجد آخيلوس لذا فدوره الحقيقي هو المتحكم بخيوط الصراع ومقادير النزالات وأقدار المقاتلين ومصائرهم عكس بقية الآلهة الذين يشتركون بأنفسهم فاعلين أكثر من متحكمين تحركهم عواطفُ ومشاعرُ بشرية كالحب والكره والحقد والانتقام وحماية من يريدون وتعجيل في موت آخرين مشتركين في قتلهم كما حدث مع موت باتروكلوس الذي ساعد في قتله أبولو.

إن الآلهة في الإلياذة هي قريبة من البشر في تدخلاتها وفي تواصلها معهم متجسِّدة بشخصياتٍ معروفة لآخرين أو على هيئاتها الحقيقية لتحثَّ على الحرب وترفع المعنويات أو تنقذ أحدًا بمقدرتها التي تفوق قدرة البشر والاشتراك في القتال الفعلي للمعركة. هذا التصوّر الهوميري والإنساني في عصره لدور الآلهة والتصويري لهم يمثل مرحلة طفولية من الفكر الإنساني سواءً للآلهة أو طريقة إدارتها للحياة والموت وتغيير مجرى الأمور، فينزع عن الآلهة وفكرة الإله المجردة خصوصيتها ويدخلها في أبعاد بشرية عواطفَ وأحاسيسَ وإن كانت تتمتع بعالم خاصٍ بها يبقى متفوقًا على البشر الفانين. لكن قربهم هذا يجعلهم أشبه بالبشر، وبالوقوف عن تشبيه هوميروس لشخصياته باستخدامه عبارة "الشبيه بالإله" ونرى في المقابل تصرفات آلهة الأولمبوس "الشبيهة بالبشر (ليس تشبيه هوميري)" سيبدو الأمر أقرب لكون الآلهة مخلوقات بشرية خالدة بقدرات خارقة أكثر من كونها الآلهة فعليًا وهي بذلك لا تخرج عن المفاهيم البدائية للبشر عن الآلهة أنها شبيهة بهم إلا إنها ذات قدرات خاصة. 

لا يقلل هذا الأمر من حقيقة أنَّ المعركة هي صراع وجودي ما بين الآخيين والطرواديين تكون الآلهة فيه لاعبًا حاسمًا إلى حدٍ معيَّن فيما يبدو زيوس في فوق قمة جيل إيدا مستمعًا بالأمر أشبه بطفل يستمتع بلعبة فهو مرة يمنح بقية الآلهة الإذن بالاشتراك في المعارك الدائرة فوق أراضي مدينة إليوس ومرة يمنعهم ثم يعود ليسمح لهم ثم يقرر في النهاية بميزانه موت هيكتور ومجد آخيلوس بطل الآخيين وملك الميرميدونيين.



حرب الأبطال 


تدور رحى هذه الحرب الشرسة في مساحات واسعة تتقاتل مجاميع بشرية كبيرة بعضها ضد بعض إلا إن التصوير للمقاتلين والمواجهات المباشرة مقتصرة على الأبطال والقادة والملوك والأمراء، لتعطي المتلقي تصوَّرًا أن الحرب هي حرب الأبطال فقط لا الجنود العاديين لكن الحقيقة تكمن وكما يذكر أمين سلامة أن هوميروس من شعراء الطبقة العليا فهو ليس بمنشدٍ عادي ولا بشاعر غنائي يغني للطبقات المتدنيّة بل هو شاعر مبرَّز مختص بفئة الملوك والأمراء فحسب. علاوة على ذلك فإن الإلياذة منظومة لتمجيد الأبطال فهي لا تخص أي طبقة محاربين عداهم، فالرجال فيها أقوى وأشجع وأكثر جرأة وخطباء أماجد ومُجيدون فصحاء، وهم في ذات الوقت جيل لا شبيه له في وقت هوميروس،  الذي كرر في أكثر من موضع في ملحمته أنه لا شبيه لهم في هذا الوقت لا بالقوة ولا الحنكة ولا الشجاعة. وعصر الأبطال لهوميروس محط دراسة هو الآخر إذ يكتب أمين سلامة: "من هم أبطال حرب طروادة: هناك النظرية الألمانية وهي تقول إن هؤلاء الأبطال كانوا آلهة في أول الأمر ثم أصبحوا بشرًا بمرور الزمن. وقد عارض هذه النظرية العالم الفرنسي بول فوكار Paul Foucart في رسالة ألفها عن عبادة الأبطال عند اليونان. 

إذن كان أجاممنون وآخيل ومينيلاوس آلهة تُعبد في بلاد اليونان ثم مرَّ زمن طويل حتى أصبحوا بشرًا جمعتهم الخرافات حول حصار طروادة. والذي يجب أن نتذكره أن أهمية طروادة القصصية لم تزد إلا في أوساط آسيا الصغرى حتى جاءت إليها سلالة أولئك الأبطال التي يقيمون بها. 

