الاثنين، 14 يونيو 2021

ملخص ملحمة أنشودة الضباب "أنشودة النيبلونغ".



تتكون ملحمة أنشودة الضباب من قسمين رئيسين موزعين في تسعة وثلاثين فصلا، يبدأ القسم الأول من الفصل الأول وينتهي بالفصل التاسع عشر، والقسم الثاني من الفصل العشرين وحتى الفصل الأخير، التاسع والثلاثين. 

يتناول النصف الأول من الملحمة قصة سيغفريد وحبه لكريمهيلد وحياته مع البورغانديين في مملكة فورمز. كان سيغفريد فارسًا شجاعا وبطلا باسلًا، فقد ذهب إلى أرض الأقزام، نيبلونغلاند، وقتل هناك التنين الحامي لكنزهم واستحمَّ بدمائه التي منحت جسده الصلابة فلا يخترقه أيُّ سلاح عدا موضعٍ في عظم الكتف إذ سقطت على ظهره ورقة شجرة أثناء استحمامه ومنعته من تحصين جسده بالكامل، وحاز بعدها على العباءة السحرية من القزم ألبيرخ، واستطاع الاستحواذ على كنز الأقزام العظيم، لينال بذلك قوًى خارقة زادت من شجاعته وعلو كعبه على خصومه فأصبحَ بطلا لا يُهزم في قتال ولا يُشقُّ له في ميدانٍ غُبار، إضافة إلى ما تمتَّع به من جمال وعظمة ونسب رفيع إذ كان أميرًا ابن الملك سيغموند وعلى وشكِ أن يتوَّج ملكًا على مملكة النيدرلاند خلفًا لأبيه لكنه يسمع عن كريمهيلد ويقع حبه في قلبها فيرحل مع فرسانه إلى مملكة فورمز ويكوِّن صداقة مع ملكها غونتر، أخ كريمهيلد، الصداقة التي أثمرت الكثير من المغامرات والتحالفات والفضائل التي قدَّمها سيغفريد لهم. كان أول ما قدَّمه سيغفريد لغونتر مساندته الأخير في قتال السكسون الذين أرادوا غزوا مملكة فورمز فانتصر البورغانديون على أعدائهم بفضل شجاعة سيغفريد الذي جلب ملكيْ السكسون، ليودغير وليودغاست، أسرى إلى فورمز، النصر الذي أكَّد مُلْكَ غونتر على أراضِ كثيرة وأوقف أطماع السكسون بمملكته بل واضطرَّهم على الدفع له واتقاء أذاه. لم يستطع سيغفريد طوال سنة من عيشه في مملكة فورمز من رؤية كريمهيلد لما تقتضيه أعراف الفرسان والملوك حتى تمكن رؤيتها في آخر المطاف أثناء حفل أقامه أخوها الملك، غونتر، لكن هذا لم يكن كافيًا لسيغفريد الذي رغب بزواجها، الرغبة التي شاركته إياها كريمهيلد، ولم يتسنَّ له ذلك حتى أراد غونتر الزواج من ملكة آيسلندا، برونهيلد، حين سمع بجمالها وصيتها وقوتها. استغل سيغفريد الفرصة لمعرفته السابقة ببرونهيلد ومملكتها واشترط على غونتر أن يساعده على زواج برونهيلد شرط أن يزوَّجه أخته كريمهيلد. وهكذا سافر سيغفريد رفقة غونتر وهاجِن ودانكراوت إلى آيسلندا وملكتها الحرون التي تمتَّعت بقوة خارقة تفوقت بها على أقوى الرجال، واشترطت على من يتزوجها أن يهزمها في مسابقة رمي جلمود وقذف الرمح، وبعد أن بدأت المسابقة تمكَّن سيغفريد من الانسلال والذهاب إلى سفينتهم واستخراج عبائته التي لبسها واختفى عن الأنظار وساعد بعد العودة إلى ميدان المسابقة غونتر في رمي الجلمود وقذف الرمح وهزيمة برونهيلد التي ثارت في نفسها الوساوس والشكوك من هذه الهزيمة لكنها خضعت في الأخير وتزوجت غونتر وعادت معه إلى مملكته. 

تمكَّن سيغفريد بعدها من الاقتران من كريمهيلد وتزوَّجا في اليوم نفسه الذي تزوَّج فيه غونتر وبرونهيلد، لكن زواج الأخيرين الفعليّ لم يكن ليتم لولا تدخل سيغفريد مرة أخرى، التدخل الذي سيدفع حياته ثمنًا له بعد سنوات. بقي الشك يعتلج في صدر برونهيلد من هزيمتها أمام غونتر وكذلك عن مقام سيغفريد الحقيقي فهو لا يبدو تابعًا لغونتر كما أن زواجه كريمهيلد في يوم زواجها لا يشي بأنه أدنى مقاما من غونتر، لم تسمح برونهيلد في ليلة زواجها الأولى لغونتر الاقتراب منها بل وربطته وعلَّقته في الحائط حتى مطلع الفجر ولم يستطع غونتر فعل شيء بسبب قوتها البدنية الغالبة، وحذَّرته من أن يقترب منها وما كان له إلا الطاعة والتسليم لهذا. اشتكى في اليوم التالي لسيغفريد وقصَّ له ما جرى فاقترح على غونتر مساعدته ففي انصياعه وخضوعه وهزيمته أمام برونهيلد المرأة عارٌ على كل الرجال، لذا كان لا بد عليه أن ينصر الذكورة على الأنوثة في هذا الموضع، وافق غونتر على هذه المساعدة المُخجلة لكنه اشترط على سيغفريد فعل كل شيء حتى قتلها إلا تلك الفعلة، وافق سيغفريد ولاجأ إلى عباءته المخفية مرة أخرى وبعد أن أُطفِئَتْ شموع مهجع برونهيلد تسلل سيغفريد إلى المهجع واستلقى قربها دون أن ينطق بحرفٍ حتى لا تُكشف هُويته، ثم بدأ بملامستها وتصارعا في الظلام فغلبها سيغفريد وخرج من المهجع لكنه سلب منها أثناء الصراع مِعضد ذراعها وطوق خصرها دون أن تشعر بذلك (لا يوجد تفسير مباشر في الملحمة لهذه الفعلة لكني أؤوِّل فعلته بدافع الفحولة والرجولة وإثبات بأنه من روَّض برونهيلد مرتين في القتال والفراش، في حين سبب الفعلة وفقًا للشاعر أنها نوع من الحبكة التي ستنقلبُ وبالًا عليه لاحقًا) ليدخل غونتر دون أن تنتبه برونهيلد بسبب الظلام وكان للأخير ما يكون لكل رجل من امرأته. 

