الاثنين، 5 أبريل 2021

المقابلة بين المهابهاراتا والإلياذة

 تلتقي المهابهاراتا مع الإلياذة في نقاط وتختلف في أخرى. فتبدو نقاط الالتقاء أنها محاكاة أو تناص وتبدو نقاط الاختلاف أنَّ كل ملحمة تمثل بيئة خاصة بها بكل ما تحتويه هذه البيئة من أبعاد فكرية وثقافية واجتماعية ودينية وسياسية، لكن هذا لا يمنع أن يكون ثمة نوع من الاتصال ما بين الشعوب القديمة جعل التأثر والتأثير احتمالية واردة لا يمكن الإعراض عنها بالكلية، لا سيما وأن التشابه يبدو إلى حدٍ ما متطابق. 


من النقاط التشابه والالتقاء ما بين الملحمتين: 


غضبة آخيل وأرجونا


تشكل الغِضبة في الإلياذة مِفصلًا في تتابع أحداث الملحمة إذ كان مقتل باتروكلوس ثم غضبة آخيل، بطل حرب طروادة، عاملًا حاسمًا في قتل أمير طروادة هيكتور ثم انتهاء الحصار الإغريقي على مدينة طروادة بعد اقتحامها بحيلة الحصان الذهبي لأوديسيوس.

ترد الغِضبة في المهابهارتا متمثلة في أرجونا على مقتل ابنه، فبعد أن يقتل أبهيمانيو ابنُ أرجونا ابنَ دوشاسنا، ثم يقتل القوروش ابنَ أرجونا الذي يشتاط غضبًا على القوروش ويقاتل بشراسة مع قوسه الفيجانا الإلهي في طلب الثأر والانتقام. وعلى الرغم من أنَّ غضبة أرجونا أقل حدة من غضبة آخيل وأقل تأثيرًا على مسار الحرب فإنها تبقى من العوامل التي تتشابه في الملحمتين، لا سيما في كون المقتول أحد أبطال الحرب، وأبطال المهابهارتها لا يموتون بسهولة فهم الذين يبدون في كثير من الأحيان محصَّنين من الموت منيعين على المنية المحمولة على سلاح الخصوم. وهنا لا بد من الانتقال إلى النقطة الثانية من التشابه. 



صراع الأبطال


مما هو معلوم فإن هوميروس ليس بشاعر العامة ولا أبطاله من الرجال العاديين بل هو شاعر عليَّة القوم من الملوك والأمراء وشجعان الإغريق وصناديدهم، لذا فإنَّ ملحمتيه -الإلياذة والأوديسة- تركزان بشكل كامل على حياة الأبطال وصراعهم وكفاحهم وشجاعتهم ولا يلتفت إلى من هم دونهم إلا من أجل إكمال صورة الحدث عمومًا. ينطبق هذا الأمر تماما مع المهابهارتا فهي لا تتعامل إلا مع الملوك والأمراء والبراهما والحكماء والشجعان، فكل شخصيات الملحمة الرئيسة هم من الملوك والأمراء وقادة الجيوش الذي يمتازون بقوى هائلة أو سمات ليس لعامة الناس منها نصيب. لكن ما يميز البطل الإغريقي الهوميري عن نظيره الهندي، أن الثاني إلهي الصفات، خارق القوى، لا ينتظر مساعدة الآلهة ولا معونتها ولا يخشى أن تقف ضده فتبدو باهتة أو ظل إله أو حتى ظلًا له. أما الإغريقي فهو حليف الآلهة وسليلها ولا يجرؤ أن يجدّف بحقها وتبقى صاحبة السلطان عليه طيلة حياته.

تبدو بطولة الإغريقي أكثر رفعة فجانبه الإنساني طاغٍ عليه بسيئاته وحسناته، برذائله وفضائله، بشمائله ومعايبه. أما خُلق الهندي أكثر سموًا فهو أقرب للعصمة، فيجسّد الفضيلة بسلوكه، وافيًا لعهده، مخلصًا لوعده، ممتثلًا لكلمته التي أعطاها. فالإغريقي بطل بسيفه والهندي بطل بأخلاقه.

وثمة نظريتان عن الأبطال الهوميريين، تنص الأولى أنهم كانوا آلهة وإنحدروا بشرا، والأخرى أنهم بشر وارتقوا آلهة. وأيُّ النظريتين لا تبدو متعارضة مع الملحمة الهوميرية.

أما أبطال الهند فهم يبدو سلفًا آلهة أو في طريقهم ليصبحوا آلهة بقواهم الخارقة للطبيعة، والتزامهم بمعتقداتهم وتقاليدهم. وشجاعة الإغريقي أكثر جاذبية فهناك ما يُشعر المتلقي أنَّ بالإمكان هزيمته، أما الهندي فالمتلقي متأكد أنه غالبٌ لا محالة، وأنَّ كل شيء معدٌّ ليغلبَ خصومه ويبزُّهم بسلوكه القويم وعدله وتواضعه عند الانتصار. لذا فالبطل الهندي حالة من الشجاعة المثالية، والإغريقي حالة من الشجاعة البشرية.


حزن بريام وديتراشترا 


إنَّ حزن الملوك ليس كحزن الإناس العاديين، فالملوك لا يحزنون إلا لنازلة عظيمة ومصاب جلل. فحزن بريام (ملك طروادة) كان حزنين، الأول كان على موت ابنه هيكتور، بطل الطرواديين وأميرهم وقائد جيشهم، والآخر أنَّ موت ابنه حمل ضمنيًا نذيرًا بخراب طروادة، فاجتمع الأمرَّان عليه في خيمة آخيل، بعد أن ذهب يتوسل إليه أن يعيد له جثمان ابنه لتُقام له طقوس توديع لائقة بأمير طروادة. في الجانب الآخر فإنَّ حزن ديتراشترا (ملك هاستينبورا الضرير) بعد علمه بمقتل أبنائه المئة في المعركة الفاصلة ضد أبناء عمهم- هو حزن الأب الفاقد لأبنائه لا حزن الملك المفارق لملكه. 

إنَّ الفارق ما بين حزن الملكين ينقسم بشكل رئيس إلى نقطتين مهمتين، الأولى أمام من خسر ملكه، وماذا تُمثِّل مملكته له؟ 

يبكي بريام ابنه ومملكته معًا لأنه أولًا يخسرها أمام عدو منافسٍ يفوقه قوة ومقدرة عبرَ البحر بجيوشه إليه من أجل هدف واحد فقط أن يدمر طروادة عن بكرة أبيها، وأن خسارته لملكه خسارة الضياع إلى الأبد. وثانيًا في كون مدينة طروادة حصينة على الأعداء لعقود طويلة بفضل أسوارها وحصونها العالية، فهي أرض الوطن والأهل والأحباب، وليست مجرد مملكة. بكى بريام ابنه وطروادة ومجده الغابر وعمره الذي ستنتهي رحلته قريبًا بعد أن شاخ، بكى الماضي التليد الذي لن تبقى منه ذكرى بعد أن يقتحم الطرواديون حصون مملكته المنيعة. 

أما حزن ديتراشترا خالص على أبنائه الذين فقدهم لأنه أولًا كان ضد سياسات ابنه دريودانا الماكرة والخبيثة تجاه أبناء أخيه، وإنَّ خسارته المُلك لن تكون لعدو يريد الخراب لمملكته أو منافس منازع على ملكه بل لأبناء أخيه الذين يعرف حقهم في المُلك في هاستينبورا الذي خسروه غشًا وخديعة، بله ما يعرف عن سماتهم الخير والأخلاق والالتزام بالدارما التي تنظم سلوكهم وتضبط تصرفاتهم بدون طيش أو حيف. وثانيًا، في كون هاستينبورا مملكةَ الباندوفيين بقدر ما هي مملكة القوروشيين، فما من دمار سيحل على دورها ولا خراب سيطال أرضها، بل قد تكون أكثر ازدهارًا مع أبناء أخوته، وهو الذي شارف على نهاية عمره ودخل خريفه منذ أمد ليس بالقصير. 


