الخميس، 17 ديسمبر 2020

ألف ليلة وليلة - الجزء الثالث.

 شهرزاد 


إنَّ شهرزاد ليست محض شخصية خيالية بارزة في تاريخ الخيال الأدبي فحسب بل هي ظاهرة أدبية تمثلت في الراوية العليمة التي بدلًا من كتابة قصصها؛ ألقتها بصوتها، راوٍ عليم متجسّد في داخل العمل، تقف وحيدة شامخة في مواجهة الموت عبر القصص، راوية تنبع منها القصص لألف ليلة وليلة، ودائما ما كان في جعبتها المزيد عن غرائب الدهر وعجائب الزمان وصنائع الإنسان. حملت على كاهلها وكاهل قصصها مهمة محفوفة بالخطر المُحدق من كل اتجاه في مواجهة ملك آثر الانتقام من نساء مملكته بعد اكتشاف خيانة زوجته له. شهرزاد رمزٌ للأنثى في مواجهة العنف الذكوري المتمثل في شهريار، لذا فإنها ليست قاصة بل وامرأة تُصارع في عالم يظلمها ولم تملك سلاحًا إلا لسانها وعقلها وما يحفظه من القصص، استطاعت عبره ترويض الرجل ليلة تلو ليلة، وقصة إثر قصة، مضت في طريقها بإقدام دون أن تأبه للموت. لكن السؤال حول شخصية شهرزاد وجرأتها لا بد أن يبدأ من نقطة الانطلاق لمَ غامرت شهرزاد بحياتها في الطلب من أبيها أن يزوجها من هذا الملك، ويبدو تبريرها في إما أن تعيش وإما أن تكون فداءً لبنات مملكتها جوابًا لتقنع فيه أبيها لتزويجها فهل أحبت شهرزادُ شهريارَ قبل أن تعرض على أبيها طلبها أن تتزوجه؟ وهل كان حبها لهذا الملك دافعها وإن كان كذلك لمَ لم تطلب من أبيها تزويجها قبل أن يكثر القتل على يد شهريار؟ أو تراها أرادت مغامرة تجرِّب فيها ما حفظته من أشعار وأخبار الملوك وقصص التاريخ؟ أو أنَّ الأمر كله قدر مكتوب لا يد لشهرزاد فيه؟ لكن هل يمكن لمثل من أُوتي علم شهرزاد وقصصها أن يترك حياته في مهب ريح القدر دون أن يكون قد خطط لما يريد قبل أن يشرع بالتنفيذ؟ 

إنَّ ذكاء شهرزاد ونجابتها في مواضيع قصصها وأسلوب قصِّها على شهريار يمنعاني أن أميل في الإجابة إلى ما أوردته من أسئلة من كون طلب شهرزاد كان خيارًا أخيرا أجبرتها الظروف عليه دون إراداتها. وما طلبها الزواج من شهريار إلا بدافع الحب والمغامرة. وأراني ميَّال لفكرة حب شهرزاد لشهريار قبل أن تتزوجه وحين أتت الفرصة المناسبة عرضت على أبيها الزواج منه لتتحقق لها الخطوة الأولى ثم بدأت بالمرحلة الثانية هي الخلاص من الموت والفوز بشهريار، فوز تطلَّب منها رحلة علاج قصصية تجاوزت ألف ليلة، لتحقق في نهاية المطاف مبتغاها. 

تمتعت شهرزاد بذكاء في السرد واختيار مواضيع قصصها وكانت تقيس دائما مدى استجابة شهريار لها ولقصصها ففي بدايتها كانت تستأذنه في أن تقص عليها ثم تتحول بعدها إلى القص بدون استئذانه بل تشوِّقه لقصة جديدة بعد أن تُنهي الأولى، واحتفظت بلباقتها طوال الرحلة، فكانت مثالا للشخصية المتزنة، والرابطة الجأش، والقوية، والجريئة، والفصيحة، والواعية بخفايا نفس مستمعها، لذا فدائما ما كانت مُرسلة لقصصها ومستلمة لتأثيرات هذه القصة في نفس ملكها الموتور والمتأزم نفسيًا، فبعد كل قصة ترفع الحجاب عن قصة جديدة وتُسدل الستار على أخرى سابقة، متأنية وماضية ببطء في هذا الطريق الذي يتخطَّفُ الموت سالكيه بسيف الملك المسلول. 

ولنا مع ذكائها السردي وخيالها القصصي وقفة. لقد دافعت شهرزاد عن نفسها من الموت عبر شخصياتها، ففي الوقت الذي كانت تأبى شخصياتها الموت كانت هي من تأبى الموت، وحين يحاولون بكل جهد الدفاع عن أنفسهم بالقصص في مواجهة العقاب النازل عليهم المستأصل لشأفتهم كانت هي من تدافع عن نفسها، كل صوت من أصوات شخصياتها كانت تبث فيه صوتها، شهرزاد امرأة بألف لسان وألف صوت، شهرزاد قصة تروي قصة، شهرزاد تتماهى في شخصياتها وتذوب فيهم وترفع سيفهم لتقارع به سيف شهريار لكن كل هذا يجري في التواري خلف جدار من الخيال ومآنسة الوعي ومخاطبة اللا وعي لشهريار، ففي الوقت الذي تقص عليه تراقص نفسه، وحين تسلِّيه تلاعب مشاعره، وحين تشوِّقه تُوقعه في حبائلها. إن انتصار شهرزاد هو انتصار امرأة على رجل، ونساء على رجال، وعقل على قوة، وذكاء على تهور، وعلاج على مرض. 

لا بد أن نحيّي شهرزاد على ما فعلته خلال لياليها الألف وليلة، فمن يملك هذا الصبر المنقطع النظير ليلة بعد ليلة في قص دؤوب قادر على تحقيق مساعيه، فهي مثال للإنسان المجِّد والمثابر، والمقاتل لأجل حياته ومصيره، وهي نتيجة لما تعلمته، وثمرة من ثمرات ما قرأته، فلو كانت شهرزاد مجرد ابنة وزير مدللة لا تعرف من القصص والأخبار شيئًا ولم تطّلع على شيء هل كانت ستواجه هذا الملك بلسان عقلها وعقل لسانها، بالتأكيد لن تفعلها، وستكون رقمًا مقتولًا فحسب. فهي مثال للصبر والعلم، والجدِّ والاجتهاد، ولا عجب أن تخلد في الأدب ويكون لها ما لم يكن لغيرها، ويكون تأثيرها بارزًا في عقول من عرفوها وقرأوها في الأدب والفن، ومكانتها محفوظة ضمن الشخصيات الخيالية الأكثر تأثيرها في الأدب الإنساني. علمتنا شهرزاد معنى أن تخلد، وتكون لك اليد العليا بالعلم والمعرفة، فهي مُعلِّمة، وهل نبالغ لو كلنا لها المدح وأثنينا عليها! لا مبالغة في حضرة شخصية عظيمة مثل شهرزاد. 

جُمع في شهرزاد الكثير من السمات والصفات والرموز ومثَّلت طيفًا كبيرًا من المواضيع فهي عالمٌ كامل تجسَّد في امرأة. ويبقى سؤال ما أكثر ما تميَّزت به شهرزاد، ربما يكون الجواب في الغالب هو أنها قاصة تحفظ عشرات القصص، لكني أرى أن أهم ما تميَّزت به شهرزاد -تمنحنا هنا مثالا في كيفية استخدام الأدب والخيال والقصص في دعم قضايانا- هو كيفية تطويعها القصص لتخدم قضيتها الأولى في النجاة، فلا يهم كم تحفظ شهرزاد من القصص بل كيف تقصها وأيُّ قصة تختار قبل الأخرى وكيف يكون الانتقال من قصة إلى الأخرى والأهم موضوع القصص واستثماره ليؤتي ثماره المرجوة. لذا مما أثار شكوكي في القصة السادسة والثمانين، ليالي 963-978، أنَّ موضوع القصة كان خيانة النساء، فهل حكمة شهرزاد يجعلها تُذكِّر شهريار بخيانة الزوجات وهي التي سعت جاهدة أن تنسيه طوال مئات الليالي السابقة، والأمر إما أن يكون هفوة من شهرزاد وأربأ بها عن مثل هذا الخطأ الساذح، وإما ثمة خطأ في موقع القصة من الليالي أو أنها مضافة إلى القصص. 

لقد كانت شهرزاد واعية ومدركة لأهمية القصص ومواضيعها في خدمة ما أرادته وسعت لأجله، فمعلمتنا الكبرى علَّمتنا كيف نقص ولماذا نقص ولأجل ماذا نقص.

   

شهريار 


الطرف الآخر من الصراع كان شهريار الملك المفجوع في زوجته الخائنة وسط العبيد والجواري، وسافر مع أخيه -المفجوع أيضا من خيانة زوجته- سائحين في الأرض حتى التقيا بامرأة خطفها عفريت وحبسها وفي كل مرة ينام العفريت ويحررها تخونه مع رجل آخر وتأخذ خاتمه تذكارًا منه وانتقامًا من العفريت بمضاجعتها الرجال، فلما رأيا حال العفريت هانت عليهما مصيبتهما وأقفلا راجعين إلى مملكتيهما، لكنها عودة حملت شهريار الجديد المنتقم من عذارى مملكته اللاتي يتزوجهن ثم يقتلهن في صباح اليوم الثاني، حتى خُشيَ أن تهلك جميع عذارى مملكته. تبرز هنا قضية القتل في الرد على الخيانة الزوجية لكنه ردٌّ تجاوز الحدود وأُخذت البرئية بجريرة غيرها حتى وصل إلى شهرزاد التي كان لها معه ليالٍ وليالٍ استطاعت أن تنقذ نفسها وإياه والمتبقي من عذارى ممكلته. صُدمَ شهريار بزوجته صدمة يبدو أنها أكبر من قدرته على التحمل والاستيعاب فقرر الانتقام لمجرد الانتقام من المرأة وأيّ مرأة، لكنه لم يرد انتقاما عاديًا، لذا فقد كان يتزوج ويقتل في اليوم الثاني، ومع كل امرأة يقتلها يحاول أن يرمم جزءًا من كرامة الملك المجروحة، يحاول أن يعوض بقتل كل امرأة عدد المرات التي خانته فيها زوجته، ومع كل جريمة قتل جديدة يزداد الشرخ ولا يرأب الصدع. لكن هل أراق شهريار كأس عقله كاملًا أو بقي في الكأس ثمالة عقل بعد كل ما اقترفته حين تحول إلى وحش سفَّاح؟ وهل يمكن أن نتعاطف معه بأي شكل من الأشكال؟ وهل تعاطفت شهرزاد معه وسامحته على جرائمه السابقة مع النساء؟

لم يهرق شهريار كأس عقله كله وإلا لما استطاعت أن تخاطب شهرزاد ما تبقى من عقله، وهو أيضًا ليس بالمتجبر والمتكبر في آخر المطاف إذ تمكنت شهرزاد بالمداومة والاستمرارية أن تفتح منافذَ إلى قلبه والتجول في نفسه مرممةً ما استطاعت ترميمه من صورة النساء الممزقة بعد خيانة زوجته له، والتشوُّهات التي خلفتها الخيانة في ذاته، وتعزز فيه كرامته التي ديست بأقدام زوجته الخائنة. ما كان لشهرزاد أن تصل إلى ما وصلت إليه لو تمكنت شهوة سفك الدم من شهريار فكانت خشبة أخيرة تمكن شهريار من التشبث بها بعد غرق سفينته في بحر النساء المظلم وتمكَّن من الوصول إلى بر نساء الأمان بفضل امرأة أخرى. شهريار مثال للرجل الأضحوكة الذي تتلاعب به النساء، فهو مهما كان جبارًا وطاغية سفاحًا لكنه يمرض على يد النساء ويشفى على أيديهن أيضًا، كائن مفرَّغ ليس فيه ما يُحسد عليه.   