عاد سيغفريد بعدها مع زوجته إلى مملكته في نيدرلاند وتوِّج ملكًا. مرت السنوات وبقي الشك يتآكل قلب برونهيلد من طبيعة العلاقة بين غونتر وسيغفريد لذا فطلبت من غونتر أن يدعو سيغفريد وكريمهيلد ليزوروهم في مملكة فورمز، حضر سيغفريد مع زوجته ووالده سيغموند وفرسانه وحاشيته إلى مملكة الراين مجددًا لكنه حضور لن يكتب له بعده الخروج منه إلا ميْتًا. 

سعتْ برونهيلد أن تكتشف مقام سيغفريد الحقيقي وهل هو تابع حقًا لغونتر، وحاولت أن تُذَّل كريمهيلد وتُعلو عليها في القَدْر والمكانة لكن الأخيرة (أخبرها سيغفريد منذ زمن طويل بسر مساعدته أخيها على برونهيلد) اشتاطت غضبًا وعيَّرتها بماضيها ووصفتها بأنه "عشيقة التابع" وطعنت في شرفها وكيف لمن مثلها أن تتزوج ملكًا؟ وأخرجت لها المِعضد مؤكدةً كلامها. أثارت هذه الإهانةُ برونهيلد فبكت وغضبت وطلبت توضيحًا لهذه التهمة من زوجها غونتر، تمَّ تلافي هذه المشكلة التي وقعت بين المرأتين ظاهريًا لكن سرعان ما تآمر غونتر وأخوته وهاجن على التخلُّص من سيغفريد لأن بقاءه على قيد الحياة سيشكِّل خطرًا عليهم كما قال هاجِن التابع الأمين لغونتر، فأشاعوا خبرًا بأن السكسون سيهجمون عليهم ليأخذوا سيغفريد معهم في قتال السكسون ويتآمروا على قتله. وقبل الانطلاق إلى القتال ذهب هاجِن للقاء كريمهيلد وتحدَّث معها محاولًا استدراجها لمعرفة كيفية القضاء على زوجها، لكنها، وبدافعٍ حبِّها لسيغفريد وثقتها بهاجن كونه تابعَ أخيها، كشفت له نقطة ضعف زوجها وكيف يمكن للحراب أن تخترق ضلع كتفه الأيسر (أخبرها سيغفريد عن هذا السر أيضًا)، وكان كشفها هذا السر بنيّة أن يحميه هاجن من القتل إذا اشتدَّ وطيس المعركة، وطلب هاجن منها أن تُعلِّم ثيابه بعلامة صغيرة حول ذلك الموضع ليحميه. ثم صدف وأن خرج سيغفريد وغونتر وهاجن وآخرون إلى الصيد وبعد جولة طويلة من الركض وملاحقة حيوانات البرية، ذهب سيغفريد مع الآخرين لشرب الماء من نبعٍ في الغابة وعندما انحنى ليشرب استغل هاجن الفرصة وقذفه بالرمح وتسبب بموته. 

يُخاطب سيغفريد قتلته قبل موته:  


يا ثلة الجبناء السفلة

لأيّ من مآثري تقتلونني اليوم؟ 

دائما ما كنتُ مخلصًا لكم، وبهذا تجازونني!

وأسفاه! أخطأتم بحقِ نسيبكم 

ليشعرنَّ كلُّ سليلٍ يخرج من أصلابكم

في يومٍ بعارِ جريرتكم. 

أطفأتم نار غضبكم مني بما جازَ الطوقَ.

سيكلِّلكمُ العارُ ما حييتم والشنارُ 

ولن تجدوا بين خيار المحاربين موطئ قدم. 

...

لتتهللوا جذلا

لكنني لو علمتُ انحناءة الموت 

لسُهلَ عليَّ حماية حياتي منكم. 

ما آسفُ على شيء كأسفي على زوجي

كريمهيلد السيّدة.

ليرحمني الربُّ على إنجابيَ ولدا

سيعاني قادم الأيام من عار أخواله القتلة

لو أنَّ لي قوة لملكتُ أسباب الشكاية.

أيها الملكُ النبيل

لو دعتك نفسُك في يوم فعلَ مكرمةٍ

فأوصيكَ رحمةً بحبيبة قلبي

لتتشرفْ بخيرِ أنها أختُك. 

أسألك بحق كل الأمراء 

ومن وقفوا جنبها بولاء

فما من سيدة قطُ نالها ما نالت من صديقة عزيزة

وأسألك أبي وأتباعه،

فسيطول بهم أمدُ انتظاري!


يُعيد غونتر وأتابعه سيغفريد محمولًا على درع واتفقوا على أن يقولوا إنَّ من قتله لصوص كانوا في الغابة، وبعد أن وضعوه على عتبة جناح كريمهيلد التي سمعت أجراس القلعة ترنُّ معلنةً عودة زوجها والآخرين لتُصعق عند خروجها برؤية جثمان سيغفريد. وتتأكد من هوية قاتله، هاجِن، إذ هي من أرشدته إلى ذلك جهلًا منها بنيّته، فسعت منذ حينها إلى أن تثأر من قتلة زوجها، هاجِن وغونتر والبقية بمن فيهم أخواها الآخران غيرنوت وغيزلهير ودانكراوت أخو هاجِن. ترفض كريمهيلد العودة مع حميها، سيغموند، الذي عاد إلى مملكتهم، النيدرلاند، ومدينتهم زانتون. تبني كريمهيلد قصرًا لها قريبا من مملكة أخيها، وتجلب بمساعدة النيبلونغيين، الأقزام، كنزهم الذي استولى عليه زوجها بعد أن هزمهم، وكان لها ما أرادت لكن هاجِن المتآمر يتدخل مرة أخرى ويحرِّض غونتر عليها بأن يسلبَ منها كنز النيبلونغ فلو بقيت مالكة كل هذه الثروة ستسخدمه في هلاكهم وما دامت كريمهيلد حيَّة تُرزق فلن تطيب لها الحياة إلا بموتهم ولن تطيبَ حياتهم إلا بموتها، يستجيب غونتر لمشورة هاجِن التآمرية مجددًا ويأمره بأن يُلقي كنز كريمهيلد في نهر الراين. يجتمع إثر هذا عند كريمهيلد كلُّ أسباب الثأر لزوجها ونفسها وثروتها من أخيها وأتباعه، فتكنُّ لهم الضغينة وتضطرم في صدرها نار الثأر التي ما خمدت حتى تحقق ما  سعت إليه على مدى سنوات. 

*

يبدأ النصف الثاني من الملحمة بالفصل العشرين وينتهي بالفصل التاسع والثلاثين، وهو خاص بكريمهيلد ومسعاها في الثأر والانتقام من قتلة زوجها. 