آلهة الإلياذة وآلهة المهابهارتا


إنَّ الآلهة في المهابهارتا أقل قيمة من الآلهة في الإلياذة وتدخلها محدود في مسار الأحداث وأقدار الشخصيات وإن تدخلت فبدعم الأبطال بشكل غير مباشر كأن تزودهم بالأسلحة لا تتدخل بنفسها مباشرة. إضافة إلى أن الأبطال يجدفون دون أن يكون للآلهة تدخل بله كونها جزء الشخصيات بحضورها وليست مستقلة في عالمها. وكذلك في طبيعة العلاقة ما بين الأبطال والآلهة كما ذُكرَ آنفًا، فالعلاقة قائمة على نوع من التكافئ لا علاقة عبد وإله. وآلهة المهابهارتا بعيدة عن سمات البشر ونواقصهم ورذائلهم، وهي أيضًا لا تنقسم على نفسها داعمة هذا الفريق ومحاربة ذاك، بل تأخذًا موقفًا محايدًا ظاهريًا وإن كانت تدعم الأخيار الممتثلين لتعاليم الدارما والممثلين بالإخوة باندو وحلفائهم. يختلف الأمر كليًا في آلهة الإلياذة، فدائما ما يكون لها تدخل بمسار الأحداث ومصير الشخصيات، فتعين على إنجاد هذا وتعجِّل من مقتل ذاك، وهكذا دواليك. وتتخذ من الأولمبوس مقرًا لها تتابع الحرب ووقائعها، ليضاف البُعد السماوي إلى الإلياذة وتجري أحداثها منقسمة ما بين عالم الأرض وعالم السماء. وبفضل هذا الحضور الشاخص لآلهة الأولمبوس فإنَّ أبطال الإلياذة سواء من الإغريق أو الطرواديين دائما ما يطيعون الآلهة ويقدمون لها الأضاحي والقرابين سائلين إياها النصر والمعونة والتمكين. ولنتيجة لكل هذا، فإن آلهة الإلياذة تمتاز بطبائع بشرية فتبدو وكأنها بشرٌ بقدرات خارقة، فتنقسم فيما بينها آلهة تدعم هذا الجانب وأخرى تدعم ذاك. وتتحول المعركة ما بين الإغريق والطرواديين، صراع متأجج ما بين آلهة الأولمبوس الذي دائما ما يكون لكبيرهم زيوس القول الفصل والأمر النافذ على بقية آلهة الأولمبوس. 

ومما يمكنني استنتاجه من هذا الفرق ما بين تصوير آلهة الأمتين وتعامل الأبطال مع الآلهة هو تفوق آلهة الهنود على الإغريق، فهم أكثر سموًا ورفعة وأقرب إلى الإلوهية منهم إلى البشرية، ويُظهر نوعا من التطور المعتقدي الهندي إذا ما قُوبل بالرؤية المعتقدية الإغريقية المصوَّرة في الملحمتين. وأما تعامل أبطال الملحمتين مع الآلهة فإنَّ أبطال الإغريق أكثر تعظيمًا وتقديسًا لآلهتها بالنظر لطبيعة العلاقة التي تربط أبطال الهنود مع آلهتها، وهذا ما يُعيديا إلى ماهية الأبطال في الملحمتين وكيف أنَّ أبطال المهابهارتا ذوي جِبلّة آلاهية لا تتمتع بها شخصيات الإلياذة. 


  

اتحاد التاريخ والأسطورة في الشاهنامه (ملحمة ملوك فارس)



يَخرُّ على الدَّهْرِ كُلُّ بِنَاءْ 

بِقَطر السَّحَابِ وحَرِّ ذُكَاءْ 

يَنْبُتُ مِنَ الشِّعر صَرْحًا أَغَرْ 

يُمِلُّ الرِّيَاحَ ويُعْيِي المَطَرْ 

[الشاهنامه]


وأنا أقرأ الشاهنامه توارد إلى ذهني سؤال سبق له الورود أثناء قراءة ملاحم الإغريق والهنود لمَ لا يُوجد لدى العرب ملحمة كملاحم هذه الأمم فلا الشعر ينقصنا ولا التاريخ ينقصنا ولا من يتولى مهمة كهذه قديما وحتى حديثا. فما السبب يا تُرى بعيدًا عن عدم شيوع شعر الملاحم عند قدماء الشعراء وفحوله؟ لعليّ باستقرائي الشاهنامه أقف على جواب. 


الشاهنامه، الملحمة الشعرية التي تحفظ سيرة ملوك فارس منذ فجر التاريخ بل وفجر الإنسانية، فهم في الشاهنامه جرثومة البشرية ومادتها، ومنهم ظهر أول الملوك في الأرض "جيرموت" الذي خضعت له بأمر الله الجن والإنس، وتنتهي بنهاية ملك الساسانيين على يد المسلمين في الفتح الإسلامي لبلاد فارس بعد معركة القادسية المجيدة. لكن هذا التاريخ الذي تدونه الشاهنامه وتمر على ذكر أحداثه وملوكه وقوَّاده وأبطاله وموابذته دون التغاضي عن الذكر الأعداء- تاريخ يمتزج بالأسطورة والخيال حيث تضحى العوالم المتباينة واحدة، والمخلوقات المختلفة والمنفصلة الوجود ترعى في حقل واحد، فتُشكِّل الشاهنامه بطابعها الملحمي حتى تاريخ معيّن ينتهي تقريبا مع ملوك الكيانيين وعلو نجم الإسكندر وسلطانه على أرض فارس التي يتكرها مملكة جذاذًا في حقبة ملوك وطوائف قبل أن يعيد الساسانيون وحدة مملكة الأجداد. فالتاريخ الذي يُعرض هو تاريخ الملوك والعالم الأرضي البشري وغير البشري على حد سواء، تاريخ العالم بأكمله، رؤية كونية تُمثل انطلاق صيرورة الإنسان في هذا الوجود لذا فغياب التوثيق والتدوين يجعل من تاريخ الملوك مادة خصبة تنمو في حقل الخيال فيتحول الملوك إلى آلهة أسطورية والمقاتلين الأشداء والشجعان إلى أبطال خارقين، فلا تبقى حدود فاصلة بين الحقيقة والخيال والممكن والمحال، لينتج عن هذا الاختلاط ملحمة تاريخية أسطورية في نصف متنها الشعري البالغ ستين ألف بيت تقريبا باللغة الفارسية، نظمها الشاعر الفارسي الفردوسي لسلطان دولته أبي القاسم محمود بن سبكتكين الغزنوي في القرن الرابع الهجري مكملا ما بدأ به الشاعر الدقيقي، الذي نظم ألف بيتٍ قبل أن تعاجله المنية.   

إنَّ البراعة التي نُظمت بها الشاهنامه هي براعة الوقوف على هذه العوالم ودمجها دون أن يختلط موضوعها وتمتزج مادتها فيختفي قوامها وتضيع حبكتها أو أن تجعل عالم الجن والمخلوقات الخرافية جزءًا متجذِّرًا فيها بل إضافة لا بد منها هنا لتبقى محافظة على قالبها وجوهرها وتجانسهما رغم احتضانها من عالم لا تنتمي إليه. ودُعمت هذه البراعة بالمادة التي احتاجها لنظم الملحمة وتدوين سيرة الملوك وملحمة الفرس العريقة التي يقول عنها ابن الأثير "إنها قرآن الفرس"، وتتربع بالتأثير والأهمية على قمة هرم الأدب الفارسي ودرة تاجه أدبهم لما فيها من أساطير وأصول حكايات شعبية وخرافات وأخبار أسلافهم في نسيج التاريخ والأسطورة والتاريخ الأسطوري الغابر، فكان المحفوظ من كتب الملوك وتاريخهم وأمجاد ممالكهم ردفًا معينًا له، وما تُوورِث من حكايا أولئك الملوك وأخبارهم التي تحولت عبر مرور الزمن وتأثير الإضافة والنقص إلى أساطير لتشكَّل معينًا لا ينضب يزوِّده بما يحتاج إليه ويشحذ لغته ويحفِّز مخيِّلته ويضبط ملحمته. 