هل يمكن أن نتعاطف مع شهريار بعد كل ما ارتكبه من جرائم بحق من تزوجهن؟ 

قد يكون الخيار الوحيد للمتعاطف معه هو بوصفه مريضا نفسيا يحتاج إلى العلاج وهذا ما فعلته شهرزاد معه لكن هذا في الأخير عُذر أو مرض قد يُصيب كل مجرم أو سفَّاح قبل أن يتحول إلى ما سيصبح عليه. إنَّ التعاطف مع شهريار تعاطف مع الجريمة وازدراء النساء، ولا يمكن تفهُّمه تحت كل الأعذار والحجج التي قد يُجادل بها. لقد كان شهريار رمزًا للجريمة الاجتماعية المنظَّمة تجاه المرأة، وهو الآخر يمثل قوى الشر التي تصارعت ضدها شهرزاد طوال لياليها الألف وليلة. لكن ما الموقف مع شهرزاد في كل هذا شهرزاد التي وجدت نفسها تدافع عن نساء مملكتها لكنه دفاع ناقص لأنها في الأخير تواطأت مع شهريار، لأن شهريار لم يُعاقب على ما ارتكبه من جرائم وهي اكتفت في النهاية بما سعت إليه، وقد تكون مساعيها شخصية وليست لأجل النساء بل لأجل أن تكون زوجة ملك قد تكون أحبَّته وغامرت بحياتها لأجله. 

الموقف الأخلاقي من شهرزاد يتعقَّد كثيرًا حين يرتبط بشهريار فهل غلب خير شهرزاد شرَّها، وماذا نفعل مع جرائم شهريار الذي تزوجته ورضيت به بعلًا، لقد رضيت برجل سفَّاح قتل الكثير من النساء قبلها. إنَّها إشكالية يثيرها النص وتبقى دائرة الجواب التي نتحرك فيها قليلة الخيارات والاحتمالات، فهل تُكافأ شهرزاد على إنقاذ النساء أو أن يُؤخذ منها موقف في قبول زواج هذا الملك والرضا به والسعي من أجل تخليصه مما أصابه من المرض. ويلعب مقام شهريار في كونه ملكًا حجرة عثرة في محاكمة شهريار وشهرزاد أخلاقيًا فمن سيحاسبه. بالتأكيد ليس بإمكان شهرزاد أن تحاسبه وليس بمقدورها سوى الانتقام منه لكنها لم تفعل ذلك. اشتركت شهرزاد بجريرة السكوت على ماضي شهريار. ففي الوقت الذي تكلمت شهرزاد وأنقذت المستقبل بصوتها ولسانها فقد أبقت جزءًا من القصة مطمورًا وخرست في حضرة الماضي تغافلًا وتناسيًا كأنه لم يُوجد، وهي هنا تعزز فكرة أنَّ كف يد الظالم عن ظلمه كافٍ ومُرضٍ للرعية في الوقت الذي كف يد الظالم عن ظلمه ينبغي أن يكون بقطع يده لا مسح الدم منها، وهذا ما فعلته شهرزاد لقد مسحت الدم من يد شهريار بقصصها. 

  

شخصيات شهرزاد 


كانت شخصيات قصص شهرزاد أبناءها الأبرار، فمن خلالهم استطاعت الوصول إلى أهدافها، فكانوا لسانها الناطق ويدها الضاربة وصوتها الذي خاطب شهريار بكل ثقة في مختلف القصص على مرِّ الليالي الألف. تنوعت شخصيات القصص النسائية والرجالية من الملك إلى العبد ومن القائد إلى الجندي ومن الشريف إلى النذل ومن الصادق إلى الكاذب ومن الشجاع إلى الرعديد ومن الكريم إلى البخيل ومن المخلص إلى الخائن ومن الغني إلى الفقير، إلخ، وطائفة متنوعة من السنِّ ما بين شاب وفتى وطفل وشيخ وعجوز وصبية، وبمهن ومقامات اجتماعية مختلفة ضمن التاجر والبحّار والبائع واللص والجارية والعبد والأمير والوزير والعاهرة والقوَّاد والجندي والعالم، إضافة إلى المخلوقات الأخرى من جن وشياطين وحيوانات وعمالقة في البر والبحر والسماء. هذا التنوع هو كون بذاته وحياة كاملة قائمة على أسسها في كل زمان ومكان قصصُ الليالي، حيث عاشت الشخصيات وصارعت وماتت أو نجت وانتهى بها الحال في عز ونعيم أو ذل عقيم. ومن خلال هذه الطائفة الكبيرة من الشخصيات التي خلقتهم شهرزاد في قصصها التي ألقتها على مسامع شهريار كان لكل من هم دوره الذي حققه على أتم وجه لكل مرحلة من مراحل تقدم شهرزاد إلى النهاية المرجوة والهدف المطلوب. 

مازجت شهرزاد ما بين الشخصيات الأنثوية والذكورية على حد سواء، فدائما ما كان المعادل لشهرزاد وشهريار حاضرًا في قصصها، فكانت شخصياتها امتدادًا لها ولواقعها، فكل شخصية تنبع من شهرزاد وتصب في شهريار في تدفق مستمر للقصص بمواضيعها وأحداثها الكثيرة. وعلى من هذا فإن للشخصيات كيانها الخاص وصوتها ومشاعرها وحياتها فهي وإن كانت تنبع من شهرزاد وتمضي بطريقة أو بأخرى وفقًا لمرادها في صراعها من أجل النجاة فلم تتلاشى شخصياتها أو تذوب فيها تمامًا، فثمة شيء بقي يميز كل شخصية، وقصة كل شخصية تمثل في ذهن القارئ كالزيَّان كثير الكلام، وهارون الرشيد الذي كان يتنكر ليخرج متجولًا في أزقة بغداد مع وزيره جعفر البرمكي، والسندباد البحري ومغامراته المتكررة في البحار الذي ما فتئ يناديه وما ملَّ السندباد من الاستجابة له، أو عشق أردشير وتاج الملوك لحياة النفوس والأميرة دنيا، أو الهزل الذي بدا مع شخصية خليفة الصياد، أو العلاقة المتهتكة ما بين مسرور وزين المواصف أو قمر الزمان وزوجة الجوهري، إلخ من الشخصيات التي تنوعت ما بين حقيقية وخيالية. فشهرزاد مازجت ما بين الحقيقة والخيال والممكن والمحال في شخصياتها فازدادت شهرة بعض شخصياتها الحقيقة كهارون الرشيد الذي عرفته أوروبا أكثر بعد ترجمات قصص ألف ليلة وليلة إلى اللغات الأوروبية، أو شخصية السندباد البحري الذي أصبح شخصية عالمية لها مثيلاتها وتأثيراتها كما في شخصيتي غوليفر لجوناثان سويفت وروبنسون كروزو لدانييل ديفو.

لقد صارعت الشخصيات كما صارعت أمهم في هذه الحياة، فلا يمكن الوقوف على كامل حقيقتهم دون أن نعرف قصة شهرزاد، ولا يمكن أن نعرف شخصية شهرزاد وما أرادته دون أن نقرأ حيوات شخصياتها وقصصهم، لقد امتزجا مع بعض وبقوا منفصلين في الوقت نفسه، فما كان يجمعهم وجهات متشابهة رغم اختلاف محطات النزول، وما فرَّقهم ظاهريًا وحَّدهم جوهريًا، فالكل كان يسعى في هذه الحياة من أجل تحقيق الذات والأهداف، ونيل المكاسب. فحين تشرع شهرزاد قائلة وقد بلغني أيها الملك السعيد فاعلم أن ثمة مولود لها على وشك أن يأخذ دوره في قصة الحياة والكتاب، لقد كانت هذه الجمل القصيرة التي تنطقها شهرزاد قبل بداية القصة أو نهايتها أو بطلوع الصبح كفان يجتمعان ليخلقا الشخصيات ثم يقذفانها إلى مسامع شهريار لينغرسنَّ في روحه.   







الأوديسة وألف ليلة وليلة


لم ينقل العرب قديما قصيدتي هوميروس الإلياذة والأوديسة، وما عرفوه عن الشاعر قليل جدا، ولم تنقل ملحمة الشاعر الأولى "الإلياذة" إلى العربية حتى القرن التاسع عشر بتعريب سليمان البستاني الذي يقول في تقديمه للإلياذة وسبب عدم نقل العرب لها: 

"وإن لذلك أسبابًا لو تبينَّاها زال العجب لإغفالها في ما سلف مع وضوح الحاجة الماسة إلى تعريبها في هذا العصر وإن مرجع تلك الأسباب إلى ثلاثة: الدين، وغلق فهم اليونانية على العرب، وعجز النقلة عن النظم الشعر العربي".   

أما الأوديسة فهي لم تترجم إلى العربية إلا في القرن العشرين بترجمة أمين سلامة، لكن ما يثير الشك حول معرفة العرب بالأوديسة قديما هو ما تكشفه بعض قصص ألف ليلة وليلة، وهي معرفة ليست سطحية أو عابرة لكنها معرفة متعمقة تصل إلى دراسة الأوديسة على نحو ينفي عدم معرفة من كتب هذه القصة بالأوديسة ورحلة عودة أوديسيوس إلى إيثاكا وتيهانه في البحر وجزره  وما واجهه في رحلته من مخاطر وغرائب المخلوقات، وكذلك معرفة لجغرافية جزيرة سيرسي وقصرها/ بيتها الذي يتوسط الجزيرة. 