أما النظرية العكسية في نظرية بول فوكار الذي يقول إن هؤلاء الأبطال كانوا بشرًا في أول الأمر ثم ارتفعوا بعد ذلك إلى درجة الآلهة. فإن أجاممنون وآخيل ومينيلاوس كانوا رجالا وربما كانوا من رجال الخرافات الذين ابتدعتهم الخرافات وربما كانوا أيضا شخصيات تاريخية لها وجود تاريخي صحيح. 

وهذا الاعتبار الأخير أميل إلى الصحة لأن مكتشفات الحفائر في البلاد الشرقية تدعونا إلى أن نأخذ بالرأي القائل بأن هذه الشخصيات وجدت حقًا وكان لها ما كان من الأثر في حرب طروادة وهم أبطال آخيون ما عدا البطل أوديسيوس الذي اسمه يوناني".   

هذا الاقتصار والتركيز على الطبقة العُليا والأبطال هو المسيطر والمتحكم بالجو البطولي في العمل الذي يطغى على المنتصر والمهزوم والشجاع والجبان فيجعل الجميع تقريبا في مستوى واحد فلا تعرف من الصنديد المقدام ومن الرعديد الخوَّاف. لذا فيفقد المنتصر حظوة النصر الفريدة ويسمو المهزوم على عار الهزيمة النكراء. هذا التساوي ما بين الفريقين يعضده دخول آلهة الأولمبوس على خط الصراع والمواجهة في فريقين متناحرين فينتقل العمل من مرحلة إلى أخرى بشكل جمعوي (مجموع أبطال) لا فرداني (بطل واحد) سواء في أحوال القتال أو حالات التوقف وفي الجانب الأرضي أو السماوي، ويجعل هذا التدفق الكُتلي كتب الإلياذة الأربعة والعشرين في مسار ذروة شبه دائم، وبروز بطل  هنا أو هناك ليس ببروز متسيَّد وحيد فدائما ما يكون هناك رفيق مشارك أو خصم مواجه. 

لا يغيب عنا أنَّ لآخيلوس إكليل البطولة وقصب السبق من بين جميع الأبطال وأنَّ الإلياذة متوقفة في أحداثها المروية على غضبته وانسحابه ثم عودته لكن هذا لا يبخس قيمة الآخرين ووجودهم وتأثيرهم الجمعوي في العمل. هذه السمة البطولية ذات الذروة الحماسية في كثير من مواضع الإلياذة تُبقي الحرب في اتقاد متلظّية الأوار لا يخبو لها لهب ولا تذوي لها شعلة في نفوس الأبطال ولا أفعال القتال.   


هل ثمة رمزية؟  


هل ثمة ما يرمز إليه الفريقان المتخاصمان والأبطال المذكورين وحتى الجانب السماوي المتمثل بآلهة الأولمبوس أو أنَّ لا رمزية هناك والملحمة تروي معركة تاريخية حول أسوار طروادة الحصينة؟ لا شيء في ذات العمل ولا في زمن هوميروس المجهول المدة والسمات والمنتمي إلى عصور مظلمة لا يُعرف منها شيء حتى على مستوى الآثار - يُوحي إلى الرمز على الرغم من التطور الذي نتج عن العمل في الدلالات والمصطلحات والاتجاهات الأدبية والفكرية والنفسية المتعلقة بشخصيات الإلياذة. لذا فإن العمل حين نُظمَ أو ألِّف شفويًا كان لتمجيد الأبطال والآلهة في حرب طروادة دون أيَّ رمزية أو حتى معاني ضمنية، هذا الرأي رغم صعوبة تقبّله وفقًا للتطور الأدبي والفكري المعاصر لكن ما من رأي معارض يملك الدليل والبرهان على إثبات العكس فهو سيبقى عملًا لا يحمل أيَّ رمزية حتى يُثبت عكس هذا. وينطبق الأمر على مدينة طروادة المجيدة التي تقع جنوب مضيق الدردنيل وسواحل بحر إيجة (شمالي غرب تركيا) فهي مدينة غنية وشهيرة فحسب يتصارع عليها جيشان؛ مهاجم ومدافع، حرب بين غازٍ ومُقاوم. لكن هذه المدينة (إلياس) يُمكن أن تكون ذات رمز وكناية عن أشياء كثيرة ابتداءً من كونها وطنًا للطرواديين وهدفًا للنهب والسلب والغنى للآخيين فيما يمكن أن تحمل دلالات كثيرة أخرى عن المجد والصراع بين قوى الخير والشر وتقدّم الإنسان على حساب أخيه الإنسان. فكل منا في الأخير يملك طراودته الخاصة التي يحميها ويحافظ عليها ويخشى أن يدخلها حصان خشبي يحمل إليها الهلاك والدمار والاندثار والفناء.