فهل كان من دون هذا التاريخ الأسطوري أن تتبرعم الملحمة شيئًا فشيئًا لتغدو شجرة عملاقة أصلها في الأرض وفرعها يعانق النجوم؟

إنَّ حياكة هذه السجادة الملحمية يستلزم خيوطًا من كل الألوان والأنواع الضرورية حتى يُشرع بالعمل، ويجري على أصوله وينتهي كما خُطط للنتائج، شكَّل تاريخ الملوك المتوارث كتابيًا أو شفاهيًا رسم صورة الملوك وقادة جيوشهم وسط هذه السجادة الملحمية وأكملت الأسطورة أيَّ فراغ في هذه الملحمة وأضافت إليه اللمسات الفنيّة التي تجعل من هذه الصورة المركزية ذات طابع عجائبي فوق طبيعي وغرائبي متداخل بخوارق الطبيعة، فثمة حلف ما بين التاريخ والأسطورة اللذين في الوقت الذي ينفصلان عن بعضهما علنيًا يتحالفان سريًا في خلق تاريخ أسطوري هو ثمرة هذا التزاوج الذي خلقه المِخيال الجمعي التطوري والتقادمي لسكان أرض فارس. ولا تكتمل السجادة الملحمية إلا بإكمال نسج المحيط الدائر حول هذه الصورة الذي تستخرجه من العوالم الأخرى والمخلوقات غير البشرية التي تستمدها من الخيال وإعمال الفكر والدين والخرافات وعجائب الدهر وصنائع الإنسان. فطول المدة التي تابعتها الشاهنامه تخلق حركية مستمرة تطوِّع الزمن في بداية الأمر لها إبطاءً أو إسراعًا فما دام الملوك موجودين وأعداءهم حاضرين فحركية الصراع مستمرة ورغبة النفوذ على الآخرين وحكمهم جارية دون توقف، لكن هذا التقدم بمرور الزمن وكلما اقتربت حركية التاريخ إلى نقطة محددة، نقطة تطور الفكر والعقل البشري واقترانه بالحقيقي أكثر من المتخيَّل، تبدأ تتفكك الأسطورة والتاريخ غير المؤكد وتفقد بريقها وتتساقط القشور عن البذرة، وبتساقط هذه القشور تفقد الملحمة هي الأخرى قوتها الجاذبة والمتمثلة بالتاريخ الأسطوري فيطويهما الزمن ويجعلهما محض ذكرى ويعود ليمسك زمام السلطة ويتحكم بالملحمة التي تتحول إلى تاريخ محض، وأخبار تتفق عليها الأمم المجاورة ودوَّنتها في كتبهم كما حدث مع سلالة الساسانيين الأخيرة. 

فنحن نشهد تطورًا في سباق الخيال والحقيقة فبعد أن يتقدم الخيال ويحوز قصب السبق في الدورة الأولى، تتقدم الحقيقة لتحوز قصب السبق في الدورة الثانية، وهكذا فقد نسجت الشاهنامه قوتها. فبدون التاريخ والأسطورة وابنهما التاريخ الأسطوري، لا يمكن لها أن تُنظم ولا أن تحوي ما حوته من قالب مُحكم الأطراف ورصين الشكل وتغيُّره يتطلب مزاوجات واندماجات خاصة في مواده التي يحويها. 

وبالعودة إلى سؤالي هل نملك في تاريخنا العربي مقومات نظم ملحمة، ففي الوقت الذي تجاوزنا فيه أدب الملاحم، تبقى أي ملحمة وليدة وحديثة بحاجة إلى قرون من الزمن حتى تُثبت نفسها وقيمتها ويكون أثرها في جيل إثر جيل واضحا وقيمتها التي تتعدى حدود الأدب جليّة، وتقتحم الحياة من كل جانب، لقد تجاوزتنا الملحمة القديمة لأسباب أهمها في رأيي أن العرب لم يعرفوا حكم الملوك ولم يعملوا به كما عرفه الإغريق والهنود والفرس وعملوا به، وما ظهر من ممالك وملوك عرب لم يحظوا كما حظي به الآخرون من اهتمام في المِخيال الجمعي وتطوره عبر الزمن بالإضافة والحذف، في الأقل حتى وقتنا الحاضر الذي لا يكشف عن وجود مثل هذه الملحمة، وقد برز حكم العرب ونفوذهم مع بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) لكنها كانت أقرب إلى خلافة وحكم إصلاحي لا يسبغ على الملوك تلك الإلوهية الملحمية في كثير من حِقَبه من أن يكون حكم ذات طابع دنيوي، إذ يلعب الدين عاملًا مهمًا في كونه قوة عُليا على الخليفة أو الحاكم -في الأقل نظريًا ولا يمكن أن يتمادى كثيرًا في تعديه لهذه الحدود إذ المبرر الديني قد يُوجد ويلازم هذا التمادي بغض النظر عن شكله-، وهذا الدور للدين لا يبدو بذات النسق في الإلياذة مثلا التي تكون الآلهة جزءًا من الصراع لا منفصلة عنه زمانًا ومكانًا فالدين فيه أو تعاليم الآلهة ممزوجة بطفولة المعتقد والتفكير بعالم السماء وتصوِّر آلية عمله، وكذلك العمق الزمني الذي ستفقده الملحمة الشعرية الإسلامية إذ من ضرورات الملحمة أنها تحاكي حقبة غابرة متطورة يكون للحكاية جذورها التي اندمجت مع الفكر والخيال الشعبي وتداولتها الألسنة حول الأبطال الذي ينتصرون في المعارك لوحدهم أو الملوك الذي هم نصف آلهة أو الممثل البشري في محفل الآلهة، أو النماذج التي تتحول بمرور الزمن إلى عبرة ومثل وحكاية وأسطورة بالشجاعة، فالملحمة هي ملحمة الأبطال والشجعان وهؤلاء الأبطال يلزم وجود عدو يستفزهم ويُخرج أفضل ما عندهم، تبدو هذه العناصر كلها غائبة في تاريخ العرب القديم الذي وصل إلينا وعرفناه. 

تضم الشاهنامه طيفًا من المواضيع شملت أخبار الملوك والحروب والصراعات والأبطال وقصصهم والحب والشجاعة والمغامرة والامتثال للمقدس الديني والبشري وأحاطت بأخبار الأمم الأخرى التي تداخلت مع فارس كالهنود والصينيين والتورانيين (الأتراك) والعرب والروم، وتداخلت فيها -لا سيما في الفصل الأول منها الخاص بملوك البيشدادية- أساطيرُ الأمم الأخرى كالهنود، وتشابه بعض أحداث ملوك الكيانيين مع الإلياذة كما في خلاف رستم والملك كيكاوس الذي يشابه خلاف آخيل وأجاممنون، ويتشابه الملكان كما تصفهما الملحمتان بالنزق وسرعة الغضب، كما يقف رستم نظيرًا لآخيل وهو لا يقل عنه أسطورية أو شجاعة أو تأثيرًا في سلسلة من حِقب حكم الملوك والحروب، وتخلق في بعض أحداثها تاريخًا خاصًا لا يمتُّ للحقيقة المتأكد منها كما في ربط نسب أعداء فارس أو من انتصروا عليهم مثل الإسكندر المقدوني إلى السلالة الفارسية والدماء الخسروانية فهي لا تمنح المجد لغير الفرس حتى عند الهزيمة فلا بد أن يكون المنتصرُ عليهم منهم لا غريبًا عنهم. لذا فلا غرابة مما بلغته الشاهنامه من تأثير وأهمية لدى الفرس في تاريخهم الوسيط والحديث والمعاصر بعد نظم الفرودسي لها.             


إنيادة فرجيل وإلياذة وأوديسة هوميروس

 على خطى هوميروس 


اتَّبع فيرجيل في ملحمته الشعرية خطى هوميروس في كثير من خطوط عمله الشعري الرئيسة وأحداثها المحورية والثانوية أو حتى بعض التفاصيل الضمنية الطفيفة وخلق شخصياته بالتوازي مع شخصيات هوميروس على نحو لا يسمح بالشك بأنَّه قرأ ودرس وهضم ملحمتي هوميروس ثم أعاد صياغة ملحمته متتبعًا وبدقة لا متناهية ملحمتي هوميروس فيما يخص ركائز العمل وأحداثه وشخصياته. ولربما تكون هناك بحوث متخصصة تبحث في التشابه في الأساليب اللغوية المستخدمة والتراكيب في هذه الملاحم الثلاث، والأمر بحاجة إلى الاطلاع على الملاحم الثلاث بلغتها الأصلية وهذا الأمر بعيد عن يدنا في الوقت الحالي وقد نحصل على مثل هذه البحوث في حالة وجودها مستقبلًا. لكن ما سأذكره هنا فهو يخص تشابه خطوط العمل الأساسية والأحداث والشخصيات ما بين الإنيادة وبين الأوديسة والإلياذة. 