يبقى السؤال كيف عرف كاتب هذه القصص في ألف ليلة وليلة الأوديسة وكيف وصلت إليه وهل وصلت إليه نصًا مكتوبًا أو شفاهيًا، وما يهم كذلك هو تأثير الأوديسة في قصص ألف ليلة وليلة. هذا التأثير أو التشابه الذي امتدَّ شاملًا آدابًا عالمية مختلفة ابتداءً من محلمة الرامايانا الهندية الإنيادة ما بين القرن السابع والخامس قبل الميلاد إلى ملحمة الإنيادة لفرجيل في القرن الأول قبل الميلاد إلى ملحمة الجرمانية Nibelungenlied في القرن الثالث عشر، إلى أوديسيوس الياباني Yuriwaka الذي اكتشفت مخطوطته من قبل الحملات التبشيرية في إحدى جزر اليابان في القرن السادس عشر، ومع ألف ليلة وليلة يتضح لي أن تأثير الأوديسة وقد وصل إلى الأدب العربي متمثلا في قصص حاسب كريم الدين والسندباد البحري وجلناز بدر باسم. 

سأعرض في السطور التالية التشابه ما بين نصيّ الأوديسة وألف ليلة وليلة، وبما أنَّ قصص ألف ليلة وليلة الثلاث منفصلة سأضعها بالتتابع مع الفقرات التي توازيها من الأوديسة مع الإشارة إلى قصة كل نص: 

(قصة حاسب كريم الدين) 


بعد أن يلتقي حاسب كريم الدين بملكة الحيات؛ تبدأ بعدها الأخيرة تحكي له قصة الملك بلوقيا وهو ابن ملك من بني اسرائيل في مصر لقي بعد وفاة والده وتنصيبه سلطانا كتابًا كان أبوه يحتفظ به يحوي صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) فتخلى عن الملك وساح هائما في الأرض بحثًا عن النبي فخرج في مركب وبدأت رحلاته في جزر البحر. وبعد تيهانه في البحر وصل بلوقيا إلى جزيرة للملك صخر، وبعد أن التقى بلوقيا بالملك صخر الذي أكرم وفادته وطلب منه أن يحكي له حكايته، ويخبره ما جرى له وكيف أتى إلى هذه الأرض، فحكا له بلوقيا جميع ما جرى له في سياحته.

ثم سأل بلوقيا الملك صخر أن يطلب من أعوانه أن يوصوله إلى بلاده، لكن الملك قال بأنهم لا يستيطعون فعل ذلك إلا بأمر من الله تعالى، لكنه أعطاه فرسًا خارقًا فركبه حتى وصل إلى الملك براخيا. 


(أوديسيوس والملك ألكينوس) 


بعد أن يقفل أوديسيوس ملك إيثاكا راجعا إلى بلاده إيثاكا إثر انتهاء حرب طروادة، يتيه  

في البحر مع رفاقه ويمر بعدة جزر في رحلة استمرت عشرة سنوات يصل في الأخير إلى محطته قبل الأخيرة -بعد أن تحرر من جزيرة كاليبسو- إلى جزيرة الفياكيين والتقائه بالملك ألكينوس، الذي طلب من أوديسيوس بعد أن رأه متأثرا في الحفل الذي أقامه على شرفه، أن يحكي لهم قصته وما جرى له في رحلاته كما في الأنشودة التاسعة. 

حكى لهم أوديسيوس قصته ورفض طلب الملك ألكينوس بالبقاء في جزيرة الفياكيين وطلب منه مساعدته للعودة إلى بلاده فأرسله ألكينوس في سفينة مع خيرة بحارة الفياكيين كما في الأنشودة الثالثة عشرة، وكان بوسيدون إله البحر كان قد منع الفياكيين من إنجاد التائهين والهاربين في البحر، وكان إنقاذ الفياكيين لأوديسيوس عصيان لأوامر بوسيدون الذي أغرق السفينة التي أوصلت أوديسيوس إلى جزيرة إيثاكا ووضع جبلًا قبالة سواحل جزيرة الفياكيين لتتحقق نبوءة والد ألكينوس بعقاب بوسيدون لهم. 


1- التشابه الأول ما بين القصتين هو التهيان في البحر ما بين الملك بلوقيا وأوديسيوس مع اختلاف الأسباب، لكن بلوقيا يقرر العودة إلى بلاده وتبدأ رحلته، رحلة العودة، وهي الجزء الآخر من التشابه في موضوع التيهان في البحر في طريق العودة إلى الوطن. 


2- التشابه الثاني ما بين القصتين هو طلب الملك صخر من بلوقيا أن يحكي له قصته، وبعد أن يحكي له قصته يطلب من الملك صخر مساعدته. وهو ما حدث كذلك مع أوديسيوس وحكيه لما جرى له في البحر في رحلة العودة للملك ألكينوس بعد أن رأى الأخير أوديسيوس متأثرًا ويبكي أثناء الحفل الذي أقيم على شرفه، وطلب أوديسيوس من ألكينوس أن يساعده في العودة إلى بلاده.


3- التشابه الثالث ما بين القصتين هو كيفية مساعدة صخر لبلوقيا ومساعدة ألكنيوس لأوديسيوس. كشف الملك صخر لبلوقيا أنهم لا يمكن أن يساعدوا أحدًا إلا بإذن الله لكن بإمكانه أن يعطيه حصانا خارقًا يوصله إلى الملك براخيا، وهنا يبرز الفرق بين القصتين أن مساعدة الملك ألكينوس لأوديسيوس كان مخالفة لأمر الإله بوسيدون الذي منع على الفياكيين مساعدة الغرباء والهاربين، وكانت مساعدتهم لأوديسيوس موجبة للعقاب الذي نزل بهم كما تكشفه الأنشودة الثالثة عشرة في الأوديسة. وتبرز هنا المعادلة بين الإله بوسيدون والله عز وجل في القصتين. ثم وصل الاثنان في نهاية الرحلة إلى وطنيهما.


(قصة جانشاه وبلوقيا)


أما الجزء الثاني فهو إتمام لقصة بلوقيا ولقائه مع الأمير جانشاه الذي خرج مع والده وجيش وممالك في الصيد، ولما لحقوا غزالة نزلت إلى البحر وركبوا في مركب ونزلوا إلى البحر وطاردوها لتبدأ رحلة تيهانهم في البحر بين الجزر فوصلوا إلى جزيرة فيها أناس يأكلون لحم البشر فهرب منهم إلى جزيرة أخرى، فلما وصلوا إليها قال جانشاه لمن تبقّى من مماليكه أنا أبقى عند المركب وأنتم تطلعون لتكشفوا خبر الجزيرة: "فقال جانشاه هذا أمر لا يكون، وإنما تطلعون أنتم الثلاثة وتكشفون لنا عن خبر هذه الجزيرة وأنا قاعد لكم في المركب حتى ترجعوا". 


فذهب المماليك بعدها: "ثم مشوا فيها إلى وسطها فرأوا على بعد قلعة من الرخام الأبيض وبيوتها من البلور الصافي، وفي وسط تلك القلعة بستان فيه من جميع الفواكه اليابسة والرطبة ما يكل عن الوصف، وفيه جميع المشموم". 

ثم تبيَّن لهم لاحقًا أنَّ هذه الجزيرة والقلعة هي للقرود. 


(أوديسيوس وجزيرة سيرسي "الأنشودة العاشرة" ترجمة أمين سلامة): 


"ووصلنا إلى جزيرة أيايا، حيث كانت تعيش سيرسي ذات الجدائل الفاتنة، وهي ربة مفزعة، تتكلم كلام البشر…

ووقفت هناك أرى من بعد وأستشرف ما حول، فرأيت دخانا يتصاعد من الأرض الفسيحة الطرقات، في ساحات سيرسي، خلال الأدغال الكثيفة والغابة، وأخذت أعمل تفكيري، هل أذهب وأبحث، بعد أن رأيت الدخان المتأجج وبينما أنا في حيرة من أمري طرأ على بالي رأي، بدا لي أفضل الآراء، أن أعود أولا إلى السفينة على شاطئ البحر، وأعطي رفاقي طعامهم، ثم أرسلهم إلى هناك ليقوموا هم بالبحث…"


(موقع قصر سيرسي): 

"... فقد صعدت إلى مكان مرتفع للاستطلاع، فرأيت الجزيرة أشبه بتاج يحيط بها الخضم اللا نهائي، وتقع الجزيرة نفسها منخفضة، وأبصرت عيناي في وسطها الدخانَ يتصاعد وسط الغابة والأعشاب الكثيفة".



4- التشابه الرابع ما بين القصتين هو ما فعل جانشاه حين وصل إلى جزيرة القرود ومكوثه عند المركب وأرسل ممالكيه ليكتشفوا خبر الجزيرة، وما فعله أوديسيوس حين قرر البقاء عند سفينته وإرسال رفاقه ليكتشفوا ما يوجد عند الدخان المتصاعد في الجزيرة. 


5- التشابه الخامس هو أنَّ موقع قصر القرود في وسط الجزيرة وموقع بيت سيرسي في وسط الجزيرة. وهذا التشابه لو جاء منعزلا عن التشابه السابق لرجح لدينا كذلك احتمال المصادفة والتناص وتوارد الأفكار نفسها، لكن ما يعضد الرأي بأن هذا التشابه هو اقتفاء للأوديسة هو ما قام به جانشاه وأوديسيوس بمكوثهما عند مركبيهما وأرسال رفاقهما إلى الجزيرة.


 

(قصة جلناز وبدر باسم): 


أما الجزء الثالث في قصة جلناز وبدر باسم، يتيه بدر باسم -بعد هربه من معركة جرت داخل البحر بين خاله صالح ضد الملك السمندل بعد أن ذهب إليه خاله وأقاربه ليخطبوا ابنة السمندل لبدر باسم- في البحر ويصل إلى جزيرة الملكة لاب التي تسحر الرجال إلى حمير وبغال وخيل: 

"فقال له الشيخ (في جزيرة الملكة لاب) يا ولدي، اعلم أن هذه المدينة مدينة السحرة وبها ملكة ساحرة كأنها شيطانة وهي كاهنة سحارة مكارة غدارة، والتي تنظرها من الخيل والبغال والحمير هؤلاء كلهم مثلك ومثلي من بني آدم لكنهم غرباء، لأن كل من يدخل إلى هذه المدينة وهو شاب مثلك تأخذه هذه الكافرة الساحرة وتقعد معه أربعين يومًا وبعد الأربعين يومًا تسحره فيصير بغلا أو فرسا أو حمارا من هذه الحيوانات التي نظرتها على جانب البحر".  