قُدمتْ في النصف الأول من الملحمة لمحاتٌ عن حياة كريمهيلد وجمالها ورفعة نسبها فهي أخت ملوك وابنة ملك، رفضت الكثير ممن تقدم لخطبتها ويعود سبب الرفض هذا إلى رؤيا رأتها في منامها في صباها عن طائر بازٍ تملكه يهجم عليه صقران جارحان في السماء ويُسقطانه إلى الأرض وتضطر رغمًا عنها رؤية هذا المشهد العصيب. تؤول لها أمها الملكة أوتي هذه الرؤيا بأنَّ هذا الباز هو زوجها الذي سيُقتل في حياتها، فتعاهد كريمهيلد نفسها بألا تتزوج أبدًا وتثنيها أمها عن ذلك قائلةً بأنَّ سعادة المرأة مع الرجل. تبقى كريمهيلد عنودًا ترفض الزواج حتى جاء سيغفريد إلى مملكتها، وبقية القصة حتى قتله مذكورة آنفا. بعد أن تفقد كريمهيلد زوجها وتُسلب ثروتها تعيش حياتها في قهرٍ وحُزنٍ على حالها ولم تنفرج الأمور معها حتى عَلِمَ بها ملك هنغاريا إتزل، ورغب بزواجها بعد وفاة زوجته الملكة هيلتشه. أرسلَ إتزل مبعوثه روديغر طالبًا زواجها من أخيها الملك غونتر، لكن لم يكن هذه المرة لغونتر من سلطان على أخته في أن يزوِّجها من يرغب به، وبعد أخذ ولأي وحوار ما بين كريمهيلد وروديغر الذي وعدها بأراضٍ كبيرة ستكون تحت سلطانها وقلاع وفرسان سيتمثلون لأمرها، ووعدها بأنه سينفِّذ ما ستطلبه منه؛ الوعد الذي سيفقد حياته عندما يبرُّ به مكرهًا ومجبرًا. لم تقبل كريمهيلد عرض الزواج هذا لأنها رأت حياتها قد انتهت بوفاة سيغفريد وما يبقيها راغبةً بالحياة هو الثأر والانتقام من قتلة زوجها، لكنها وجدت في قبولها زواج إتزل وسيلة سانحة للانتقام. يُقحم هاجِن نفسه مرة أخرى مُبديًا رجاحة رأيه ونفاذ بصيرته بشأن كريمهيلد ويعارض زواجها ويطلب من الملك غونتر ألا يسمح بمثل هذه الزيجة لأنها ستعود عليهم بالهلاك وأن نهايتهم ستكون إثر هذا الزواج. يرفض غونتر هذه المرة أن يستجيب لنصيحة تابعه الملك هاجن لأنَّهم قد ظلموا أختهم كثيرًا بقتلها زوجها ثم سلبها كنزها ورميه في الراين. وافقت كريمهيلد في آخر المطاف على عرض الزواج ورحلت مع مبعوثي إتزل إلى هنغاريا حيث استقبلها ملكها الوثني، الذي لم تشكِّل ديناته عائقًا كبيرًا لها وهي المسيحية رغم رفضها الأول لأن روديغر أشاد بإتزل وتعاليمه واحترامه للمسيحية كما أنَّ بلاط الملك هو ملتقى الوثنية والمسيحية وأن فرسان وأبطال المعتقدين سيكونون أتباعًا مخلصين لها. عاشت كريمهيلد بضع سنواتٍ مع إتزل وأنجبت له ولدًا وما انطفأت نار الثأر في صدرها وارتأت قرب ميعاد تنفيذ هذا الثأر فاحتالتْ على زوجها إتزل وطلبت منه أن يدعو إخوتها الملوك لزيارة هنغاريا ويشاركوا في احتفالية منتصف الصيف، ليرسل بعدها إتزل مبعوثيه إلى مملكة فورمز داعيين غونتر وأتباعه إلى زيارته وحضور احتفالية منتصف الصيف التي يُقيمها. كانت المسافة بين فورمز وهنغاريا كبيرة وبَعُدتْ الشُّقَّة عليهم لكنهم لم يستطيعوا أن يرفضوا دعوة واحد من أعظم الملوك في البلاد. تدخَّل هاجِن هذه المرة أيضًا وقال بأنَّ هذه الدعوة خدعة ومكيدة من كريمهيلد تخطط فيها للتآمر عليهم وقتلهم وأن سفرهم إلى هنغاريا يعني موتهم، وإن كان لا بد من تلبية الدعوة فلا بد أن يأخذوا معهم أشجع الفرسان ويتسلَّحوا بكامل شِكَّةِ الحرب لأنهم إذا دخلوا هنغاريا فلن يخرجوا منها أحياء أبدًا، وهذا ما حدث بالفعل.      

يصلُ ملوك فورمز وملوكها إلى هنغاريا بعد رحلة عصيبة ويستقبلهم باحتفاء الملك إتزل وزوجه كريمهيلد التي بيَّتتْ على قتلهم جميعًا مهما كلَّف الأمر. لم يتخلَّ البروغانيديون عن أسلحتهم ودروعهم أثناء وجودهم في قاعات قصر الملك ولا مهاجعهم وبقوا ممتثلين لنصيحة هاجن ومستعدين للقتال في أي لحظة، السلوك الذي لم يُرض الملك إتزل وتقبَّله على مضض، لكنه لم يكن على علم بما خططته له زوجته وكان احتفاؤه بضيوفه صادقًا وخالصًا من كل مكيدة ودسيسة حيكت ضدهم. فشهدت هذه الأيام قتالًا شديدًا ومعاركَ ضروسًا ابتدأت من معركة المهاجع حين هاجم الهنغاريون بأمر من كريمهيلد مهاجع البروغانديين فهُزم المهاجمون الذين بقوا يترافدون فيلقًا تلو آخر قبل أن يتمكن دانكراوت من الفرار من المهاجع ويصل إلى القاعة التي اجتمع فيها غونتر وأخواه، غيرنوت وغيزلهير، وهاجِن والبقية، فنشبت في هذه القاعة أشرس المعارك في كل الملحمة وأشدَّها ضراوة. فدفعت كريمهيلد الفرسان تلو الفرسان نحو حتفهم ولقي القائد إثر الآخر مصيرهم المحتوم على سيوف البروغانديين، ولما رأت كيف أن مسعاها لم يتحقق بموت إخوتها وهاجن أمرت بإضرام النار في القاعة ومع ذلك فلم تتضعضع عزيمة البروغانديين الذين بدأوا بالتساقط واحدًا تلو الآخر، ثم بعثت روديغر رغمًا عنه للقتال في القاعة. قتل خلقٌ كثير في هذه المعارك لأجل كريمهيلد وثأرها الذي نالته في الأخير عندما أُسر آخر رجلين متبقيين وهما غونتر وهاجن على يد ديتريتش فأمرت بحبس هاجن وأمرت بقتل أخيها وقُطع رأسه فحملتها وذهبت بها إلى هاجن وطلبت منه أن يقول لها أين ذهب بكنزها لكنه رفض أن يكشف لها ذلك فضربته بسيف سيغفريد وقتلته وثأرت لنفسها وزوجها من أهلها الذين قتلوه. لكن هيلديبراند، تابع ديتريتش، عندما رآها تقتل هاجن استهجن ذلك ورفض قائلًا: "وأسفاه أن يُقتلَ أفضلُ الفرسان وأعظمُ من حملَ درعًا في معركة على يد امرأة! لقد كنتُ عدوَّه وسبَّب لي أكمدَ الأحزان، لكنِك لن تهنأي بتجرؤكِ على قتله مهما كلَّفني الأمر. ولن يردعني ما سببه لي من آلام ومخاطر عن الثأر لموت سيّد ترونيك الشجاع!" ثم ينطُّ على كريمهيلد ويقتلها لتنتهي بذلك قصة حياة كريمهيلد وملحمة أنشودة الضباب. وكما يقول شاعرها: 