________

جوبيتر = زيوس 

جونو = هيرا 

مينيرفا = أثينا

فينوس = أفروديت 

فولكانوس = هيفايستوس

ميركوريوس = هرمس 

نبتونيس = بوسيدون

أبولو = أبولو 

لكل إله إغريقي نظيره الروماني في ميثولوجيا الأمتين، ونقرأ في الإلياذة انقسام الآلهة فريق إلى جانب الإغريق وآخر إلى جانب الطرواديين. لكن ما يهمنا من كل هؤلاء الآلهة ثلاث فقط وهنَّ: 

جونو (هيرا) ومينيرفيا (أثينا) وفينوس (أفروديت). تبدأ قصة عداء هيرا وأثينا للطرواديين ووقوف أفروديت معهم حين تخاصمت الإلهات الثلاث على من الأجمل بينهنَّ واتفقن على طلب التحكيم من أول عابر، فكان أول عابر هو باريس ابن بريام الذي كان متوجها نحو مملكة أبيه طروادة، ووقع اختيار باريس على أفروديت لتغضب منه هيرا وأثينا ويحقدن عليه مبغضاتٍ وكارهات. استثمرَّ فيرجيل من هذه التاريخ الميثولوجي الإغريقي في ملحمته باستمرار عداء جونو للطرواديين وما جلبه عليهم هذا العداء من مصايب ومصاعب.    


- تتشابه الكتب الستة الأولى في الإنيادة مع رحلة عودة أوديسيوس إلى إيثاكا في الأوديسة. تبتدئ رحلة آينياس بمغادرة شواطئ طروادة بحثًا عن أرض لاتيوم التي ضمنتها الآلهة لهم وأمرتهم بالوصول إليها، ليمرَّ في رحلته بعدد من الجزر ويواجه مصاعب مختلفة ويفقد من رفاقه ويقضي وقتًا لاجئًا مع قومه عند ديدو ملكة القرطاجيين في أرض ليبيا ثم الذهاب في رحلة إلى العالم السفلي مع الكاهنة سابيلا قبل أن يصل في الكتاب السابع إلى لاتيوم. سبق وقرأنا شيئًا مشابها في الأوديسة ورحلة أوديسيوس بعد أن يغادر شواطئ طروادة ثم يتيه في البحر ويضيع بين الجزر باحثًا عن سبيل العودة إلى إيثاكا في رحلة استمرت عشر سنوات كاملة، فيواجه السيكلوب بولوفيموس العملاق وآكلي لحوم البشر وتحتجزه الساحرات ويرحل إلى هاديس من أجل نصح وإرشاد العرَّاف الطيبي تايريسياس ثم الوصول إلى جزيرة الفياكيين وملكهم ألكينوس الذي يكرم وفادته ويرسله مع بحارة فياكيين مختارين إلى جزيرة إيثاكا التي يصلها في النشيد الثالث عشر في الأوديسة. 

ونقف الآن بشكل موجز على التشابهات ولمن يحب الوقوف على التفاصيل فكل ما عليه هو قراءة العملين، ولا يعني وجود التشابه هو التطابق التام فيبقى لكل حدث في العملين سماته الخاصة وتفاصيله: 


1- يقص آينياس على الملكة ديدو رحلته من شواطئ طروادة حتى مملكتها وما مرَّ به ورفاقه من مصاعب كما قصَّ أوديسيوس على الملك ألكينوس رحلة عودته والصعاب التي واجهها وإكرام الاثنين لآينياس وأوديسيوس. 


تهوي ديدو في غرام آينياس وتطلب منه الزواج والبقاء معها لكن الأخير الممتثل لأمر الآلهة يرفض عرضها ويرحل مكملا رحلته إلى لاتيوم. أما في الأوديسة، يعرض الملك ألكينوس على أوديسيوس الزواج من ابنته الأميرة ناوسيكا وإكرامه بالهدايا والخيرات لكن أوديسيوس يرفض هذا العرض المغري ويرحل على متن سفينة الفياكيين إلى موطنه إيثاكا. 

2- يتكرر التشابه في حالة ديدو ورفضها واعتراضها على رحيل آينياس مع حالة الإلهة كاليبسو التي احتجزت أوديسيوس سبع سنوات كاملات وأحبته حبًا جمًا قبل أن يجيئها أمر آلهة الأوليمبوس بتحريره، فتعدُّ كاليبسو الأمر كما لدى ديدو نوعًا من بغض الآلهة لها وعدم رغبتهم في أن تكون سعيدة مع من تحب. 


تتمُّ مغادرة الاثنين أوديسيوس وآينياس من جزيرة كاليبسو وأرض القرطاجيين بعد أوامر الآلهة وإن كانت رغبة أوديسيوس وآينياس سلفًا الوصول إلى وجهتهم المنشودة لكنها في الحالتين لم تحدثا لولا الأوامر الآلهة رغمًا عن رغبة وأمنية مضيفتيهما وآسرتيهما.

 

يشبه دعاءُ ديدو على آينياس بعد أن شاهدت سفنه تمخر مبتعدةً دعاءَ بولوفيموس على أوديسيوس بعد أن يكشف له الأخير هُويته الحقيقية. تدعو  ديدو على آينياس أن يستجدي المعونة، ويُثقل بالحرب وبأسلحة شعب جسور، ومنفيًا عن وطنه ومحرومًا من عناق ابنه، ويشهد مصرع رجاله ولا يستمتع بمملكته وبلا رغبة في الحياة، ولا يختلف هذا الدعاء كثيرا عن دعاء پولوفيموس سواء في لفظه أو معناه إذ يطلب من أبيه إله البحر بوسيدون فإما ألا يتركه يعود إلى بلاده أبدا أو يعود بعد أن يشقى ويعاني المحن في موطنه ويفقد رفاقه ويعود إلى موطنه على متن سفينة غرباء.  

         

3- يشبه ذبحُ آينياس وقومه عددا من الثيران بعد أن يصلوا إلى جزيرة الهاربيات حيث يجدون قطعان الثيران لتهاجمهم إثرها جموع الهاربيات ثم تتنبأ لهم كيلاينو بمواجهة السوء والصعاب في البحر قبل الوصول إلى سواحل إيطاليا- ما قام به رفاق أوديسيوس مع قطيع الشمس المقدس للإله هيليوس وذبحهم من بقره ثم دعاء الأخير لزيوس طالبًا منه الانتقام من رفاق أوديسيوس فيستجيب زيوس لدعائه ويحطِّم سفينة أوديسيوس ويغرق رفاقه.  


4- يشبه طلبُ شبح أنخسيس، والد آينياس، من ابنه الذهاب إلى العالم السفلي واللقاء به من أجل معرفة الطريق إلى لاتيوم، الوجهة المقصودة لتأسيس الوطن الجديد- نصيحةَ سيرسي من أوديسيوس الذهاب إلى منزل الأموات "هاديس" ولقاء العرَّاف تايريسياس ليرشده طريق العودة إلى إيثاكا ويتنبأ له بقادم أيامه. 


5- رحلة آينياس إلى العالم السفلي رفقة الكاهنة سابيلا ولقائه لعدة شخصيات ورؤيته لعدة مشاهد- مشابهة لرحلة أوديسيوس في منزل الأموات والتقائه بعدد من الشخصيات التي عرفها أو التي لم يعرفها. 


يطلب بالينوروس، رفيق آينياس، من آينياس دفن جثته التي غرقت في البحر مثلما طلب إلبينور من أوديسيوس دفن جثته التي لم يدفنها أوديسيوس ورفاقه في جزيرة سيرسي فيستجيب الاثنان لطلب شبحي رفيقيهما. 


 يحاول آينياس بعد أن يلتقي شبح والده أن يضمه لكنه يفشل في ضم الشبح، وهو ذات الفعل إذ حاول أوديسيوس ضم شبح والدته أنتيكليا في هاديس لكنه يفشل كذلك. 