وبعد أن يلتقي بدر باسم بالملكة لاب، وتمكث معه أياما تواقعه فيكشف أمرها مع من تسحرهم فتخطط لمسخه فيُعلم الشيخ بخبرها فيساعده على إبطال تعويذة مسخها له: 

"فلما سمع الشيخ كلامه ضحك وقال: والله إن هذه الكافرة الساحرة قد مكرت بك، ولكن لا تبال بها أبدًا. ثم أخرج له قدر رطل سويقًا وقال له: خذ هذا معك واعلم أنها إذا رأته تقول لك: ما هذا؟ وما تعمل به؟ فقل لها: زيادة الخير خير وكل منه، فإذا أخرجت سويقها وقالت لك: كل من هذا السويق. فأرها أنك تأكل منه وكل من هذا وإياك أن تأكل من سويقها… فإن أكلت منه ولو حبة واحدة فإن سحرها يتمكن منك فتسحرك… وإذا لم تأكل منه فإن سحرها يبطل ولا يضرك منه شيء فتخجل هي غاية الخجل… فأظهر لها أنت المحبة وقل لها يا سيدتي ونور عيني، كلي من هذا السويق وانظري لذاته..." 

ثم يعلمه الشيخ كيف يسحرها بعد أن تأكل من سويق بدر باسم، فيمسخها بدر باسم إلى حمار ويمتطيها ويخرج بها من الجزيرة. 


(رجال أوديسيوس ومسخهم وما حدث لهم قبل وصولهم إلى سيرسي. ترجمة أمين سلامة): 


"فعثروا على منزل سيرسي، وسط وديان الغابة، مصنوعا من الصخر المصقول، في مكان فسيح مكشوف، وحول البيت كثير من الذئاب الجبلية والأسود، وكانت سيرسي نفسها قد مسختها، بأن أعطت الرجال عقاقير ضارة. غير أن تلك الحيوانات لم تهاجم رجالي، ولكنها زمجرت مكشرة، وهي تهز ذيولها الطويلة… 

أدخلتهم سيرسي وأجلستهم فوق مقاعد وأرائك، وأعدت لهم جرعة من الجبن ودقيق الشعير والعسل الذهبي والنبيذ البيرامني، لكنها مزجت الطعام بعقاقير ضارة، كي ينسوا وطنهم النسيان كله. فلما قدمت لهم الجرعة وشربوها، أسرعت فضربتهم بصولجانها، وحبستهم في حظائر الخنازير، وكان لهم رؤوس وصوت، وشعر وهيئة الخنازير البرية، أما عقولهم فقد ظلَّت كما كانت من قبل دون أن يطرأ عليها أي تغيُّر". 


(هيرمس يساعد أوديسيوس قبل وصوله إلى سيرسي لنجدة رفاقه): 


"... يؤسفني أن رفاقك محبوسون في الحظائر المتقاربة القضبان في هيئة خنازير… لكن تعال فإني سأنقذك من الأذى وأنجيك. دونك هذا العشب القوي، وانطلق إلى بيت سيرسي، فإنه سوف يجنب رأسك اليوم المشؤوم، هيا استمع إلي، فسأخبرك بجميع حيل سيرسي المؤذية. إنها ستخلط لك شرابا وتضع في الطعام عقاقير، ولكنها بالرغم من ذلك لن تستطع أن تسحرك لأن العشب القوي الذي سأعطيكه لن يتأثر بتلك العقاقير… فعندما تضربك سيرسي بصولجانها الطويل؛ استل سيفك الحاد من جانب فخذك، واهجم عليها كما لو كنت ستقلتها عندئذ سيتملكها الخوف منك، وتأمرك بالرقاد معها".


وهكذا ينقذ أوديسيوس نفسه من سيرسي ويرقد معها، وينقذ أصدقائه وينطلق إلى هاديس بعدها بمساعدة سيرسي.   


 6- التشابه السادس هو أنَّ الملكة لاب معادلة للإلهة سيرسي، فالاثنتان ساحرتان، وتعيشان في جزيرة، وتمسخان الرجال إلى حيوانات (مع اختلاف نوع الحيوانات في القصتين). 

7- التشابه السابع هو أنَّ لاب وسيرسي تحاولان مسخ بدر باسم وأوديسيوس لكهنما يفشلان وينقلب السحر على الساحر في قصة لاب، وتصبح سيرسي تحت طاعة أوديسيوس. 


8- التشابه الثامن هو كيف غلب بدر باسم وأوديسيوس الساحرتين، وكان عنصر المساعدة موجودًا، فالأول يساعده الشيخ والثاني يساعد هرمس (رسول الآلهة)، ويعطي الشيخ لبدر باسم سويقا ليأكل منه ويبطل سحر لاب، ويعطي هرمس عشبا لأوديسيوس ليأكله ويبطل سحر سيرسي.  

ولا يمكن بحال من الأحوال أن تجتمع هذه التشابهات دون أن يكون ثمة مصدر نص للأوديسة قد اطلَّع عليه كاتب هذه القصص. 


(قصة السندباد البحري) 

أما الجزء الرابع فيتمثل في السفرة الثالثة من قصة السندباد البحري.


وصول السندباد إلى جزيرة العملاق الأسود: 


"إذ لاح لنا بيت عامر في وسط تلك الجزيرة فقصدناه ومشينا إليه… فدخلنا باب ذلك القصر فوجدنا له حضيرا واسعا مثل الحوش الواسع الكبير، وفي دائره أبوابه كثيرة عالية في صدره ومصطبة عالية كبيرة وفيها أواني طبيخ معلَّقة على الكوانين وحواليها عظام كثيرة لم نرَ فيها أحدا... ثم بعد ذلك نمنا ولم نزل نائمين من ضحوة النهار إلى غروب الشمس، وإذا بالأرض قد ارتجت من تحتنا وسمعنا دويّا من الجو وقد نزل علينا من أعلى القصر شخص عظيم الخلقة في صفة إنسان، وهو أسود اللون طويل القائمة كأنه نخلة عظيمة، وله عينان كأنهما شعلتان من نار، وله أنياب مثل الخنازير، وله فم عظيم الخلقة مثل فم البئر، وله مشافر مثل الجمل مرخية على صدره...  ثم إنه قبض على يدي من بين أصحابي التجار ورفعني بيده عن الأرض وجسَّني مثل ما يجس الجزَّار ذبيحة الغنم، فوجدني ضعيفًا من كثرة القهر، هزيلا من كثرة التعب والسفر، وليس فيَّ شيء من اللحم. فأطلقني من يده… ولم يزل يجسنا ويقلبنا واحدًا بعد واحد إلى أن وصل إلى ريس المركب التي كنا فيها وكان رجلا سمينا… وقبض عليه مثل ما يقبض الجزار على ذبيحته ورماه على الأرض ووضع رجله على رقبته فقصف رقبته وجاء بسيخ طويل فأدخله في حلقه حتى أخرجه من دبره وأوقد نارًا شديدة وركب عليها ذلك السيخ…. حتى استوى لحمه… وصار يقطع لحمه بأظافره ويأكل منه". 

 

واستمر هذا العملاق على هذه الحال حتى قرر السندباد ورفاقه المتبقون أن يهاجموه أثناء نومه: 


"فنهضنا وقمنا وأخذنا سيخين من حديد من الأسياخ المنصوبة ووضعناها على النار القوية حتى احمرَّا احمرارًا وصارا مثل الجمر، وقبضنا عليهما قبضًا بقوتنا وعزمنا فأدخلناهما في عينيه وهو نائم فانطمستا، وصاح صيحة عظيمة فارتعبت قلوبنا. ثم قام من فوق المصطبة بعزمه وصار يفتش علينا ونحن نهرب منه يمينا وشمالا ولم ينظرنا وقد عمي بصره… فعند ذلك قصد الباب وهو يحسس وخرج منه وهو يصيح، ونحن في غاية الرعب منه، وإذا بالأرض ترتج من تحتنا من شدة صوته… ثم رجع ومعه أنثى أكبر منه وأوحش خلقة". 


ثم يتمكن بعدها السندباد ورفاقه من الوصول إلى سفينتهم ونزلوا بها إلى البحر وهاجمهم العملاقان: 


"ومع كل واحد منهم صخرة عظيمة وصاروا يرجموننا بها إلى أن مات أكثرنا من الرجم وبقي ثلاثة أشخاص أنا واثنان…"


أوديسيوس وكهف العملاق بوليفيموس (ترجمة أمين سلامة):


"سرعان ما بلغنا الكهف، فلم نجد العملاق بداخله، إذ كان يرعى قطعانه السمينة في الحقول. ثم دخلنا الكهف وطفنا نتعجب من كل شيء وقع عليه بصرنا هناك، كانت السلال مملوءة بالجبن، والحظائر تعج بالحملان والجداء… وكانت الجرار الحديثة الصنع مملوءة بالشرش، وكذلك الدلاء والطسوت التي يُحلب فيها اللبن… ثم جلسنا ننتظر العملاق داخل الكهف، حتى عاد يسوق أغنامه. وكان يحمل مقدارًا ضخمًا من الخشب الجاف، ليستخدمه في إعداد عشائه، وقذف به من فوق ظهره إلى داخل الكهف، محدثًا صوتا مدويا فاستبدَّ بنا الفزع، وانكمشنا في إحدى زوايا الكهف…" 

ثم بدأ بعدها حديث ما بين العملاق وأوديسيوس: 


"قلتُ هذا، ولكنه لم يجب من قسوة قلبه، وإنما وثب وانقضَّ على رفاقي وأمسك باثنين منهم، وقذف بهما إلى الأرض كالدمى فتدفق المخ خارج رأسيهما على الأرض فبللها، ثم قطعهما جزءًا جزءًا وأعد منهما عشاءه، وهكذا التهمهما كما لو كان أسدًا يسكن الجبال غير تارك منهما شيئًا". 