وانتهت احتفالية الملك السامية بالأحزان، 

كأي بهجةٍ تتحولُ أبدًا في النهاية إلى أحزان. 


مختصر قصة كريمهيلد في ملحمة "أنشودة الضباب"

 يبدأ النصف الثاني من ملحمة "أنشودة الضباب" بالفصل العشرين وينتهي بالفصل التاسع والثلاثين، وهو خاص بكريمهيلد ومسعاها في الثأر والانتقام من قتلة زوجها. 

قُدمتْ في النصف الأول من الملحمة لمحاتٌ عن حياة كريمهيلد وجمالها ورفعة نسبها فهي أخت ملوك وابنة ملك، رفضت الكثير ممن تقدم لخطبتها ويعود سبب الرفض هذا إلى رؤيا رأتها في منامها في صباها عن طائر بازٍ تملكه يهجم عليه صقران جارحان في السماء ويُسقطانه إلى الأرض وتضطر رغمًا عنها رؤية هذا المشهد العصيب. تؤول لها أمها الملكة أوتي هذه الرؤيا بأنَّ هذا الباز هو زوجها الذي سيُقتل في حياتها، فتعاهد كريمهيلد نفسها بألا تتزوج أبدًا وتثنيها أمها عن ذلك قائلةً بأنَّ سعادة المرأة مع الرجل. تبقى كريمهيلد عنودًا ترفض الزواج حتى جاء سيغفريد إلى مملكتها، وبقية القصة حتى قتله مذكورة آنفا. بعد أن تفقد كريمهيلد زوجها وتُسلب ثروتها تعيش حياتها في قهرٍ وحُزنٍ على حالها ولم تنفرج الأمور معها حتى عَلِمَ بها ملك هنغاريا إتزل، ورغب بزواجها بعد وفاة زوجته الملكة هيلتشه. أرسلَ إتزل مبعوثه روديغر طالبًا زواجها من أخيها الملك غونتر، لكن لم يكن هذه المرة لغونتر من سلطان على أخته في أن يزوِّجها من يرغب به، وبعد أخذ ولأي وحوار ما بين كريمهيلد وروديغر الذي وعدها بأراضٍ كبيرة ستكون تحت سلطانها وقلاع وفرسان سيتمثلون لأمرها، ووعدها بأنه سينفِّذ ما ستطلبه منه؛ الوعد الذي سيفقد حياته عندما يبرُّ به مكرهًا ومجبرًا. لم تقبل كريمهيلد عرض الزواج هذا لأنها رأت حياتها قد انتهت بوفاة سيغفريد وما يبقيها راغبةً بالحياة هو الثأر والانتقام من قتلة زوجها، لكنها وجدت في قبولها زواج إتزل وسيلة سانحة للانتقام. يُقحم هاجِن نفسه مرة أخرى مُبديًا رجاحة رأيه ونفاذ بصيرته بشأن كريمهيلد ويعارض زواجها ويطلب من الملك غونتر ألا يسمح بمثل هذه الزيجة لأنها ستعود عليهم بالهلاك وأن نهايتهم ستكون إثر هذا الزواج. يرفض غونتر هذه المرة أن يستجيب لنصيحة تابعه الملك هاجن لأنَّهم قد ظلموا أختهم كثيرًا بقتلها زوجها ثم سلبها كنزها ورميه في الراين. وافقت كريمهيلد في آخر المطاف على عرض الزواج ورحلت مع مبعوثي إتزل إلى هنغاريا حيث استقبلها ملكها الوثني، الذي لم تشكِّل ديناته عائقًا كبيرًا لها وهي المسيحية رغم رفضها الأول لأن روديغر أشاد بإتزل وتعاليمه واحترامه للمسيحية كما أنَّ بلاط الملك هو ملتقى الوثنية والمسيحية وأن فرسان وأبطال المعتقدين سيكونون أتباعًا مخلصين لها. عاشت كريمهيلد بضع سنواتٍ مع إتزل وأنجبت له ولدًا وما انطفأت نار الثأر في صدرها وارتأت قرب ميعاد تنفيذ هذا الثأر فاحتالتْ على زوجها إتزل وطلبت منه أن يدعو إخوتها الملوك لزيارة هنغاريا ويشاركوا في احتفالية منتصف الصيف، ليرسل بعدها إتزل مبعوثيه إلى مملكة فورمز داعيين غونتر وأتباعه إلى زيارته وحضور احتفالية منتصف الصيف التي يُقيمها. كانت المسافة بين فورمز وهنغاريا كبيرة وبَعُدتْ الشُّقَّة عليهم لكنهم لم يستطيعوا أن يرفضوا دعوة واحد من أعظم الملوك في البلاد. تدخَّل هاجِن هذه المرة أيضًا وقال بأنَّ هذه الدعوة خدعة ومكيدة من كريمهيلد تخطط فيها للتآمر عليهم وقتلهم وأن سفرهم إلى هنغاريا يعني موتهم، وإن كان لا بد من تلبية الدعوة فلا بد أن يأخذوا معهم أشجع الفرسان ويتسلَّحوا بكامل شِكَّةِ الحرب لأنهم إذا دخلوا هنغاريا فلن يخرجوا منها أحياء أبدًا، وهذا ما حدث بالفعل.      