- تتشابه الكتب الستة الأخيرة من الإنيادة مع ملحمة الإلياذة لهوميروس. يخوض الطرواديون بقيادة آينياس معاركًا مع اللاتين بالقرب من معسكراتهم وبعد كسر شوكة اللاتين يتوجهون نحو مدينة لاتيوم. تتأرجح كفتا الانتصار ما بين الجيشين فتارة تميل لصالح الطرواديين وأخرى لصالح اللاتين وتنتهي بانتصار الطرواديين ومقتل الملك تورنوس على يد آينياس. تتلاقى خطوط هذه الأحداث مع حرب وحصار الآخيين لطروادة وكيف دارت المعارك بين الطرواديين والآخيين متأرجحة الانتصار بينهما من حين إلى آخر لتنتهي بمقتل الأمير الطروادي هيكتور على يد البطل الآخي، ملك الميرميدونيين، آخيلوس. وبموت الاثنين تورنوس وهيكتور تنتهي الملحمتان فيجتاح في إثر موت هيكتور الآخيون مدينة طروادة الحصينة بفضلة حيلة أوديسيوس مع الحصان الخشبي، ويستوطن الطرواديون في الإنيادة في مدينة لاتيوم التي أمرتهم الآلهة بالتوجِّه إليها. ثمة العديد من التشابهات ما بين الملحمتين مما يؤكد بما لا شكَّ فيه أنَّ فيرجيل استعان بأحداث الإلياذة في نظم المعارك وإعادة خلق شخصيات جديدة متخذَّا النموذج الهوميري مثالًا يحتذي به وقوالب يستخدمها في عمله:


1- يتحصن الطرواديون بالقرب من شواطئ لاتيوم ثم يهجم اللاتين عليهم بقيادة تورنوس في غياب آينياس الذي ذهب لعقد تحالف مع الملك إيفاندروس من أجل هزيمة اللاتين. أما في الإلياذة فإن الإغريق يتحصنون ويعسكرون بالقرب من شواطئ طروادة ويهجم عليهم الطرواديون ويكادون يهزمونهم وكذا الحال في غياب بطلهم آخيلوس بسبب خصامه مع ملك الآخيين أجاممنون. 

 

2- تتشابه مهمة يوروأليوس ونيسوس السرية في معسكر اللاتين وما أوقعاه قتلا وذبحًا في اللاتيين قبل موتهما على أيدي مقاتلي تورنوس- مع مهمة أوديسيوس ورفيقه ديوميديس في معسكر الطرواديين ثم مصادفتهما دولون الذي كان مرسلا لتجسس على معسكر الآخيين ليمسكا به ويأخذا منه المعلومات قبل قتله ثم وصلا بعدها إلى معسكر الطراقيين حلفاء الطرواديين ووقعا فيهم قتلًا ونهبًا ثم عادا سالمين.  

 

3- يتشابه طلب فينوس من زوجها فولكانوس صنع عدة حرب لابنها آينياس مع طلب حورية البحر ثيتيس من هيفايستوس صنع عدة حرب لابنها آخيلوس. وحاكى فيرجيلُ في مقطع صناعة أسلحة آينياس هوميروسَ وصناعة درع آخيلوس حيث رسم ونقش فولكانوس العديد من الرسوم على الدرع كما فعل هيفايستوس. 


4- توازي شخصية البطل اللاتيني حيلف الطرواديين "بالاس ابن إيفاندروس" الذي يقتله تورنوس مع شخصية باتروكلوس الميرميدوني الذي يقتله هيكتور الطروادي. ويتشابه رثاء حصان بالاس "ميزنتيوس" لصاحبه مع بكاء الخيول على باتروكلوس. وعلى الرغم من أنَّ لمقتل باتروكلوس أثره البارز في عودة آخيلوس إلى حرب طروادة بعد نأيه عنها بسبب خلافه مع أجاممنون فإنَّ لمقتل بالاس على يد تورنوس وارتداء الأخير لعدة بالاس الحربية نقطة مفصلية تنتهي بها الملحمة، إذ يتغلب الغضب على حكمة آينياس إذ يرى حزام بالاس على تورنوس بعد أن تمكَّن منه وطلب الأخير الرحمة إلا إن آينياس يرسله إلى العالم السفلي. (يرتدي هيكتور عدة باتروكلوس والتي هي في الأساس عدة آخيلوس منحها لباتروكلوس قبل أن يسمح له بقيادة الميرميدونيين في قتال الطرواديين الذين قاتلوا داخل معسكرات الآخيين). 


تقص الملحمة مراسم جنازة موت باتروكلوس وبالاس، لكنها تأخذ مساحة أكبر في الإلياذة سواء من خلال تصوير المشاهد المرتبطة بحرق جثمان باتروكلوس أو ما تبعها من مسابقات رياضية أقامها آخيلوس على شرف موت صاحبه باتروكلوس.


يعقد اللاتين والطرواديين سلمًا وتوقفًا عن القتال مدة اثني عشر يومًا بعد موت بالاس، وهو مثل سلم الإغريق والطرواديين بعد استلام جثة هيكتور من قبل والده بريام والذي امتدَّ لاثني عشر يوما أيضا.

  

 5- بدا واضحًا أنَّ آينياس في الإنيادة يوازي شخصية آخيلوس في الإلياذة أو حتى هو نظير من نظائرها سواء في الشجاعة والإقدام أو قيادة جموع الطرواديين. أما شخصية الملك تورنوس فهي موازية لشخصية هيكتور سواء فيما فعلته بجموع الطرواديين أو في كونها صاحبة قضية مشروعة في قتال غزاة وذود عن الوطن والأهل. أما موت هيكتور وتورنوس على يدي آخيلوس وآينياس تباعًا وتحقيق القاتلين ما أراداه وإتمام ما نويا عليه سلفا يجعل هذه الشخصيات الأربع تلتقي في العديد من الخطوط والنقاط سواء على المستوى الذاتي الخاص بها أو المستوى الموضوع المتعلق بأحداث الملحمتين. 


- تلعب الآلهة دورًا في تسيير الأحداث في الإنيادة كما لعبته في الإلياذة والأوديسة. ويعي فيرجيل دورها في ملحمتي هوميروس لذا فهو يعمل على متابعة خطو هوميروس في تصوِّراته العقائدية بخصوص الآلهة على الرغم من الفارق الزمني الكبير ما بين عصر هوميروس وفيرجيل. فيتشابه حضور الآلهة الكبير في الإنيادة لحضورها الفاعل والمباشر في الإلياذة. ويجد القارئ لملحمتي هوميروس أنَّ دور الآلهة في الأوديسة يأخذ نمطًا جديدًا مختلفًا عن دورها في الإلياذة مما يُبرز تطوّر وتغيَّر في مفهوم الآلهة في عصر الأوديسة عن عصر الإلياذة، لكن فيرجيل يختار إعطاء الآلهة دورًا شبيهًا بدورها في الإلياذة إذ إنَّ عصر آينياس مقرون بعصر الإلياذة سواء زمنيًا أو في التصورات الاعتقادية بما يخص عالم الآلهة والسماء. نتيجة لهذا الاتباع الفيرجيلي لهوميروس فثمة عدة توازيات وتشابهات في دور الآلهة لدى الشاعرين:


1- تدعو فينوس تدعو جوبيتر في إيقاف معاناة الطرواديين في البحر كما فعلت أثينا بدعائها لزيوس أن يوقف معاناة أوديسيوس. 


2- يشبه غضب جونو على آينياس ورفاقه في البحر والصعوبات والمشاق التي يواجهونها ويتحملونها في رحلتهم إلى لاتيوم غضبَ بوسيدون على أوديسيوس. 


3- يتشابه حال جونو وتذمرها من أوامر جوبيتر لتذمر هيرا من أوامر زيوس في الإلياذة. إذ طمحت الأولى إلى استمرار معاناة آينياس وعدم تحقيقه مبتغاه في الوصول إلى لاتيوم وكذلك سعت إلى إشعال نار الحرب بين الطرواديين واللاتين في كل مرة يبدو الصلح ومعاهدات السلام أقرب بين الفريقين ولم يهدأ لها بال حتى رأت نار الحرب تتأجج ما بين الأمتين. وكذا الحال مع هيرا التي سعت بكل جهد وقدرة ممكنة في تدمير الطرواديين ومدينتهم الحصينة على يد الآخيين لكنها دائما ما كانت تواجه تعنُّت وأوامر زوجها وأخيها "زيوس" كبير الآلهة. 