واستمر بوليفيموس على هذه الحال حتى قرر أوديسيوس القضاء عليه:

 

"والآن خطرت لي فكرة، بدت لي أفضل مما عداها. كان بجانب إحدى حظائر الخراف، هراوة ضخمة لذلك السيكلوب، عصا غليظة من خشب الزيتون الأخضر، وكان قد قطعها وحملها معه لتجف هناك… فأمسكتها وقطعت منها جزءًا على طول قامة وأعطيته لزملائي… ثم حملته بسرعة وجعلته صلبًا في النار المستعرة…"


ثم أثمل أوديسيوس العملاق بوليفيموس بخمر قدمه إليه فهوى نائما: 


"عندئذ وضعت الوتد تحت الرماد العميق، حتى حمى الوتد وغدا شديد السخونة، وشجعت جميع رفاقي بألفاظ مفرحة حتى لا يرتجف أحدهم ذعرا وهلعًا. وما كاد وتد خشب الزيتون يشتعل لأنه أخضر، وبدأ يتوهج بعنف، حتى اقتربت وأخرجته من النار، ووقف زملائي إلى جانبي، وبثَّ فينا أحد الأرباب شجاعة بالغة. لقد أمسكوا بوتد الزيتون المدبب الطرف، ودفعوه في عينه، وبينما ارتميت أنا بثقلي عند طرفه، وأخذت أديره، وكما يثقب المرء السفينة بالمثقاب… هكذا أمسكنا بالوتد الناري الطرف، وأدرناه في عينه، وتدفق الدم حول القضيب المحمَّى… فأخذ العملاق يطلق الصراخ عاليا مدويا بفظاعة، وطن الصخر من كل جانب وإذ استولى علينا الفزع والذعر انكمشنا في ناحية… وصار يلوح بذراعيه بوحشية. وبعد ذلك أخذ ينادي السيكلوبيين القاطنين حوله في الكهوف وسط المرتفعات الشديدة الرياح، فسمعوا صياحه وهبوا لنجدته من كل حدب وصوب…"


ليهرب بعدها أوديسيوس ورفاقه من بوليفيموس ويكشف أوديسيوس عن هويته ليهاجمه بوليفيموس بصخرة: 


"هكذا قلت، فزاد حنقا في قلبه، وكسر قمة جبل شامخ وطوَّح به نحونا، فسقطت أمام السفينة القاتمة الحيزوم، وماج البحر من جراء سقوط تلك الصخرة، وكان ارتداد الماء المزاح أشبه بفيضان من الأعماق…" 


9- التشابه التاسع ما بين القصتين هو وجود العملاق الآكل للحم البشر، مع اختلاف صفتهما، فعملاق السندباد: رجل ضخم، أسود اللون، قبيح الوجه. وبوليفيموس، ضخم غير محدد النوع، وذو عين واحدة. وكلاهما ذو صوت جهْوري مدوي، يبدآن بأكل رفاق السندباد وأوديسيوس واحدًا تلو آخر يوما بعد يوم. 


10- التشابه العاشر هو ما قرر فعله السندباد وأوديسيوس في قتل العملاقين وكيفية محاولة القتل، وكانت الطريقة في فقء عيني العملاق بأسياخ من حديد، وفقء عين بوليفيوس بعمود من خشب ذي رأس حاد. 

ونرى التشابه هنا في آلية القتل وأداة القتل التي كانت متشابهة على نحو كبير جدًا، حتى في عملية التهيئة والتحضير، فكان بإمكان السندباد ورفاقه أن يستخدموا السيخ المعدني دون أن يحمّوه بالنار وكذا الحال مع أوديسيوس. فهل هذا التشابه الدقيق والتام محض مصادفة؟ بالتأكيد لا أرى هذا ولا أميل إلى هذا الاحتمال بتاتًا. 


11- التشابه الحادي عشر هو في ردة العملاقين والسندباد وأوديسيوس ورفاقهمها. فالأول بدأ يبحث عنهم ويحاول الإمساك بهم وهم يهربون منه يمينا وشمالا وخرج ليعود بأنثى مثله معه، وبوليفيموس كذا يشتاط غضبا ويحاول الإمساك بهم وهم يهربون منه ويمكثون في ناحية من نواحي الكهف. 

ثم بعد ذلك حضور سيكلوبيين بسبب مناداة بوليفيموس لهم، وحضور الأنثى رفيقة العملاق الأسود. 

وبعدها يتشابه فعل العملاق وبوليفيموس إذ يرمي الاثنان سفينتي السندباد وأوديسيوس بصخرة كبيرة.


12- التشابه الثاني عشر فيتمثل بحديث السندباد وأوديسيوس بالانتحار، ويرد هذا الحديث مرة واحدة في القصتين:


يحدث السندباد نفسه بالموت بعد هذه الأحداث فيقول: 


"وأردت أن ألقي بنفسي في البحر وأستريح من الدنيا فلم تهن عليَّ روحي لأن الروح عزيزة". 


أوديسيوس يحدث نفسه بالموت بعد أن فشل بالعودة إلى إيثاكا بمساعدة أيولوس، إله الريح:


"وفكرت في قلبي العظيم هل ألقي بنفسي من السفينة وأهلك في البحر أو أقاسي الويلات في صمت وأظل باقيًا على قيد الحياة، وعلى أي حال فقد كظمت غيظي وبقيت ثم غطيت رأسي وظللت راقدًا في السفينة".

** 

إنَّ هذه التشابهات الاثنتي عشرة لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون مجرد صدفة، بل هي معرفة دقيقة للأدويسة استثمرت في هذه القصص الثلاث التي أوضحت أحداثها أنَّ العرب أو بعضهم قد عرفوا الأوديسة وأوديسيوس أو بعض أناشيد هوميروس في الأوديسة، وهذا بحد ذاته أمر عظيم لا يرد في كتب التراث العربية. فهل عرف كاتب هذه القصص الأوديسة بقراءة نص أو سماع قصة يبقى السؤال المجهول الإجابة لكن ما هو أكيد أنه عرف الأوديسة ووصل تأثير هوميروس إليه. 






الجمعة، 11 ديسمبر 2020

ألف ليلة وليلة - الجزء الثاني

 قصص شهرزاد 


يضم كتاب ألف ليلة وليلة بطبعة دار صادر (نسخة معتمدة على طبعة بولاق الثانية كما يذكر د. عدي الحربش) ثمانيَ وثمانين قصة متنوعة المواضيع والشخصيات والأماكن والأحداث والأساليب والحجم والحبكات مما يجعل أصولها محل شك ونزاع وتجاذب وجدال. ولا يخفى على القارئ هذا التباين في القصص بُنية وأسلوبًا وعناصر داخلية، وقد ذكرت فيما سبق أنواع القصص الخمسة الواردة في الكتاب وسأذكر بعض النقاط التي تُبيِّن عربية هذه القصص، ولا أقصد بالعربية هنا أنها من إبداع عربي خالص لكنها قصص إن لم تكن أصولها جميعًا عربية -وهذا الصواب كما أراه- فهي قصص كُتبت من قبل عربي وعُرِّبت لتكون موجَّهة إلى المتلقي العربية محاولًا مؤلفها أو معرِّبها أو حتى مترجمها جهد الإمكان أن يُبعد عنها أيَّ سمات تشير إلى أصولها أو أعجميتها. 


التأثر/ الأصول


لا يمكن للقارئ أن يغفل تأثر بعض القصص أو حتى أن يعيد أصولها إلى منابع غير عربية أو منابع شعبية مضافة إلى متن الكتاب كما في قصة عمر النعمان الشعبية وعجيب وغريب ودليلة المحتالة. أو كما في قصص الحيوان التي عرفها الأدب العربي مع ترجمة ابن المقفع في كتاب كليلة ودمنة عن الفهلوية ذات الأصل الهندي (تُرجم في القرن الثاني الهجري أي قبل أول إشارة عن ألف ليلة وليلة بقرنين)، وترد قصص الحيوان في ألف ليلة وليلة في قصة الطيور والحيوان (وهي حكايات متعددة بمواضيع مختلفة) وفي قصتين جنسيتين بموضوع نكاح الحيوانات هما وردان والمرأة والدب، وبنت السلطان والقرد. وثمة حكايات أخرى من أخبار العرب وهي كثيرة جدا قرابة أربعين قصة من قصص ألف ليلة وليلة. وثمة قصص تحمل شخصياتها أسماءَ غير عربية كاسم أردشير الفارسي كما في قصة أردشير وحياة النفوس، وبما أن الغالب على أسماء شخصيات ألف ليلة وليلة الأسماء العربية فهذا يعني أنَّ وضع اسم أردشير ليس اختيارًا وإنما نقلًا عن أصل مقروء أو شفاهي. كما يبرز التأثر بالملاحم الهندية كالمهابهاراتا والرامايانا من: الأعداد الضخمة التي لا يستوعبها مكان سواء في الجنود أو العبيد والجواري أو العطايا أو سرعة بناء القصور من قبل البشر. والشجاعة الخيالية التي تجعل من الرجل الواحد يواجه جيشا ويهزمه. والحبكة غير المنطقية جدًا أحيانا بخياليتها التي لا يمكن أن تحدث بأي شكل من الأشكال، وتكشف عن نوع من الخيال البدائي والطفولي. هذه السمات تكشف عن الطابع الهندي في بعض القصص في أصل القصص أو تأثرها بسمات القصص الهندية كما في قصة علي نور الدين ومريم الزنارية وتظهر بوضوح هذه السمات الهندية في قصتي عمر النعمان، وعجيب وغريب.  

وكذلك التأثر بأوديسة هوميروس في قصتي حاسب كريم الدين والسندباد البحري، وسأناقش هذه التأثر مفصلًا في موضع آخر من هذه المراجعة. أما أغلب القصص المتبقية وهي تزيد عن عشرين قصة رئيسة فهي تمتاز بطابع عربي من نواحٍ كثيرة أناقشها في النقاط التالية. 


المكان والزمان 


المكان في ألف ليلة وليلة يشمل ثلاث مناطق رئيسة هي بغداد العباسيين والشام ومصر ومنطقة فارس وما خلفها بدرجة أقل، أما الزمن في الكتاب فهي يشمل طيفًا زمنيًا مختلفًا من خلافة الأمويين كما في قصة مدينة النحاس وذكر عبد الملك بن مروان وموسى بن نصير في القرن الهجري الأول، ومرورًا بعصر العباسيين لا سيما خلافة هارون الرشيد في القرن الثاني الهجري إلى زمن حروب الفرنجة في السادس الهجري كما في قصة الأمير شجاع الدين والمرأة الإفرنجية وقصة الملك الناصر ووزيره، أو كما يرد في القصص نفسها في الليلة الثامنة والعشرين: وقال لي: اعلم أنه مضى من يومنا هذا وهو يوم الجمعة وهو عاشر صفر سنة ثلاث وستين وسبعمئة من الهجرة النبوية (763هـ). كما يرد ذكر القهوة التي دخلت العالم الإسلامي العربي في القرن التاسع الهجري، وترد الإشارة إلى القهوة في الليلة 971 في قصة قمر الزمان وزوجة الجوهري: "ثم أنهما أفطرا وشربا القهوة وخرجا إلى أشغالهما". ومن المستبعد تماما أن القهوة المقصودة هنا هي الخمر بل القهوة المعروفة اليوم. وتُذكر في القصص فاكهة "السفرجل العثماني" يعود إلى القرن السابع أو الثامن الهجري. ويرد تشبيه بشخصية بأبي محمد البطال وهو شخصية إسلامية شاركت في حروب الأمويين ضد البيزنطيين، وكان قائدا شجاعا نسجت عنه الحكايات الشعبية ما بين القرنين الرابع والسادس الهجريين. يرد كذلك ذكر البندقية والرصاص في الليلة 664، ويعود تاريخ اختراع البندقية إلى القرن الثامن الهجري في الأندلس.