يصلُ ملوك فورمز وملوكها إلى هنغاريا بعد رحلة عصيبة ويستقبلهم باحتفاء الملك إتزل وزوجه كريمهيلد التي بيَّتتْ على قتلهم جميعًا مهما كلَّف الأمر. لم يتخلَّ البروغانيديون عن أسلحتهم ودروعهم أثناء وجودهم في قاعات قصر الملك ولا مهاجعهم وبقوا ممتثلين لنصيحة هاجن ومستعدين للقتال في أي لحظة، السلوك الذي لم يُرض الملك إتزل وتقبَّله على مضض، لكنه لم يكن على علم بما خططته له زوجته وكان احتفاؤه بضيوفه صادقًا وخالصًا من كل مكيدة ودسيسة حيكت ضدهم. فشهدت هذه الأيام قتالًا شديدًا ومعاركَ ضروسًا ابتدأت من معركة المهاجع حين هاجم الهنغاريون بأمر من كريمهيلد مهاجع البروغانديين فهُزم المهاجمون الذين بقوا يترافدون فيلقًا تلو آخر قبل أن يتمكن دانكراوت من الفرار من المهاجع ويصل إلى القاعة التي اجتمع فيها غونتر وأخواه، غيرنوت وغيزلهير، وهاجِن والبقية، فنشبت في هذه القاعة أشرس المعارك في كل الملحمة وأشدَّها ضراوة. فدفعت كريمهيلد الفرسان تلو الفرسان نحو حتفهم ولقي القائد إثر الآخر مصيرهم المحتوم على سيوف البروغانديين، ولما رأت كيف أن مسعاها لم يتحقق بموت إخوتها وهاجن أمرت بإضرام النار في القاعة ومع ذلك فلم تتضعضع عزيمة البروغانديين الذين بدأوا بالتساقط واحدًا تلو الآخر، ثم بعثت روديغر رغمًا عنه للقتال في القاعة. قتل خلقٌ كثير في هذه المعارك لأجل كريمهيلد وثأرها الذي نالته في الأخير عندما أُسر آخر رجلين متبقيين وهما غونتر وهاجن على يد ديتريتش فأمرت بحبس هاجن وأمرت بقتل أخيها وقُطع رأسه فحملتها وذهبت بها إلى هاجن وطلبت منه أن يقول لها أين ذهب بكنزها لكنه رفض أن يكشف لها ذلك فضربته بسيف سيغفريد وقتلته وثأرت لنفسها وزوجها من أهلها الذين قتلوه. لكن هيلديبراند، تابع ديتريتش، عندما رآها تقتل هاجن استهجن ذلك ورفض قائلًا: "وأسفاه أن يُقتلَ أفضلُ الفرسان وأعظمُ من حملَ درعًا في معركة على يد امرأة! لقد كنتُ عدوَّه وسبَّب لي أكمدَ الأحزان، لكنِك لن تهنأي بتجرؤكِ على قتله مهما كلَّفني الأمر. ولن يردعني ما سببه لي من آلام ومخاطر عن الثأر لموت سيّد ترونيك الشجاع!" ثم ينطُّ على كريمهيلد ويقتلها لتنتهي بذلك قصة حياة كريمهيلد وملحمة أنشودة الضباب. وكما يقول شاعرها: 

وانتهت احتفالية الملك السامية بالأحزان، 

كأي بهجةٍ تتحولُ أبدًا في النهاية إلى أحزان.


الأحد، 13 يونيو 2021

مختصر قصة سيغفريد في ملحمة "أنشودة الضباب"

 


تتكون ملحمة "أنشودة الضباب" من قسمين رئيسين موزعين في تسعة وثلاثين فصلا، يبدأ القسم الأول من الفصل الأول وينتهي بالفصل التاسع عشر، والقسم الثاني من الفصل العشرين وحتى الفصل الأخير، التاسع والثلاثين. 

يتناول النصف الأول من الملحمة قصة سيغفريد وحبه لكريمهيلد وحياته مع البورغانديين في مملكة فورمز. كان سيغفريد فارسًا شجاعا وبطلا باسلًا، فقد ذهب إلى أرض الأقزام، نيبلونغلاند، وقتل هناك التنين الحامي لكنزهم واستحمَّ بدمائه التي منحت جسده الصلابة فلا يخترقه أيُّ سلاح عدا موضعٍ في عظم الكتف إذ سقطت على ظهره ورقة شجرة أثناء استحمامه ومنعته من تحصين جسده بالكامل، وحاز بعدها على العباءة السحرية من القزم ألبيرخ، واستطاع الاستحواذ على كنز الأقزام العظيم، لينال بذلك قوًى خارقة زادت من شجاعته وعلو كعبه على خصومه فأصبحَ بطلا لا يُهزم في قتال ولا يُشقُّ له في ميدانٍ غُبار، إضافة إلى ما تمتَّع به من جمال وعظمة ونسب رفيع إذ كان أميرًا ابن الملك سيغموند وعلى وشكِ أن يتوَّج ملكًا على مملكة النيدرلاند خلفًا لأبيه لكنه يسمع عن كريمهيلد ويقع حبه في قلبها فيرحل مع فرسانه إلى مملكة فورمز ويكوِّن صداقة مع ملكها غونتر، أخ كريمهيلد، الصداقة التي أثمرت الكثير من المغامرات والتحالفات والفضائل التي قدَّمها سيغفريد لهم. كان أول ما قدَّمه سيغفريد لغونتر مساندته الأخير في قتال السكسون الذين أرادوا غزوا مملكة فورمز فانتصر البورغانديون على أعدائهم بفضل شجاعة سيغفريد الذي جلب ملكيْ السكسون، ليودغير وليودغاست، أسرى إلى فورمز، النصر الذي أكَّد مُلْكَ غونتر على أراضِ كثيرة وأوقف أطماع السكسون بمملكته بل واضطرَّهم على الدفع له واتقاء أذاه. لم يستطع سيغفريد طوال سنة من عيشه في مملكة فورمز من رؤية كريمهيلد لما تقتضيه أعراف الفرسان والملوك حتى تمكن رؤيتها في آخر المطاف أثناء حفل أقامه أخوها الملك، غونتر، لكن هذا لم يكن كافيًا لسيغفريد الذي رغب بزواجها، الرغبة التي شاركته إياها كريمهيلد، ولم يتسنَّ له ذلك حتى أراد غونتر الزواج من ملكة آيسلندا، برونهيلد، حين سمع بجمالها وصيتها وقوتها. استغل سيغفريد الفرصة لمعرفته السابقة ببرونهيلد ومملكتها واشترط على غونتر أن يساعده على زواج برونهيلد شرط أن يزوَّجه أخته كريمهيلد. وهكذا سافر سيغفريد رفقة غونتر وهاجِن ودانكراوت إلى آيسلندا وملكتها الحرون التي تمتَّعت بقوة خارقة تفوقت بها على أقوى الرجال، واشترطت على من يتزوجها أن يهزمها في مسابقة رمي جلمود وقذف الرمح، وبعد أن بدأت المسابقة تمكَّن سيغفريد من الانسلال والذهاب إلى سفينتهم واستخراج عبائته التي لبسها واختفى عن الأنظار وساعد بعد العودة إلى ميدان المسابقة غونتر في رمي الجلمود وقذف الرمح وهزيمة برونهيلد التي ثارت في نفسها الوساوس والشكوك من هذه الهزيمة لكنها خضعت في الأخير وتزوجت غونتر وعادت معه إلى مملكته. 