4- أما جوبيتر في الإنيادة ونظيره زيوس في الإلياذة فلهما القول الفصل والأمر الأعلى في تحديد مصير كل شيء في الملحمتين أحداثًا ومصائر مدن ومقادير البشر. وأبرز تشابه متطابق بين دوريهما ذاك المشهد الذي يضع فيه زيوس قدريْ آخيلوس وهيكتور في كفتي ميزان ليطيش قدر هيكتور تحتل ثقل قدر آخيلوس الذي كُتب له الانتصار على منافسه، ويتكرر ذات المشهد بالتمام والكمال تقريبًا عندما يضع جوبيتر قدر آينياس وتورنوس في كفتي الميزان لترجح كفة آينياس على منافسه. 


5- تشابه حدث صناعة هيفايستوس وفولكانوس عدة الحرب لآخيلوس وآينياس بطلب من أمهما في الإلياذة والإنيادة، وقد ذكرتهما في فقرة التشابهات الثانية. 



على الرغم من كل هذه التشابهات فتبقى لكل ملحمة شعرية خصوصيتها ومزاياها وأساليبها وهذا لا يعني بحال من الأحوال أنَّ ننكر قيمة الإنيادة أو التقليل منها أو ننكر أنَّ فيرجيل سار في ذات طريق هوميروس في ملحمتيه ولم يشأ أن يخرج عن الخطوط الرئيسة التي رسمها هوميروس إلا في بعض المواضع كإضافته لقصة الملكة ديدو ورحلة البحث عن الوطن وتأسيسه. ويتبادر سؤال في نهاية المطاف هل ستكون الإنيادة على ما هي عليه لو لم يكن هناك إلياذة وأوديسة؟ وما شكل الإنيادة الذي ستكون عليه لو لم يتبع فيرجيل هوميروس في ملحمتيه؟ والتساؤل الأخير هل سينظم فيرجيل ملحمته الشعرية لو لم يكتب هوميروس ملحمتيه أو لم يصلا إلى يدي فيرجيل؟ تبقى هذه الأسئلة مطروحة بهذه الصياغة أو بأخرى ولا أرى شخصيًا أن فيرجيل سيحقق ما حققه في ملحمته لولا شاعر الملاحم الأول والأعظم عبر العصور هوميروس. 





الرامايانا والأوديسة

 


تتشابه ملحمة الرامايانا والأوديسة في نقاط وتختلف في أخرى. فأما نقاط الاختلاف فهي واضحة في عموم أحداث الملحمة وأحداثها لا سيما في موضوع الإقصاء والنفي الذي يقع على راما وزوجته، والصراع ما بين راما والشياطين في الغابة، وهي ثيمة مختلفة ظاهريًا عن ثيمة الأوديسة ورحلة العودة إلى إيثاكا التي يخوضها أوديسيوس مدة عشر سنوات في البحر حتى يصل في الأخير إلى إيثاكا ويجتمع مع ابنه وزوجته بعد أن يُوقع المذبحة بحق من تحرش بزوجته وطلب يدها للزواج وتآمر على قتل ابنه واستنزف خيراته بعد أن استقرَّ الخطَّاب في منزله. 

أما نقاط التشابه والالتقاء ما بين الملحمتين فهي قريبة إلى التشابه ما بين ملحمتي المهابهارتا والإلياذة، فمن بين هذه التشابهات: 


القوس


حين يشبُّ راما يذهب رفقة أخيه وراهب إلى الملك جاناك والد سيتا الذي أقسم ألا تتزوج ابنته إلا من يستطيع حمل قوس الإله شيفا الثقيل وربط وتره، لكنه ليس بقوس عادي لذا فيعجز الملوك والأمراء عن جرِّ وتره، إلا إن راما استطاع في النهاية أن يحمل الوتر ويتكسر القوس بين يديه ويتزوج الأميرة سيتا. تلتقي الرامايانا مع الأوديسة في المسابقة التي أقامتها زوجة أوديسيوس بينيلوبي بعد أن أحضرت قوس زوجها الغائب أوديسيوس والحاضر متخفيًا وسط الخطَّاب وطلبت منهم أن يحاولوا جرَّ وتر القوس واطلاق سهم يمر من حلقات اثتني عشرة فأسًا مثبتةً بالأرض، ومن يستطيع فعلها يُصبح زوجها. وبعد أن يعجز الخطاب عن جر وتر القوس، يأتي أوديسيوس المتخفي ويجرَّه ويتركب المذبحة في ساحة بيته أو ما تُعرف بمذبحة الخطَّاب. لا يمكن الإقرار بحقيقة هذا التشابه وهل هو تشابه صُدَفي أو محاكاة مؤلف عليم، لكن ما يمكن التثبت منه هو التشابه الوارد ما بين ملحمة أوديسيوس الإغريقي وراما الهندي.  

  

النفي 


تتشابه الرامايانا مع الأوديسة في موضوعة النفي. لكن ما يفرق بينهما أنَّ النفي في الرامايانا واضح بقرار راما الاستجابة لطلب والده الملك، أي أنه نفي إرادي يدوم أربعة عشر عاما. في حين النفي الأوديسة هو نفي إجباري، عبر تأخير عودة أوديسيوس إلى وطنه "إيثاكا" وتيهانه في البحر وحبسه في الجزر مدة عشر سنوات بله عشر سنوات قضاها أوديسيوس في حرب طروادة. أما ما جرى خلال سنوات النفي وواجهه البطلان في منفاهما فهو قائم على أدب المغامرات والصِراع من أجل النجاة. فالغابة في الرامايانا هي البحر في الأوديسة، والمخلوقات التي يواجهها أوديسيوس في رحلة العودة، تحل محلَّها الشياطين التي سكنت الغابة وعادت راما وزوجته وأخاه.

إنَّ النفي في الرامايانا يأخذ منحى متعدد الجهات، فراما يعيش في الغابة بكامل حريته وإرادته لذا فهو مطبوع على الاستكشاف والمغامرة وقتال ما يهدد حياته، لذا فليس ثمة وجهة محددة يقصدها راما سوى الانتظار حتى انتهاء مدة نفيه والعودة إلى آيدوها. أما النفي في الأوديسة أو التيهان في البحر له وجهة واحدة هي إيثاكا، وضياعه بين الجزر وصراع ضد مخلوقات البحر وسوء تدبير الآلهة هو مفروض عليه، فما من شاطئ أرض يطأها أوديسيوس كان قد نوى سلفًا عليها، على العكس تماما فكل أرض هي وجهة تجلبه إليها الصدفة المحضة أو التقدير السائد لتيارات البحر وافتراضات أقدار الآلهة. لذا فإن عودة أوديسيوس هي عودة الملك الضائع، أما عودة راما هو عودة الملك المُنتظر المنفي. فأوديسيوس يخرج ملكًا ويعود ملكا لكنها عودة محفوفة بالمخاطر فعودته ليست كل شيء لأن ثمة مهمة أخرى عليه أن يُتمَّها مع الخطَّاب، في حين راما يخرج وليَّ عهد ويعود إلى عرش الملك الذي ينتظره برغبة الجميع، فهي عودة متوَّجة بأكاليل الفرح والتتويج.  

  

سيتا وبينيلوبي (الوفاء والامتثال للزوج)  


تخرج سيتا مع زوجها راما في نفيه الطوعي في الغابة وتبقى معه تعاني وتتعرض للمخاطر لا سيما تلك المتمثلة في خطفها من قبل رافانا ملك لانكا، فترفض عرض رافانا بالزواج منها، ثم وبعد أن تنفى بأمر من راما في الغابة، فهي تتحمل هذا النفي الجديد، لتعيشَ حياة شظف وقسوة في الغابة وهي التي كانت أميرة ثم زوجة ملك. تبدو سيتا امرأة معدومة الإرادة، والهُوية، والشخصيَّة، فهي ظل زوجها وأوامره ومصيره وحياته. فما الذي يميز سيتا عدا الوفاء لزوجها والامتثال له بطاعة كاملة؟ لا شيءَ مميزٌ فيها بتاتا سوى ذلك. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التصوير لدور المرأة الهندية قد ظهر سابقًا مع المهابهارتا في شخصية دروبدي، وعادات أخرى مثل خطف المرأة لإجبارها على الزواج- الفعل الذي يبدو بطوليًا ولا رأي للمرأة في الرفض والقبول عموما وإن كان ثمة استثناءات كما في حادثة أمبا وبهيشما لكنها ليست قاعدة أو متكررة بشكل ملاحظ. تخضع دروبدي لمصير أزواجها ولربما أسوأ ما تعرضت له حين لعب زوجها يوديشترا النرد وخسر مملكته وكان قد خسر معها زوجته وأخوته حين وضعهم في رهان اللعب. فالزوجة هنا هي مملوكة للزوج ولا دور لها إلا دور الخضوع المطلق والتام، دور التابع الذي ينفذ طلبات المتبوع، كما حدث في نفي سيتا، أو حتى تلك القصة التي ترد على مسامع راما عن الرجل الذي أبعد زوجته عن سكنه لأنها اختلت برجل غرر بها. 