ثمة قصص أخرى لا تنتمي إلى زمن معين أو مكان محدد مما  يجعلها عائمة في الزمان والمكان ويكون الغرض الرئيس من القصة هو موضوعها وأحداثها فحسب.

هذا الطيف الزمني المتنوع والاختلاف المكاني يشير إلى أن القصص تنتمي إلى أزمان متعددة لا زمن واحد وأماكن مختلفة إلى مكان واحد، وقد شارك في تأليفها مِخيال جمعي متعدد المشارب والثقافات ولا يمكن بحال من الأحوال أن تُنسب جميعها إلى أصل واحد أو منبع واحد فهي وإن كانت قد نشأت في حاضنة عربية وثقافة إسلامية فقد ساهمت أجيال متعددة ومتتابعة في تأليفها وقصها وتداولها وجمعها وإلا أيُّ شيء يُمكن أن يجعل هذه القصص بهذا التنوع والتباين الزماني والمكاني والموضوعي إن لم تكن تنتمي لعصور وأزمان مختلفة. يتبقَّى لنا أن نحصر القصص التي تمتاز بسمات مشتركة مكانًا وزمانًا في حقل واحد أو ننسبها إلى عصر معيَّن بذاته، وهذا ما أقول به فيما يخص القصص التي تحدث في عصر الخليفة هارون الرشيد أو القصص التي حضر فيها هارون الرشيد بنفسه في أحداثها وكان له دوره في حبكتها منها قصص "الصبية والتفاح وريحان العبد، نور الدين وأخاه شمس الدين، علاء الدين أبو شامات، الخليفة المزوَّر، علي العجمي، هارون الرشيد وأبو يوسف، أبو محمد الكسلان، يحيى بن خالد، جبير بن عمير والست بدور، أبو نواس والغلمان الحسان، هارون الرشيد والبنت البدوية، خليفة الصياد، علي نور الدين ومريم، هارون الرشيد وأبو الحسن العاني، عبد الله بن فاضل وأخواه".


الشخصيات وأسماؤها 


تمتاز شخصيات (ذكورًا وإناثًا) ألف ليلة وليلة الرئيسة بأنها:

- في الغالب ملوك أو أمراء أو من علية القوم ومن لا يكون من هؤلاء ينتهي حال معظهم وهو إما مملوك وأمراء وسادة وإما ذوي حظ عظيم من المال.  

- الجمال البارع وسمات جسدية فائقة لا تقاوم.

- إما يكونوا مسلمين وإما يتحولون إلى الإسلام.

- دائما ما يكون هناك من يساعدهم (عجوز قهرمانة في الغالب وكثيرًا ما تكون قوَّادة). 

- لا يموتون مهما اشتدَّ الحال فالمنقذ يأتي دائما.

- يمتاز أغلبهم بالشجاعة والإقدام.

- كثيرٌ منهم عشَّاق مدنفون لا يستطيعون تحمل الفراق فيسيحون في الأرض بحثا عن أحبابهم.

- أن يكونوا أحرارا دائما، وإن كان عبدا أو جارية فإنهم إما يحررون وإما أن تبقى الجارية محظية الخليفة أو الملك. 


أما أسماؤهم فهي في أغلبها أسماءُ عربية وتعيش في مدن عربية وذات فضائل وأخلاق إسلامية باستثناء شرب الخمر الذي كان يحتسيه الجميع تقريبًا. تُضفي الأسماء والطبائع العربية الجو العربي للقصة وتعمل البيئة الاجتماعية العربية أحيانا دورها في تثبيت هذا الفضاء العربي للقصة مما يجعلها قصص عربية أو مُعرَّبة أو مأخوذة من بيئة أعجمية ومغروسة بإتقان في البيئة العربية. النتيجة من كل هذا أن الشخصيات تُعرَّب بأي أسلوب كان حتى تصبح مناسبة للعالم الجديد الذي تُولد فيه مجددًا أو تنتمي إليه أصلا. لكن رغم هذا فقد تظهر في بعض الأسطر من العادات الاجتماعية التي لا تنتمي إلى عادات العرب تكشف أن المؤلف/ المعرِّب قد تغافل وسهى عند تأليفه هذه القصة فيذكر ما لا ينتمي إلى الثقافة العربية والإسلامية منها السجود للملوك وتقبيل الأقدام أو كما تكرر كثيرًا عبارة قبَّل الأرض بين قدميه وهذه العادات في التعامل مع الملوك وعليّة القوم لا تنتمي للعرب أكثر من انتمائها للفرس والهنود، كما يَشْكُلُ أحيانا على المؤلف الموازنة ما بين معتقده الديني ومعتقد الشخصيات فتغلب عقيدته على عقيدة الشخصيات فيبدو الخطأ واضحًا في استخدام هذا التعبير الإيماني الموحِّد أو ذاك من الشخصية الكافرة أو المشركة مثل أن يقول مجوسي "ويفعل الله ما يشاء!" وهو يعبد النار ويستعين بها في مواضع أخرى كما في قصة "قمر الزمان والملكة بدور" ليلة 234. لتبدو لنا أن القصة معرَّبة وقد حاول المعرِّب أن ينقلها ويغير أحداثها فوقع في هذه الأخطاء التي خلطت بين عادات المسلمين والمجوس وسبق لسانه قلمه. وتكررت مثل هذه الأخطاء الفاضحة لمصادر بعض القصص التي يعتمد عليها المؤلف في مواضع أخرى من الكتاب  لكنها رغم ذلك تبقى محافظة على طابعها العربي قدر الإمكان.


الشِّعر 


من العناصر الفنية المتَّبعة في تثبيت البيئة العربية والأجواء الإسلامية في القصص هو الاستعانة بالشعر فلا تكاد تخلو قصة من الشعر وذكر أبيات تُلائم الحدث أو مشاعر الشخصيات. ويدخل الشعر في بُنية بعض القصص كثيرًا فتصبح الأشعار جزءًا من القصة وعاملًا رئيسًا فيها كما في قصتي "اليمني والست جوارٍ، ومسرور وزين المواصف". يُضفي الشعر العربي على القصص والشخصيات السمة العربية وبهذا فهي تبقى دور في فلك البيئة الجديدة التي نشأت فيها ولا يمكن بحال من الأحوال أن تخرج عنها. وتدلُّ هذه الأشعار التي تُدعَّم بها الأحداث -سواء ما يضيفها المؤلف أو ترد على لسان الشخصيات- أنَّ مؤلف/ مؤلفي كتاب ألف ليلة وليلة سعوا على إكساء أو تأكيد عربية هذه القصص، والوقوف بوجه أي تهمة مشككة بعربية هذه القصص. 


التكرار (الحبكة، الشخصيات، اللغة)


لا أجانب الصواب كثيرًا لو قلت إنَّ التكرار هو السمة الطاغية والمشتركة في كل قصص ألف ليلة وليلة والتكرار هنا بشتى أنواعه من التطابق التام بين القصص كما في قصة أردشير وحياة النفوس وتكرارها لقصة تاج الملوك والأميرة ديانا، إلى التكرار الجزئي في قصة لقصة سابقة كما في حكاية العبد بخيت التي وردت أولًا في قصة التاجر أيوب ثم عادت لتشكل جزءا من حبكة خليفة الصياد، أو قصة علي نور الدين وقصة علاء الدين أبو شامات وحادثة الأسر في كنيسة النصارى، أو التكرار المُزَّيد والموسَّع كما قصة حسن الصايغ وتكرار لقصة جانشاه وشمسة (وهي قصة داخلية في قصة حاسب كريم الدين)، والأمثلة في هذا تكثر على اختلاف مدى هذا التكرار الوارد في القصص الأخرى السابقة. يشمل التكرار لأحداث ثانوية مثل تكرار حبكة السحر والمسخ ومعرفة المسحور من قبل بنت أو امرأة تعلمت لدى أخرى أو وصيفة لها السحر، وكذلك تتشابه طريقة فك السحر وعودة المسحور إلى صورته القديمة عن طريق رش الماء عليه وترديد كلام خاص كأن تطلب منه الساحرة أن يعود إلى صورته القديمة أو أن يخرج من هذه الهيئة إلى هيئته السابقة. وكذلك التكرار في تشابه سير الكثير من القصص وكيف تصل إلى العقدة والذروة ثم تنحل وتشابه النهايات التي يؤول إليها مصير الكثير من الشخصيات. ويشمل التكرار ظهور الشخصيات الرئيسة والثانوية مثل هارون الرشيد ووزيره جعفر البرمكي وسيافه مسرور أبو نواس الذين ظهروا في العديد من القصص لا سيما هارون الرشيد ووزيره البرمكي اللذين كانا موجودين معًا في معظم قصص هارون الرشيد، أو شخصية الأمير محمد بن سالم الزيني الذي ظهر في قصتي أنيس الجليس وعلي نور، والتاجر أيوب وابنه غانم وابنته فتنة. وقد يتكرر دور الشخصية لا الشخصية نفسها كما أخذت العجوز أو القهرمانة وفي مرات أقل الجارية أو الرجل دائما دور المِرسال بين العاشقيْن أو القوَّادة في الأصح. وثمة تكرار أشرت إليه فيما سبق يخص تكرار موضوع القصص كأن تكون عن قصِّ القصص لأجل النجاة أو موضوع الحب بتدريجاته التي تبدأ من التعرف ثم اللقاء ثم الفراق ثم لم الشمل. ومن التكرار في اللغة، استخدام العبارات ذاتها في مواقف معيّنة كمواقف النزال والقتال أو استخدام الأبيات الشعرية نفسها أو ذات المعاني المتشابهة والدلالات الواحدة أو استخدام الأمثال في مواقف متقاربة أو مصائر واحدة. يثير هذا التكرار تساؤلات حول هُوية المؤلف أو المؤلفين وعن عددهم وكم كتبَ كلٌّ منهم وما مدى نقل أحدهم عن الآخر أو تأثر أحدهم بأسلوب الآخر أو التقليد والمحاكاة واقتفاء الأثر. تبدو بعض القصص أنها كُتبت أو جمعت من قلم واحدٍ وبعضها الآخر مميزًا بجودة القص وإتقان السارد لفصول قصته وآلية سرده، في حين آخر تبدو عليه ضياع هذه الخيوط من ضعف الحبكة أو التنقل ما بين السارد العليم والسارد بضمير الشخص الأول بعشوائية كما في قصة علي بكار وشمس النهار. تدل هذه الاختلافات الأسلوبية واللغوية والفنيّة إلى وجود أكثر من مؤلف وتشير التشابهات إلى رجوع عدة قصص إلى مؤلف واحد.