تمكَّن سيغفريد بعدها من الاقتران من كريمهيلد وتزوَّجا في اليوم نفسه الذي تزوَّج فيه غونتر وبرونهيلد، لكن زواج الأخيرين الفعليّ لم يكن ليتم لولا تدخل سيغفريد مرة أخرى، التدخل الذي سيدفع حياته ثمنًا له بعد سنوات. بقي الشك يعتلج في صدر برونهيلد من هزيمتها أمام غونتر وكذلك عن مقام سيغفريد الحقيقي فهو لا يبدو تابعًا لغونتر كما أن زواجه كريمهيلد في يوم زواجها لا يشي بأنه أدنى مقاما من غونتر، لم تسمح برونهيلد في ليلة زواجها الأولى لغونتر الاقتراب منها بل وربطته وعلَّقته في الحائط حتى مطلع الفجر ولم يستطع غونتر فعل شيء بسبب قوتها البدنية الغالبة، وحذَّرته من أن يقترب منها وما كان له إلا الطاعة والتسليم لهذا. اشتكى في اليوم التالي لسيغفريد وقصَّ له ما جرى فاقترح على غونتر مساعدته ففي انصياعه وخضوعه وهزيمته أمام برونهيلد المرأة عارٌ على كل الرجال، لذا كان لا بد عليه أن ينصر الذكورة على الأنوثة في هذا الموضع، وافق غونتر على هذه المساعدة المُخجلة لكنه اشترط على سيغفريد فعل كل شيء حتى قتلها إلا تلك الفعلة، وافق سيغفريد ولاجأ إلى عباءته المخفية مرة أخرى وبعد أن أُطفِئَتْ شموع مهجع برونهيلد تسلل سيغفريد إلى المهجع واستلقى قربها دون أن ينطق بحرفٍ حتى لا تُكشف هُويته، ثم بدأ بملامستها وتصارعا في الظلام فغلبها سيغفريد وخرج من المهجع لكنه سلب منها أثناء الصراع مِعضد ذراعها وطوق خصرها دون أن تشعر بذلك (لا يوجد تفسير مباشر في الملحمة لهذه الفعلة لكني أؤوِّل فعلته بدافع الفحولة والرجولة وإثبات بأنه من روَّض برونهيلد مرتين في القتال والفراش، في حين سبب الفعلة وفقًا للشاعر أنها نوع من الحبكة التي ستنقلبُ وبالًا عليه لاحقًا) ليدخل غونتر دون أن تنتبه برونهيلد بسبب الظلام وكان للأخير ما يكون لكل رجل من امرأته. 

عاد سيغفريد بعدها مع زوجته إلى مملكته في نيدرلاند وتوِّج ملكًا. مرت السنوات وبقي الشك يتآكل قلب برونهيلد من طبيعة العلاقة بين غونتر وسيغفريد لذا فطلبت من غونتر أن يدعو سيغفريد وكريمهيلد ليزوروهم في مملكة فورمز، حضر سيغفريد مع زوجته ووالده سيغموند وفرسانه وحاشيته إلى مملكة الراين مجددًا لكنه حضور لن يكتب له بعده الخروج منه إلا ميْتًا. 

سعتْ برونهيلد أن تكتشف مقام سيغفريد الحقيقي وهل هو تابع حقًا لغونتر، وحاولت أن تُذَّل كريمهيلد وتُعلو عليها في القَدْر والمكانة لكن الأخيرة (أخبرها سيغفريد منذ زمن طويل بسر مساعدته أخيها على برونهيلد) اشتاطت غضبًا وعيَّرتها بماضيها ووصفتها بأنه "عشيقة التابع" وطعنت في شرفها وكيف لمن مثلها أن تتزوج ملكًا؟ وأخرجت لها المِعضد مؤكدةً كلامها. أثارت هذه الإهانةُ برونهيلد فبكت وغضبت وطلبت توضيحًا لهذه التهمة من زوجها غونتر، تمَّ تلافي هذه المشكلة التي وقعت بين المرأتين ظاهريًا لكن سرعان ما تآمر غونتر وأخوته وهاجن على التخلُّص من سيغفريد لأن بقاءه على قيد الحياة سيشكِّل خطرًا عليهم كما قال هاجِن التابع الأمين لغونتر، فأشاعوا خبرًا بأن السكسون سيهجمون عليهم ليأخذوا سيغفريد معهم في قتال السكسون ويتآمروا على قتله. وقبل الانطلاق إلى القتال ذهب هاجِن للقاء كريمهيلد وتحدَّث معها محاولًا استدراجها لمعرفة كيفية القضاء على زوجها، لكنها، وبدافعٍ حبِّها لسيغفريد وثقتها بهاجن كونه تابعَ أخيها، كشفت له نقطة ضعف زوجها وكيف يمكن للحراب أن تخترق ضلع كتفه الأيسر (أخبرها سيغفريد عن هذا السر أيضًا)، وكان كشفها هذا السر بنيّة أن يحميه هاجن من القتل إذا اشتدَّ وطيس المعركة، وطلب هاجن منها أن تُعلِّم ثيابه بعلامة صغيرة حول ذلك الموضع ليحميه. ثم صدف وأن خرج سيغفريد وغونتر وهاجن وآخرون إلى الصيد وبعد جولة طويلة من الركض وملاحقة حيوانات البرية، ذهب سيغفريد مع الآخرين لشرب الماء من نبعٍ في الغابة وعندما انحنى ليشرب استغل هاجن الفرصة وقذفه بالرمح وتسبب بموته. 

يُخاطب سيغفريد قتلته قبل موته:  


يا ثلة الجبناء السفلة

لأيّ من مآثري تقتلونني اليوم؟ 

دائما ما كنتُ مخلصًا لكم، وبهذا تجازونني!