في الضفة الأخرى لدى الإغريق، فإن دور المرأة لا يقل عن دور الرجل كثيرًا، وبدا دور الأنثى في ملحمة الأوديسة شاخصًا ومؤثرًا في كل كتب الأوديسة الأربعة والعشرين، سواء أكن إلهات أو نساءً أو ساحراتٍ أو حتى وحوشًا ومخلوقات غريبة. وفي مقدمة شخصيات الأوديسة الأنثوية هي بينيلوبي زوجة أوديسيوس التي انتظرت زوجها مدة عشرين عامًا. هذا الانتظار الذي واجهت في سنواته الأخيرة الخطَّاب الذين سكنوا منزلها وزوجها ورغبوا بالزواج منها رغمًا عنها، إلا أنَّ ما يفرق هنا أنهم جميعًا كان يضايقونها لكنهم لم يستطيعوا إجبارها أو غصبها أو حتى خطفها -كعادات الهنود- لإجبارها على الزواج. فهي تبقى رغم كل ذلك سيدة البيت وإيثاكا الأولى حتى عودة زوجته المظفَّرة. 

  

تيليماكوس وابنا راما (لافا وكوش)


ينشأ كلا من ابن أوديسيوس وابني راما بعيدين عن والديهما، ولا يعرفانهما حتى البلوغ. وما يفرق عن الحالين، أن تيليماكوس كان في رحلة بحث دائمة عن أبيه، وسعي دؤوب ليعرف من هو أبيه، فهو لا يريد العيش على أمجاد أبيه فقط، بل يريد أن يعرف من هو كذلك، أن يخلق هُويته الخاصة به التي لا مسعى في الوصول إليها سوى مسعى معرفة مصير والده أوديسيوس. أما لافا وكوش فهما ينشآن بعيدًا عن والدهما راما، وعن معرفة من أبوهما الحقيقي، لذا فنشأتهما في الغابة مع أمهما والراهب، نشأة بلا أب، وبلا السؤال عن الأب. فمن أباهما، سؤال لم يبدُ أنه يشغل حيزًا كبيرًا في دواخلهما، وليس له أدنى تأثير في خلق هُويتيهما، فيترعرعان وحيدين، ويتعلمان استخدام مختلف الأسلحة وفنون القتال، حتى تقع الحادثة التي يعرفان بها والدهما. 


ختامًا، إنَّ البناء النفسي والهوياتي للشخصيات في الأوديسة أنضج وأعمق وأتقن من شخصيات الرامايانا، وقد يعود السبب في هذا -باحتمال كبير- إلى كون النسخة مختصرة بإيجاز، رغم محاولتي أن أبني صورة دقيقة بقدر الإمكان عن الرامايانا مما يساعدني على تفادي الخطأ والنقص في القراءة والشطط في الرؤية المُدركة والنافذة للعمل قدر الإمكان. 

ولي عودة بإذن الله  إلى ملحمة الرامايانا بعد أن أحصل على ترجمة جديدة غير مختصرة.   



الأوديسة - ديريك والكوت

 


العودة إلى إيثاكا كما خطَّها والكوت، لكنها عودة في قالب مختلف لأوديسيوس الذي غاب عشرين عاما ما بين حرب طروادة والتيهان في البحر، مقدمًا ملحمة الأوديسة في مسرحية من فصلين، جزئي الملحمة الرئيسين: رحلة العودة، وأوديسيوس في إيثاكا. 

تبدأ المسرحية بمشهد الآخيين على سواحل طروادة بعد حرقها واستعدادهم للمغادرة إلى أرض الوطن، وهكذا تبدأ رحلة أوديسيوس الجديدة، وهي إن تخرج عن الخطوط الرئيسة لملحمة هوميروس لكن والكوت قد قولبها بما يناسب النص الجديد فحذف بعض الأحداث وغيَّر في أخرى، ومع ذلك فقد بقي الجو الملحمي حاضرًا لكنه جو تشوبه سمة الفكاهة والسخرية. 

تبدو الشخصيات أكثر وعيًا بدورها وبما تفعله في أحداث الملحمة، لذا فهي صريحة أكثر من شخصيات هوميروس ويغلب عليها المباشرة والتعبير عن الأفكار التي كانت تراودها في الملحمة تقريبا، لنقف أمام شخصيات هي نوع من شخصية فوق شخصية، فشخصيات والكوت التي انبثقت من شخصيات هوميروس كانت ذات شفافية أعلى وواقعية أكثر. وعمل والكوت على نزع الهالة التقديسية التي لفَّها هوميروس حول كل شخصية وفي مقدمتهم أوديسيوس وبينلوبي وتيليماكوس، فهم بشريون أكثر من السابق، وقريبون من ذواتهم بعيدًا عن أي سمات خارقة أو أي ما يجعلهم في مقام أعلى من غيرهم. 

أضفى والكوت لمسته الخاصة في المسرحية من خلال إعادة صياغة شخصيات الأوديسة لكنه خَلْقٌ جديد يقربها من المتلقي من جهة، ومن جهة أخرى فهو يسعى إلى تفكيك هذا العمل الذي يمثل جزءًا من الترسانة الأولى للآداب الغربية المُستعمِرة لموطنه جزيرة سانت لوسيا في الكاريبي، وتلقاها في صغره من أمه ناظرة المدرسة، لذلك فكثيرًا ما حملت أعماله تلك العلاقة المتأزمة ما بين المُستعمِر والمستعمَر، وتشكل الهُوية الكاريبية، والانعتاق من الهيمنة الغربية. 

إنَّ عملية التفكيك للأوديسة وإعادة صياغتها هي نوع من المقاومة التي من خلالها يثبت والكوت السانت لوسيّ مقدرته، مقدرة التابع، على استيعابه لإنتاج الآخر الأدبي وبدلًا من تلقيه فقط فهو يتلقاه ويفهمه ويفككه ويعيد تركيبه وإرساله مجددًا إلى الآخر بحلة مخلتفة، وهذه النسخة الجديدة ليست النسخة التي تعوَّد الآخر عليها بل هي نسخة شخص غير أوروبي، مُستعمَر. وفي خضمِّ هذا المسعى جرَّد الأوديسة مع سلطانها وشخصياتها من مقامها الرفيع، وأضفى عليها الحس الهزلي، في نوع من البارودية (المحاكاة الساخرة). 

لم يسعَ والكوت في نصه المسرحي خلف إثبات رأيه في أحداث معينة في الأوديسة أو الدفاع عن شخصيات محددة كما فعلت مارغريت أتوود في نصها البينلوبية أو حتى إعادة الصياغة من أجل الكتابة الجديدة للنص، بل إلى تجسيد فهمه للأوديسة وشخصياتها لكنه فهم اقترن بالنتيجة التي ستظهر فيها داخل النص الجديد ومراميه المتداخلة مع تصوير العلاقة بينه وبين تلقيه لآداب الآخر، وأوضحها أكثر في ملحمته الشعرية أوميروس. 

ولا أغفل في الختام عن ذكر اللغة البديعة والبلاغية التي كتب بها والكوت النص، فهي لغة شعرية رقيقة وحكيمة، وصاغ الحوارات بين الشخصيات صياغةً حاذقة ذات جودة لا يُخطئها حس، تزيد من جودتها لمسة الهزلية في هذا النص. 


Quotes: 



Troy's wind has touched every 

island with its ashes. 

**

- How could a mere mortal break from immortal arms?

- Because that beach was shadowed by another's ghost. 

- Whose?

- His wife's. The raft is ready. The moment comes. 

**


- But his name, Odysseus, rivetted in Stars. 

- He prefers to kindle the lamps in his own house. 

**


Odysseus and Telemachus (They don't know each other yet). 


Od

And where're you from, young man?


Tel

I'm from where everybody comes from. From my home.


Od

And where's that? I said, 'Where is that?'


Tel

Look, man, it's late. 