لا تهمني الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر من أهميتها الموضِّحة إلى وجود أكثر من قلم تناول هذا الكتاب بالتأليف والجمع والضبط والدراسة والتقليد ومحاكاة بعضه ببعض، فهذه العملية التأليفية المستمرة باختلاف العصور التي مرَّ بها كتاب ألف ليلة وليلة يجعله يحمل من كل عصر سماته وحكاياته وهو يكشف عن مدى القيمة المنوطة به فهو كمثل عربة قطار انطلقت عبر الزمن منذ أول محطة غادرتها شهرزاد وشهريار وفي كل محطة زمنية يصلها ثمة راكب/ مؤلف يصعد فيها ويضع لمسته ويستقر في مكانه دون أن يعرفه أحد عابرًا إلى محطة زمنية لاحقة وهكذا تباعا؛ إنه سجل أمة وأمم وخزانة أدبية لشعوب وعصور وبلدان وأشخاص وحقائق وخيالات وأحلام ورؤى ومؤلفين وجدوا حقل إثبات الذات ربما لم يجدوا وسيلة ليخلدهم الزمن إلا عبر منح صوتهم إلى صوت شهرزاد، أن يسلفوها قصتهم إلى الأبد، أن يجعلوها تطيل لياليها مع شهريار، وبمنحها صوتهم يمنحوها ليلةً إضافية وحياة. إنَّ كتاب ألف ليلة وليلة هو عربة قطار تسافر إلى المستقبل وتعود إلى الماضي في الآن نفسه، ففي الوقت الذي يُخلِّد أحدهم قصته في ليلة من ليالي شهرزاد فهو يعود إلى الماضي لينقذها، كل يد تُمد إلى هذا السِّفر ترسم ليلة وتغير مُجريات الماضي وتُنقذ شهرزاد التي تُنقذ شهريار على أمل الخلود، فهل خلد هؤلاء وما أهمية الخلود في ظل شهرزاد والانحباس في صوتها إلى الأبد فيتلاشون في صداه ولا يبقى صوت إلا صوت الشهرزاد.  

ختاما

يتبيَّن لي مما سبق أن كتاب ألف ليلة وليلة بنسخته المعروفة لدينا هو عربي شكلًا ومضمونًا بغض النظر عن أصول هذه القصص فهي وإن نبعت من أصول غير عربية لكنها خرجت ووصلت إلى المتلقي عبر نظام تأليف عربي كامل يعرف ماذا يفعل وكيف يؤلف وليس الكتاب نتيجة ترجمة أو تعريب في مجموعه بل السمة العربية ولمسة التأليف العربية واضحة وبارزة لا يطغى عليها شيء ابتداءً بالشخصيات وأسمائها والسمات الاجتماعية والعادات والمكان والزمان انتهاءً بالغايات الأخلاقية والوعظية والإسلامية. 


الأسلوب السردي 


تُقصُّ القصص جميعًا في البداية عبر شهرزاد التي بلغها من الأنباء العجيبة والأخبار الغريبة على الملك شهريار، ثم غالبًا ما يتولى ساردٌ داخلي آخر (قاص) البدء بالقصة المركزية أو شخصية من الشخصيات. وتُستخدم في هذه القصص أساليب سرد مختلفة ابتداءً من التنويع ما بين السارد العليم أو السارد المتكلم أو التنقل فيما بين الاثنين أحيانًا بانضباط وفي أُخرَ بعشوائية. وينضبط الصوت السردي أحيانا في القصص وهو الأكثر ويضطرب لا سيما حين التنقل بين سارد عليم وسارد متكلم كما في قصة علي بكار وشمس النهار إذ أثَّر التنقل بين الساردين إضعافًا للصوت السردي واضطرابًا، أو قد يعلو صوت المؤلف في نهاية بعض الليالي القصص، واختفاء صوت شهرزاد كما في نهاية ليلة 878: "وقد كان لخروج تلك الجارية من مدينة أبيها حدث غريب وأمر عجيب نسوقه على الترتيب حتى يطرب السامع ويطيب". واضح أنَّ المتحدث هنا ليس شهرزاد والمستمع ليس شهريار لأنها كانت تقول له دائما وبلغني أيها الملك السعيد أو أي عبارات يعرف القارئ أنها لشهرزاد والمخاطب شهريار. ولم يقتصر السارد العليم على الإحاطة الخارجية بأحداث قصته وأحوال شخصياته بل كان عالمًا بخلجات أنفسهم وداريًا بما يعتلج في صدورهم من مشاعر أو أحقاد، إضافة إلى معرفته بتاريخ شخصياته ومآلاتها مما يجعل السرد متنقلًا بإشاراته أو إحالاته إلى الماضي بالاسترجاعية وإلى الأمام بالاستباقية أو حتى تعليقاته الشخصية على أحداث القصة والشخصيات. ويفصل في قصص أخرى ما بين معرفته الكلية ومعرفة شخصياته المحدودة في داخل أحداث العمل نفسه كما في قصة عمر النعمان حين يستخدم السارد العليم ضمائر التأنيث مع العجوز المتنكرة بزي رجل رغم ظن الشخصيات أنها رجل ومعاملتهم إياها كرجل في الخطاب مما يحدث فرقًا ممزوجًا في السطر نفسه ما بين خطاب الشخصيات الذكوري لها وخطابه الأنثوي عنها. ويتوزع السرد أحيانا على أكثر من شخصية كما في قصة الصياد والعفريت، والأحدب والنصراني والمباشر واليهودي والخياط، فيمنح لشخصياته أصواتهم السردية المنعزلة والمنفصلة عن صوته أو صوت شهرزاد. كما تُسرد أحداث بعض قصص مثل أنيس الجليس وعلي نور بالتناوب ما بين حدثين يقعان في مكانين مختلفين في زمنين مختلفين أو زمن واحد، فينتقل السارد العليم ببؤرة السرد وكاميرا التصوير من حدث إلى الآخر بالتتابع والتبادل مما يخلق صورة كاملة لأحداث القصة الواحدة حتى يلتقي الخطان السرديان في نقطة ما، أو يحدث العكس حين يبدأ السرد في خط واحد ثم يتفرع إلى خطين سرديين أو أكثر. كما تنوع شهرزاد أو من ينوب بالقص/ السرد عنها في أساليبه ما بين التشويق والاختصار الإطناب والإحالة والإضمار دون إعادة قص ما حدث إذا كان سبق للسارد قصَّه والقارئ/ السامع معرفته. ويهتم السارد  أحيانا بالتفاصيل كتفاصيل جسد الشخصية أو تفاصيل المكان وجلسات السمر الأُنس وما يُحضَّر فيها من فُرُش وطنافس ونمارق ومُدام وطعام وأطباق وأنواع اللحوم والحلى والمشارب وأكواب وقوارير وصحون إلخ، ويبلغ الاهتمام بالتفاصيل مبلغًا يطغى فيه على القصة حتى تبدو أحداثها هامشية إذا ما قُوبلت مع التفاصيل كما في قصة مدينة النحاس التي امتازت بدقة الأوصاف والتوصيف واللوائح. ويمتد السرد ليشمل حكاية قائمة على أسلوب اللوائح/ القوائم كما في قصة علي العجمي. هذا الغنى في السرد والذي سأتناوله في التالي، يوضح لنا قيمة العمل الفنية كذلك وما فيه من إبداع بنيوي وأسلوبي في قصص شهرزاد، التي كانت هي الساردة الأم والأصل التي خرجت من صوتها كل الأصوات، وتفرعت من قصتها كل القصص.




الحكاية الإطارية في ألف ليلة وليلة


الحكاية الإطارية هي حكاية واحدة تضم مجموعة من القصص الداخلية، ليس بينهما أي رابط، فهذه القصص قائمة بذاتها ببنيتها وحبكتها وموضوعها وشخصياتها. 

إنَّ أول ظهور للحكاية الإطارية كان في كليلة ودمنة وهي من إبداع ابن المقفع، الذي يجعل من ديبيا الفيلسوف الهندي وحواره مع الملك دبشليم حكاية تضم القصص الأربعة عشر الداخلية يرويها ديبيا على الملك. ويعد العرب أول من وضع هذا الأسلوب الأدبي في تجميع القصص عبر ابن المقفع، وهو أول من استخدم الإطار الحكاياتي بهذا الشكل وإن ظهر سابقا في أعمال مثل المهابهاراتا والأوديسة والرامايانا والحمار الذهبي، إذ تقص الشخصيات قصصها أو بعض ما وقع لها على شخصيات أخرى. لكن يمكننا تمييز الحكاية الإطارية وقصصها التي ظهرت مع ابن المقفع بسمات منها ظهرت لاحقًا في ألف ليلة وليلة والديكاميرون وقصص كانتربيري:

١- الحكاية الإطارية مجرد حكاية ليس لها غاية في الغالب سوى الغاية الفنية التجميعية الإطارية. فهي تجري في نسق ثابت وليس فيها أي صنعة أو فنية خاصة  أو سمات سردية فارقة أو فكرة أدبية أو غاية موضوعية، بحيث يظهر دورها في التجميع لا أكثر. 

٢- الراوي ليس جزءا من قصصه. إن من يقص هذه القصص مفارق لقصصه، فهو لا ينتمي إليها زمنًا ولا مكانًا وليس جزءًا من الحدث حتى. ووظيفته القص فقط.  

٣- القصص الداخلية هي الأساس. إن المقصد في كليلة ودمنة هي قصص الحيوان لا قصة الملك وديبيا، لذا فإن مادة العمل الرئيسة تتمثل وتتركز في القصص المروية. والمقصد من قصة شهرزاد وشهريار هو خلاص الأخير من نزعة الموت على يد قصص شهرزاد. 


يمكن أن نعدَّ هذه السمات هي التي تجعل من الحكاية الإطارية إبداعًا خاصًا بابن المقفع. فمثلا تظهر الحكاية الإطارية في رواية الحمار الذهبي في القرن الأول للميلاد، لكنها ليست إطارًا جامعًا عابرًا بل تتركز في رحلة الحمار ومغامراته وما يشهد ويُقصُ عليه أو يقصه، وكذلك فإن القصص الداخلية ليست الأساس بل رحلة الحمار هي الأساس. وكذلك تظهر في المهابهارتا حين ينشد فياسا على الإله غانيشا ملحمة المهابهارتا، وهنا نجد أن الحكاية الإطارية قد استوفت السمة الأولى والثانية لكنها لم تضم بداخلها قصص متعددة بل قصة واحدة متطورة ومتشعبة تخص الملك شانتو وذريته. وتظهر كذلك في الأوديسة، حيث يأخذ أوديسيوس دور القاص لا سيما ما قصه على ملك الفياكيين بعد أن وصل جزيرتهم في محطته الأخيرة قبل الوصول إلى إيثاكا، وهنا كذلك الحكاية الإطارية ليست إطارًا بل قصة رئيسة متمثلة برحلة العودة، وأوديسيوس هو جزء من قصته وليس مفارقًا لها، وتظهر السمة الثالثة لكن القصص هنا ليست متفرقة ولا يربطها رابط فالرابط موجود وهو أوديسيوس ورحلة العودة المحفوفة بالمخاطر. 