وأسفاه! أخطأتم بحقِ نسيبكم 

ليشعرنَّ كلُّ سليلٍ يخرج من أصلابكم

في يومٍ بعارِ جريرتكم. 

أطفأتم نار غضبكم مني بما جازَ الطوقَ.

سيكلِّلكمُ العارُ ما حييتم والشنارُ 

ولن تجدوا بين خيار المحاربين موطئ قدم. 

...

لتتهللوا جذلا

لكنني لو علمتُ انحناءة الموت 

لسُهلَ عليَّ حماية حياتي منكم. 

ما آسفُ على شيء كأسفي على زوجي

كريمهيلد السيّدة.

ليرحمني الربُّ على إنجابيَ ولدا

سيعاني قادم الأيام من عار أخواله القتلة

لو أنَّ لي قوة لملكتُ أسباب الشكاية.

أيها الملكُ النبيل

لو دعتك نفسُك في يوم فعلَ مكرمةٍ

فأوصيكَ رحمةً بحبيبة قلبي

لتتشرفْ بخيرِ أنها أختُك. 

أسألك بحق كل الأمراء 

ومن وقفوا جنبها بولاء

فما من سيدة قطُ نالها ما نالت من صديقة عزيزة

وأسألك أبي وأتباعه،

فسيطول بهم أمدُ انتظاري!


يُعيد غونتر وأتابعه سيغفريد محمولًا على درع واتفقوا على أن يقولوا إنَّ من قتله لصوص كانوا في الغابة، وبعد أن وضعوه على عتبة جناح كريمهيلد التي سمعت أجراس القلعة ترنُّ معلنةً عودة زوجها والآخرين لتُصعق عند خروجها برؤية جثمان سيغفريد. وتتأكد من هوية قاتله، هاجِن، إذ هي من أرشدته إلى ذلك جهلًا منها بنيّته، فسعت منذ حينها إلى أن تثأر من قتلة زوجها، هاجِن وغونتر والبقية بمن فيهم أخواها الآخران غيرنوت وغيزلهير ودانكراوت أخو هاجِن. ترفض كريمهيلد العودة مع حميها، سيغموند، الذي أقفلَ راجعًا إلى مملكتهم، النيدرلاند، ومدينتهم زانتون. تبني كريمهيلد قصرًا لها قريبا من مملكة أخيها، وتجلب بمساعدة النيبلونغيين، الأقزام، كنزهم الذي استولى عليه زوجها بعد أن هزمهم، وكان لها ما أرادت لكن هاجِن المتآمر يتدخل مرة أخرى ويحرِّض غونتر عليها بأن يسلبَ منها كنز النيبلونغ فلو بقيت مالكة كل هذه الثروة ستسخدمه في هلاكهم وما دامت كريمهيلد حيَّة تُرزق فلن تطيب لها الحياة إلا بموتهم ولن تطيبَ حياتهم إلا بموتها، يستجيب غونتر لمشورة هاجِن التآمرية مجددًا ويأمره بأن يُلقي كنز كريمهيلد في نهر الراين. يجتمع إثر هذا عند كريمهيلد كلُّ أسباب الثأر لزوجها ونفسها وثروتها من أخيها وأتباعه، فتكنُّ لهم الضغينة وتضطرم في صدرها نار الثأر التي ما خمدت حتى تحقق ما  سعت إليه على مدى سنوات.


كتاب أدباء حياتهم وأعمالهم


كتابة: مجموعة من المؤلفين

ترجمة: مؤمن الوزان


صدرت منذ شهر ترجمتي للموسوعة المصوَّرة "أدباء حياتهم وأعمالهم" عن دار أدب في السعودية. هذه الموسوعة هي الترجمة العربية لكتاب Writers Their Lives and Works الصادرة عن دار DK البريطانية في شهر أيلول/ سبتمبر 2018، والترجمة العربية هي الرابعة بعد الإسبانية والإيطالية والتركية. 

تتناول هذه الموسوعة بأسلوب شائق ومكثَّف يبتعد عن الإطالة والإسهاب حياة أكثر من 145 أدبيًا، خُصص ل91 أدبيًا أقسامًا خاصة في كل فصل، وذُكِر البقية في ملاحقَ موزعة على فصول الموسوعة الستة التي ابتدأت من القرن الثالث العشر إلى القرن الثامن عشر مرورًا ببواكير القرن التاسع عشر ثم أواخره ثم بواكير القرن العشرين ثم منتصفه ثم عصرنا الحالي. 




وهم كما الآتي 


لا يقتصر الحديث عن الأدباء على حياتهم الخاصة وكتبهم فقط بل يشمل مواضيع عن بلدانهم والحركات السياسية والفكرية والأدبية في عصورهم والتأثيرات الخارجية والمحيطة، لذا فإن قراءة الموسوعة لا تثري القارئ أدبيًا فقط بل وفكريا وسياسيا وتاريخيا فهي متشعِّبة غير مقتصرة على جانب دون سواه. وهنا نماذج لمحتوى الموسوعة:

 

 



كما تميَّزت الموسوعة بعدد هائل من الصور العالية الجودة التي أضافت للقسم الخاص بكل كاتب القيمة البصرية مع شروح خاصة بكل صورة من الصور الواردة سواء عن سنة رسمها أو التقطها أو من رسمها أو الموضع الذي ضمَّته أو حادثة مرتبطة بالصورة: 





نموذج من الملاحق الخاصة بكل فصل من فصول الموسوعة الستة: 




يتميز الإصدار العربي لهذه الموسوعة بالحجم الكبير، والورق الصقيل الذي يمنح الصورة جودة فائقة (يمكن قصقصة الصور ولصقها أو استخدامها)، والغلاف الخارجي الثخين المقوَّى. 

كما في الفيديو هنا أدناه:  







يتميز الإصدار العربي لهذه الموسوعة بالحجم الكبير، والورق الصقيل الذي يمنح الصورة جودة فائقة (يمكن قصقصة الصور ولصقها أو استخدامها)، والغلاف الخارجي الثخين المقوَّى. 