Od

It's never to late, youngster.


Tel

So, Where are you from?


Od

From home, as well.


Tel

Then we're both from the same place. Great. 

(He exits)

**

الجمعة، 2 أبريل 2021

أربع قصائد لرونالد ستوارت توماس

ترجمة: مؤمن الوزان.


 "تمثيل"-*


كوني غيرَ حكيم كفايةً في تزوِّجِها

لم أعرف قط حينما لم تكن تُمثِّل.

أحبُّكَ ستقول؛ سمعتُ الحضور يتنهدون.

أكرهُكَ لم أكُ متأكدًا قطُ أنهم ما زالوا هناك.

كانت رائعة، محضَُ مرآة أنا تزيَّنتْ قُبالتها.

تزوَّجتُ مرجَ جسدها المتموِّجَ.

وتحدِّق أعينهم ليلًا إليه.   


وحيدةٌ هي الآن فوق منصة نَفْسها الهشَّة

تُؤدي دورها الأخير.

مثاليٌ! وليس له في كل مسيرتها نظير. 

متميزةٌ كانتْ، ثم أُسدلتْ الستارة. 

وخرجت بهجتي من خلفها لتصفِّق

اُنظر، وأنا أيضًا أصفِّق. 

* Acting.

________


"ساكنو الغابة"*


رجالٌ بالكاد اعتدلوا من وضعيتهم في الرَّحِم،

عراةٌ. رؤوسٌ محنيّةٌ ليست في صلاة،

بل في تأملِ الأرض التي أتوا منها، 

أرضٌ أرضعتهم الحليبَ البنيْ

الذي العظامَ لا المخَ يبني.


من ناداهم أن يمشوا إلى الأمام في الضوء الأخضر، 

وأفكارهم في الظُلمة؟ 

تحمل نساؤهم -مَن لسنَ مادونا- أطفالًا على الثدي بالاستقامة،

كوجوه المسيح التي مزَّقها الزمن في لوحة سيد فلورنسي. 


يحضِّر المحاربون السمَّ بعنايةِ مَحَبَّةٍ

لكلَّ سبستيانيَّ- فوق سهامهم. 

ما من ربِّ لهم، 

يتبعون تناقضاتِ طقس ٍينصُّ

لا بد لحياة أن تفنى حتى تحيا أخرى

ويرتدون الزهور في شَعرهم. 

* Forest Dwellers.

______


السجين"*


قصائدُ من سجنٍ! عمَّ؟

الحياةُ والرَّبُّ الرَّبُّ في سجنِ؟

إنك تعبثُ معي يا صديقي.

وجهُهُ -ربما- عند القضبان 

يتلاشى مثلُ الحياة


دخلَ السجنَ يسعى معه السجَّان

أيُّ مكانٍ آخرَ 

نبعت منه قسوة الإنسان،

لكن أعليه قهرُ معرفة الإحسان؟ 


وبعدها الضرباتُ، 

إذ كان الربُّ مُعذِّبًا الحبيبا!

فمن الأكثرُ بينهما نعيما 

أواهبُ الضرباتِ أم مَن لها مستجيبا؟


في الخارج الحال نفسها 

قضبان وجدران،

فأزل من بصيرتك قذاها.

ربٌّ خفي! 

ننهبُ السمواتِ، 

والمسافةُ بين النجوم-

آخرُ مواضعَ في السجن نراها،    

مَخبأُه في لحمٍ وعظم               

      

أنت تؤمنُ، إذن؟

القصائدُ شاهدهْ 

إذا تقلَّصَ عالمُهْ 

لانبغى ولادة رؤية أكبرَ 

لا تخلو من مروجٍ 

ولا عيون حيوانٍ 

كالزجاجِ مجرَّدهْ

وبالربِّ تتصلُ. 

على حيطان زنزانة عاريهْ

يراقبُ الظالمُ تقلص ظلِّه البشري

عند انسحابه من الضوء 

* The Prisoner

_______

"مشاهد"*


عصر بدائي 


وحوشٌ تقومُ من وحلٍ أخضرَ- 

بلدٌ أميٌّ، غيرُ قادرٍ على قراءة اسمه.

تحركتْ صخورٌ نحو موضع في ضُهورِ التلال؛

أفاعٍ تضعُ بيوضها في ظلال الصخور الباردة. 

عانت الأرضُ من شظايا السماء، 

نزفتْ صفراءَ على البحر الهائج.

تدلّى القمرُ بثقلٍ ليلًا

فوق الغابات المرتفعة. 

سطَّعت أسلاف النمور مخالبها. 

أصواتٌ كما صدرت هناك  

من تمزيقِ الأقوى القوي. 

أمال الفجرُ مرآةً غيرَ مصقولة

لعقلٍ متحجّرٍ لينظرَ إلى ذاته دون إدراك. 



حجري حديث 


لن أكون هنا، 

والسبيلُ التي تمضي فيها الأشياء الآن

لا رغبة لديها في الاستمرار. 

لا تدور العجلات أسرعَ ممن يجرّها.  

تلك الأرضُ مرئيةٌ

فوق البحر في طقسٍ صحو، 

 يقولون سنصل هناك قريبًا

ونحوزُ عليها. ثُمَّ ماذا؟ 

مزيدٌ من الفدانات لنزرعها

ولا أسواقَ للمحاصيل.


لم يعد الشبابُ ما كانوا، 

متبسِّمون في كَنفِ الأحشاء. 

ويعتقدُ بعضٌ سيكون ثمة بعثٌ. 

لا أومن بذلك.  

فهذه الموسيقى المقتَّطعةُ حلَّت لتبقى. 

وتنفُّسُ مزامير الطبيعة  

كان لإلهٍ مغاير. 

تخيَّل 

اعتمادٌ على مِعى ظربان 

لمصاحبة عبادة امرئ!  

حضرتُ قربان اللغة  

ذاك الطقس الذي يُحبه القساوسة،

وشعرتُ أنَّ التيَّار كان مغادرة الإله.

أعتقد لن يتبقَّى شيء يوما ما

سوى العودة إلى المكان الذي أتيت منه

وأُدثِّر نفسي بذكرى كيف كنت شابًا فيما مضى

تحت عهد الإله الذي لم يُعطَ لأحمقَ.


مسيحي 


كانوا ملتحين

مثلّ البحر الذي وصلت منه؛

رنَّتْ أجراسٌ حجريّة مناديةً

سامعيها الأحجار


تلائمهم زنازينهم مثل كفنٍ. 

تتسرب منهم صلواتهم،  

أزهارٌ رقيقة حيث تنمو الأعشاب.

تكسَّرَ خبزُهم الجافُ مثل عظم

خمرٌ في الكأس-

مرآةٌ ملطَّخة بالدم لينظر الخُطاة إليها

بعينٍ واحدةٍ مغلقة،

ويرون أنفسهم مغفورًا لهم.  


قروسطي 

 

كُنتُ شاعرَ مولاي

أُنشد مرارًا بعذوبة

ما ارتُكبَ بدمويّة. 


سكنَّا في وادٍ؛

لم يحظَ مولاي بمولاةٍ.

وكان الجَّاهُ أُفقنا. 


في ربيع العام، 

حملت الرياحُ أخبارَ 

جمالِ امرأةٍ.


ما زالت عيناها حَجَرين 

وسطَ شعرها الناعم المتموِّج. 

وكان صوتُها حَسَدَ الطُّيور. 


شننا غزوة شجاعة؛

كانت الخِّطبة مهتاجة.

وعُدنا وحيدين.


أنشد لي، قال مولاي.

أشيائي قربَ منزلي:

صقوري، وخيولي.


أنشدتُ، وأنصتَ. 

من نار صُنعَ قيثاري

ومثل الشرار تدفقت نغماتي

من روح سِندانه. 


في الغدِ -وعدَ- 

سننطلقُ مجددا.


حداثي 


وحدائقُ دينورويغ** الهشّة، 

عميقة في بتلات أزهار صخورها المتساقطة:

مثل خريفِ أناسٍ! 

يرقدُ ربيعهم في مصباح زجاجي،

أمُستعدٌّ لُيبهرنا بإشراقه؟


أحضرْ فتيات المستقبل الراقصات، 

الأبراج المتمايلة

بشعورها المعدنيَّة المندفعة باتجاه إنجلترا. 


* perspectives.

** وادٍ في ويلز.  


مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...