لكننا نرى في ألف ليلة وليلة، أن الحكاية الإطارية في حكاية الملك شهريار وشهرزاد التي تقص عليه قصصًا مختلفة لا يربطها رابط، ولا تجمعها شخصية واحدة، والقاصة مفارقة لقصتها.

ما تتميز به الحكاية الإطارية لألف ليلة وليلة أنها تضم بداخلها قصصًا بعضها هي قصة إطارية داخلية تضم قصصًا أخرى، هكذا تصبح القصة الفرعية قصة رئيسة تضم قصصًا متفرعة منها. وهنا ننتقل إلى: 


قصة داخل قصة 


إنَّ أغلب قصص ألف ليلة وليلة تحوي بداخلها قصة أو قصصا أخرى، ويتحول الأمر بارتباطه بقصة شهريار وشهرزاد إلى متوالية قصصية متشعبة تتداخل وتنفصل ترتبط وتتقاطع، فقد تكون ثمة أكثر من قصة داخلية رئيسة وأُخر ثانوية تشكل جميعها جسد القصة الرئيسة الجامعة والرابطة أو قد تكون القصة الرئيسة هي طاولة تتجمع حول القصص الأخرى وتصبح الطاولة القصصية كما في قصة الحمَّال والبنات التي نرى فيها أن جميع الشخصيات تقص قصصهم في اجتماعهم لتشكل لنا قصة الحمال والبنات. وقد يزداد تفرع القصة الأولى إلى فروع عديدة لتصبح القصص نوع من الشبكة العنكبوتية القصصية، أو تكون القصة الرئيسة هي مجرد حكاية إطارية للقصص الداخلية الرئيسة كما في قصة السندباد البحري التي ضمت سبع سفرات/ قصص في البحر وجزره. أو قد تكون القصص ضمن قالب من القصة والرد بقصة على القصة في نوع من القصص الجدالية كما في قصة الملك وولده والجارية والوزراء السبعة، إذ يتحدث التنازع ما بين الحكم بالموت والارتداد عن الحكم بأسلوب دفاع عن طريق الحكايات ما بين الجارية والوزراء السبعة، لتتشكل القصة الرئيسة من أربع عشرة حكاية داخلية سبع منها تدعم قول الجارية وسبع تدعم رأي الوزراء، وفي المحصلة فإننا نحظى بقصة وأربع عشرة حكاية. وقد تدعم القصة الرئيسة حكايات ثانوية في داخلها تشكل بنية العمل كما في قصة الملك جلعاد وشماس. وأحيانا قد تكون القصة المقصودة مغلفة بأكثر من سارد في نوع من القص البصليّ (نسبة إلى ثمرة البصل) أو قص العنعنة، تقص شهرزاد على شهريار قصة ملك يسأل وزيره الذي يقص عليه قصة ملك آخر ووزيره الذي يقص على ملكه قصة هي القصة المركزية. 

قد يحدث أحيانا تداخل زمني ما بين القصص وتداخل في مستويات السرد وأحيانا قد تتحول الشخصية في القصة إلى سارد يقص قصته ويتحول السارد إلى مستمع يتلقى قصة شخص آخر، وتستمر ثنائية القاص والمقصوص عليه أو الراوي والمروي له التي ابتدأت بثنائية شهرزاد وشهريار إلى داخل قصص شهرزاد. وهكذا يجد القارئ نفسه في عالم قائم كله على القصص التي مهما بدت عشوائية فهي منضبطة ومهما بدت فوضوية فهي تجري في نظام قص دقيق ليس بعبثي. يدعم كل هذا نظام الحكاية أو القصة الإطارية التي قد تضم قصصا داخلية رئيسة أو ثانوية أو قصصا إطارية ثانوية، لتكتمل لوحة فسيفسائية تضم مواضيع متعددة تشمل: الموت والنجاة من الموت، العشق وأخبار العاشقين، والحب، والحب من طرف واحد، والفراق واللقاء، والحب العذري، والحب الفاحش، وتدابير القدر خيره وشره، والنكاح وفنه، والخيانة الزوجية، والطلاق، وكيد النساء، والخيانة بين العشَّاق، وسفاح المحارم (نكاح أخ لأخته) أو اشتهاء زوجة الأب لابن زوجها)، والسادية، واللواط، والسحاق، ونكاح الحيوانات، والصدق والكذب، والأخلاق الحسنة والسيئة، وأخبار البحار، والتيهان البحر، والضياع بين جزر البحر والعيش فيها، وأخبار كائنات البحر، والعلاقة ما بين أهل البحر وأهل البر والزواج فيما بينهم، والانحباس في جزيرة والعيش فيها وحيدا، والحروب، والجريمة، والذكورية، وازدراء النساء، والعلاقة بين الجن والإنس، وفي أخبار الجواري، وأخبار إبليس، وأخبار الزنا والزناة، وأخبار اللصوص وحيلهم، والضحك والطرف، والعزف والمعازف والغناء، والترحال والرحلات، والسفر، والفانتازيا، والرعب، والإباحية والدعارة والمواخير، وأخبار الملوك، وفن الحكم والسياسة، والمناظرة والمحاورة. وغير ذلك مما لم أحُصه.


سمات مائزة


من بين زخم القصص وأساليبها وتداخلها ومغازيها والإضافات والتضخم فإنَّ لقصص ألف ليلة وليلة سمات مائزة لها لمساتها في الأدب الأجنبي -سأتحدث عن إفرازاتها التأثيرية في آخر القراءة- بعضها سبق له الظهور في آداب الأمم الأخرى وبعضها ظهر مع ألف ليلة وليلة كشفت عن نزعة الإنسان لتحقيق الربح السريع والنصر بأقل الخسائر والجهود وتحقيق الأحلام بلمح البصر وترفع الحجاب عن النفس البشرية وكل ما يعتلج فيها من أحلام يقظة ونوم عن حياة مليئة بالرفاهية والدعة والغنى والمكانة والسيادة. تشمل هذه السمات المائزة موادًا خيالية ومخلوقات متوزعة في متن القصص سواء شاركت في الأحداث على نحو مهم ومباشر أو ثانوي وغير مباشر لكن هذا لا يمنع من كشف مدى الخيال والإبداع الأدبي فيها وكيف ساهمت في مساعدة شخصيات القصص في الوصول إلى أهدافهم وتحقيق ما سعوا خلفه أو وقفت عائقًا في وجههم لذا فقد علَّمت هذه المواد والمخلوقات القصص. فمن المواد الخيالية التي وردت في القصص:    


- خاتم مرصود بالمردة والعفاريت.

لعب الخاتم مع مارده الذي يتبع أوامر لابس الخاتم دورًا في تحقيق ما يطلبه سيده. 


- خاتم سحري يقتل من يشير إليه لابسه. 

لعلِّي شُدهت بمدى الجموح بالخيال في هذه الفكرة حول الخاتم فمن يلبسه يستطيع أن يقتل أيَّ من يشاء بتحريك اليد فحسب وعن بُعد.


- صولجان يحكم على الجن والمردة.

للصولجان قوته المسيطرة والمتسيِّدة على الجن لتكون طوع أوامر حامل الصولجان. 


- الفانوس السحري والمارد الخادم له. 

لعل الفانوس السحري أشهر مواد ألف ليلة وليلة الخيالية شهرة ملأت آفاق الأدب والفن العالمي بمارده الذي يخرج ضبابًا من الفانوس ويتحول إلى عملاق ينفِّذ أوامر سيده دائما ومهما كانت. 


- الدِّهنُ المُخفي.

دهن إذا دُهِن به الإنسان لا يضره شيء تحت الماء ويستطيع الحياة داخل الماء كأنه من مخلوقات البحر. 

- الطاقية المُخفية.

طاقية من يلبسها لا يراه أحد ويختفي عن أعين الناس لكنه يبقى محتفظًا بقوامه المادي ويستطيع التحرك والحمل وفعل كل شيء لكن لا يراه أحد ما دامه يلبس الطاقية. 


- الحصان الأبنوسي الطائر. 

إنَّ قصة الحصان الأبنوسي الخشبي الذي يستطيع الطيران بعد تحريك مقبض وعتلات (الفرس الطائرة) واحدة من أكثر قصص ألف ليلة وليلة -إن لم تكن الأكثر- إبداعًا وابتكارًا وجموحًا. 


- الخُرْجُ المرصود (وعاء). 

كلُّ ما على صاحب الخُرج أن يفعله هو أن يمدَّ ويتمنى أيَّ لون من الطعام يريد ليحصل عليه مباشرة. 


ومن مخلوقات ألف ليلة وليلة الخيالية:


- حيوان الكزكزان.

 دابة مثل البقر والجاموس أكبر من الجمل تأكل العلق، يشاهدها السندباد البحري في إحدى الجزر.


- نمل بحجم الكلب. 

يخوض هذا النمل معاركَ مع القرود، في إحدى الجزر المجهولة في البحر.  


- طائر الرخ العملاق. 

للرخ حضوره المميز في رحلات السندباد وقد يكون أشهر مخلوقات ألف ليلة وليلة، رغم أنه طائر خيالي معروف وليس محصورًا على ألف ليلة وليلة. 


- عقاب ضخم.

واحد من المخلوقات التي استفاد منها السندباد وهو عالق في جزر رحلاته.

- ثعبان عظيم.

الثعبان العظيم واحد من المخلوقات التي واجهها السندباد ورفاقه في رحلاتهم.


- بنات ورجال البحر. 

ظهرت هذه المخلوقات أكثر من مرة، وهي مثل البشر قلبا وقالبًا سوى أنها تعيش في البحر.


- ناس تظهر لهم أجنحة يطيرون بها.

ومن المخلوقات الغريبة رجال في قرية تظهر لهم في الليل دون النساء والأطفال أجنحة يطيرون بها.


- مخلوق أسود عملاق شبيه بالبشر.

مخلوق عملاق أسود اللون آكل للبشر يسكن في إحدى الجزر التي وصل إليها السندباد البحري. 








مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...