الملحمة فنيًا


تمتاز الملحمة بكونها متقنة الأسلوب والتقنيات الفنية وغنيّة بتنوعها في هذا، مما يدل على مدى ثقافة واطلاع هوميروس وكذلك كما يذهب بعض الدارسون إلى أن الإلياذة مرَّت بعدة تطورات وانتهت إلى هوميروس الذي دبَّجها وحسَّنها بأسلوبه ولغته الخاصة. ومن العناصر الفنية الواردة في الإلياذة:

 

- الحوار النفسي ومناجاة النفس والعوالم الجوانيّة. إنَّ الحوار النفسي في الإلياذة بارزٌ ولاعبٌ فاعل في تقوية المقاتل أو رفع حالتها المعنوية بشكل يجعله يغير قراراته أو يصر عليها. وينبثق هذا الحوار النفسي كذلك من تصوير العوالم الجوانيّة وخلجات النفس ولواعجها. ومن الأمثلة على ذلك حديث أوديسيوس مع نفسه: "آه لي، ماذا أصابني سوف تكون فضيحة كبرى إذا هربتُ خوفًا من الرعاع". 


- التكرار. تتكرر المقاطع في الإلياذة معنى أو صياغة في كثير من مقاطعها بشكل لافت مما يدل على القصدية في التكرار وأنه عامل روي مدروس ومستخدم بعلم سابق لا عشوائية لا سيما وأنَّه ما من مقطع مكرر  بالتمام والكمال كما يُشير بيرنارد كنوكس فكل مقطع مكرر يحمل تغييرًا ما عن سابقه. 

 

- تعدد الأحداث المسرودة وتنقلها. تتعدد الأحداث المسرودة في الكتاب الواحد وتتنوع وتنتقل من مشهد إلى آخر سواء ما بين معسكر الجيشين الآخي والطروادي أو ما بين الجانب الأرضي والجانب السماوي أو الانتقال من أرض القتال إلى حياة السلم في مدينة طروادة أو معسكرات الآخيين، والجمع بين الصور المتعارضة ما بين مقاتل في خضمِّ المعركة وآخر بعيدٌ عن رماح العدو وسهامه.  وتكاد تكون بعض كتب الإلياذة ذات طابع بانورمي يمنح صورة شاملة بضمها لكثير من المشاهد واللقطات في الحرب وعرضها في شريط واحد بشكل تتابع مما يُعطي وفقًا لمفاهيمنا المعاصرة عرضا سينمائيا للأحداث المروية.


- القوائم. إنَّ هذه التقنية التي يستخدمها هوميروس والمتمثلة في أسلوب القوائم ورغم التشكيك بنسبتها إليه- فهي واحدة من أشهر الأساليب السردية المستخدمة في الآداب النثرية وبرز دورها لاحقا ولا سيما في الحقب الأدبية المعاصرة بكونها سمة من سمات تيار الحداثة.


- السارد العليم. إن الشاعر الذي يروي ويسرد أحداث الإلياذة عليم بمجريات الأحداث ومآلاتها وعوالم شخصياته الجوانيّة وأقدارها السماوية مما يمنح حرية أكبر في العرض ويستخدم تقنيات كإيقاف عجلة الحدث والعودة إلى الوراء (استرجاعية) ليذكر أشياءَ متعلقة بالحدث كأن يكون المشهد المروي هو استلال سيف، ليوقف الروي ويذكر كيف صنع السيف. 

وعنصر الاسترجاعية الزمني مستخدم بكثرة من قبل هوميروس ومتنوع فأحيانًا تكون بالرجوع إلى زمن قريب وأخرى بالرجوع إلى زمن بعيد أو أبعد مما يرسم الخط الزمني للأحداث معطيًا أبعادًا كاملة للحدث وحيثياته. 


- الاستباقية. يبرز عنصر الاستباقية في التنبؤ بمصير الأبطال وما ستؤول إليه الأحداث قبل وقوعها أو حتى ذكرها بكونها تقديم مختصر للنهاية كما لدى موت هيكتور الذي يُنبئ قاتله، آخيلوس، بأن باريس سيقتله برمية سهم بمساعدة الإله أبولو. 


- التعريف بالشخصيات. يُعرِّف هوميروس بشخصياته ذاكرًا نسبها ونسب أبيها وذكر حادثة مشهورة مرتبطة بأحدهما إذا وجدت كونها علامة مُعرِّفة لهذه الشخصية أو تلك، ودائما ما يكون لهذا التعريف دوره في تسليط الضوء على مدى تكافؤ الخصمين في أثناء المواجهة المباشرة أو علو كعب أحدهم على الآخر. ويلاحظ أن هوميروس مهتم بأنساب الرجال في المعركة فكثيرا ما تسأل الشخصيات خصومها عن أنفسها وسليلة من هي. 


- الحوار والخطابات. يقودنا التعريف المقدِّم للشخصيات إلى ذكر الحوارات التي تجري بينهم وغالبا ما تكون حوارات مفاخرة وهجاء واستعداء لطرف ضدَّ الآخر لا سيما تلك التي تسبق أيَّ مواجهة قتال ويلاحظ في هذه الخاصية في روي الأحداث طولُ الخطابات بين الخصمين قبل أو أثناء المواجهة مما يجعل وجود هكذا حوارات بهذا الطول غير مقبول تصديق حدوثها منطقيًا فالمتحاربين الأبطال في خضمِّ رحى معركة دائرة سيكون آخر ما يفكرون به هو تلك الحوارات والخطب الرنانة التي يوجهونها إلى خصومهم إلا إننا نقرأ عكس هذا حيث الاستفاضة في الحوار والخطابة وكأنهم في معزل عما حواليهم من قتال دائرٍ ومعركة يستعر أوارها وعلى أشدِّ ما يكون. وتبرز كذلك تلك الخطب الحماسية التي يلقيها الملوك والقادة الأبطال أو حتى الآلهة المتجسدة لبث الروح المعنوية في المقاتلين أو تحفيزهم على القتال أو التراجع.  


- الخطاب المباشر للشخصية. يستخدم هوميروس كذلك خطاب مباشر يوجهه للشخصية وكأنها قُبالته ليحدثها كما في: 


أجبته أيها الفارس باتروكلوس وأنت تئن بمرارة… 

هكذا انقضضتَ يا باتروكلوس يا قائد الفرسان الليكيين… 


يُعطي هذا الخطاب شعور بحضور الشخصية الآني، وكذلك في كون الحدث يقع في الحاضر لا الماضي، وفي كون الحدث آني التشكيل والتكوين. 


- التعليق على الأحداث المروية. يعلّق هوميروس على ما بعض الأحداث وعلى تصرفات الشخصيات كأنه ينقل خبرًا ثم يعلق عليه بانفصال في جمل اعتراضية: 

يا له من أحمق! فهو لم يدرك أن هدايا السماء لا يمكن أن تُهزم بسهولة على يد أمجد الفانين، ولا يمكن أن تستسلم لهم. 


إنَّ هوميروس باستخدام هذه التقنية يُخرج نفسه من مقام الراوي والشاعر المؤلف ويُدخله في باب المحلل والناقد للحدث وكأنه حدث منفصل عنه ولا علاقة له به، فيلعب دور المؤلف وما فوق المؤلف. 

 




عن الترجمة


لم ينقل العرب الإلياذة قديمًا إلى العربية لأسباب يقول سليمان البستاني في تقديم تعريبه للإلياذة: وإن لذلك أسبابًا لو تبينَّاها زال العجب لإغفالها في ما سلف مع وضوح الحاجة الماسة إلى تعريبها في هذا العصر وإن مرجع تلك الأسباب إلى ثلاثة: الدين، وغلق فهم اليونانية على العرب، وعجز النقلة عن النظم الشعر العربي.   


وكان البستاني أول من نقل الإلياذة إلى العربية في تعريب شعري مكون في أكثر من عشرة آلاف بيت، ثم ترجمها كاملة عن اليونانية أمين سلامة في منتصف القرن الماضي، وترجمها أيضا دريني خشبة لكن ترجمته مُوجزة مختصرة وهي ليست ترجمة أو حتى ترجمة بتصرف بل هي تعريب فقدت فيها الإلياذة لغتها وأسلوبها وبنيويتها ولا يعد القارئ لها قارئًا للإلياذة أو واقفًا على أسلوب هوميروس بل مجرد وقوف على محتوى الإلياذة لا أكثر. (يتكرر الأمر مع الأوديسة). وتُرجمت الإلياذة كاملة من قبل ممدوح عدوان كذلك، وتُرجمت كاملة عن الأصل اليوناني لآخر مرة من قبل أحمد عتمان وآخرين معه وصدرت في عام 2004. ومما يلاحظ على هذه الترجمة الأخيرة الركاكة في الصياغة لكثير من الفقرات مع فقر المفردات المستخدمة فما من ثراء لغوي واضح وجليّ في الترجمة لكن هذا لا يعني بتاتًا التقليل من هذا الجهد المبذول في الترجمة الكاملة للإلياذة والسعي إلى إخراجها بأفضل شكل ممكن. 


  


مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...