كما في الفيديو هنا أدناه:   



يمكنكم شراء الكتاب من متجر أدب: هنا



أو متجر صفحات: هنا




الجمعة، 11 يونيو 2021

فولوسبا (نبوءة العرافة)

 إنَّ قصيدة فولوسبا (نبوءة العرافة) من القصائد التراثية الآيسلندية التي ضمَّها كتاب The Poetic Edda وفي نظر بعض الدارسين أنها أهمُ قصائد هذا الكتاب الذي تصدَّرته. دُونت أولى هذه القصائد القرن العاشر الميلادي ونُسبت إلى شعراء مجهولين لم يُعرفوا إلى يومنا هذا. احتوى كتاب إيدا الشعري إحدى وثلاثين قصيدة موزعة على قسمين، الأول قصائد عن آلهة الإسكندنافيين (الآيسر والفانير الذي يُشكل كلُّ فريق منها بانثيون آلهة خاص، ولم تكن على وئام في أوقات كثيرة) والآخر قصائد عن أبطال تلك المنطقة من شمال أوروبا، وهي قصائد تدور أحداثها في الحِقب السحيقة كما في قصائد الآلهة والأخرى في حقب متباينة سبقت الوصول المسيحيّ إلى الدول الإسكندنافية وإن ربط بعض الدارسون بتأويلاتهم لهذه القصائد بالمسيحية كما سنرى في قصيدة نبوءة العرافة.   

هذه القصائد من المصادر المهمة عن الميثولوجيا الإسكندنافية واعتمد على بعض قصائدها ستوري ستورلوسون في كتابه The Prose Edda، أول مصدّر مُدوَّن عن الميثولوجيا الإسكندنافية ألَّفه قرابة عام 1220، ومن بين القصائد التي اعتمد عليها قصيدة العرَّافة، ولها اهميّة خاصة بذكرها معركة راجناروك (تعني: معركة موت الآلهة)، معركة نهاية العالم. إنَّ معركة راجناروك التي شغل موضوعها الكثير من مقاطع قصيدة فولوسبا أبرزُ حدثٍ في الميثولوجيا الآيسلندية وأهم موضوع في هذه القصيدة لأنها تُشكِّل خاتمة أحداث كثيرة وموت عدد من الآلهة الرئيسة ونهاية الزمان والعالم ثم بداية الخلق من جديد، ولا بدَّ من الوقوف على هذه المعركة وأهم أحداثها قبل الشروع في قراءة القصيدة. يذكر سنوري ستورلوسون في القسم الأول من كتابه، الفقرة الحادية والخمسون، تفاصيل هذه الأحداث السابقة لمعركة راجناروك والتي أعقبت موت الإله بالدر بمكيدة من الإله الشرير، لوكي. تبدأ أحداث النهاية بقدوم فيمبولفيتر (الشتاء العظيم) وهو ثلاثة شتاءات متتالية قارصة البرودة، ترافقه ريح عاتية باردة وعواصف ثلجية تفقد الشمس بسببها حرارتها، وفي ظلِّ هذه الشتاءات ينتشر الفساد بين الناس فيقعون في سفاح المحارم ويتقاتل الإخوة فلا يبقى على البسيطة من أحدٍ في عصرين يُعرفان بعصر الفأس وعصر السيف اللذين يسبقان عصر الريح وعصر الذئب، ويُوصف هذا في القصيدة: 

سيتقاتل الإخوة مُسقطًا أحدهما الآخرَ

سيُدنسُّ النسبَ أبناءُ الأخوات

على الأرضِ هذا الفجورُ خَطْبٌ جلل

عصر الفأس، عصر السيف، تتحطَّم الدروع 

عصر الريح، عصر الذئب، سابقاتٌ انهيارَ العالم 

لن يُبقي البشرُ على أيّ منهم أبدًا 


يحلُّ بعدها عصر الذئب. تنص الميثولوجيا الإسكندنافية على أنَّ الشمسَ والقمرَ مطاردان من ذئبين هما، سكول وهاتي، عبر السماء ليلَ نهارَ محاولين الفتكَ بهما، وقُرب بداية الراجناروك يحققان ما سعيا إليه منذ بدء الخليقة، تهتزُّ الأرض وتتزلزل وينهار كل ما عليها من جبال وأشجار وجروف وأحجار وما على سطح الأرض جميعا، ليتحرر بسبب هذا لهذا الذئبُ الشرس، فينرير، من قيوده التي قيَّدته بها الآلهة يوما بسبب قوته التي خشيت عواقبها، ويقذف البحرُ الثعبانَ الكبير، ميثغارثسورم، الذي كان مُحوِّطًا ميثغارث (الدار الوسطى) حيث عاش البشر، وتتحرر سفينة ناغلفار، المصنوعة من أظافر الموتى، منطلقةَ حاملةً العمالقة نحو فيغرثور (ميدان المعركة). يهاجم الذئب فينرير أثناء هذا بفكيه الأرض والسماء فيدمِّر الأرض بفكٍ ويشقَّ السماء بفكٍ آخر وتتساقط النجوم، وينطلق إلى أرض المعركة سورت، حاكم عالم النار، مع أبنائه يرافقهم لوكي وأبطال هيل، أرض الموتى. يُشكِّل كل هؤلاء الفريق الأول الذي يحاول مهاجمة عالم الآلهة، آسغارد، بالصعود عبر الجسر، بيفورست، الذي يتحطَّم بسبب ثقلهم، وبوصول الأخبار إلى آسغارد ينفخُ هيمدال، خفير الآلهة، في بوقه منبِّهًا الآلهة للمعركة الكبرى؛ يُسرع أودين كبير الآلهة إلى رأس ميمير طالبًا المشورة والنصح  لم يُسرَّ بهما ويتهيّأ مع الأبطال الموتى في فالهالا وبقية الآلهة لقتال الخصم القادم. يجتمع الفريقان في ميدان المعركة، فيغرثور، ويتقاتلان قتالا شديدًا يشهد موت أودين وثور ولوكي والثعبان ميثغارثسورم والذئب فينرير، وينجو من المعركة الإله هيمدال وسورت الذي تُحرق نيرانه العالم وتصل إلى السموات ويعود الكون إلى ما كان عليه هوَّة فاغرة في حالة من الصمت والسكون والفراغ غير القابل للاختراق. لكن بعد ذلك ترتفع الأرض مجددًا من وسط البحر وتعود الآلهة التي نجت من المعركة وبشريان اثنان هما ليف (الحياة) وليفثرايسر (الذي يسعى وراء الحياة) لتبدأ الحياة من جديد. 

*

هذه هي معركة راجناروك باختصار كما يذكرها سنوري في كتابه، وتناولتها قصيدة فولوسبا، التي يرى دانييل مككوري في كتابه "The Viking Spirit" أنَّ مصدر أحداث هذه المعركة مشكوك فيه وغير موثوق وأن بعض تفاصيلها قد تنتمي إلى المسيحية، والرؤية القروسطية للميثولوجيا النورماندية، وأن الفكرة الداخلية والحبكة بلا شك قديمة جدًا وقبل مسيحية. لكنه يذهب فيؤكد أن ولادة العالم الجديد هو بوصول الديانة المسيحية إلى الأراضي الإسكندنافية التي حلَّت محلَّ ديانة الفايكنج. في حين تعارض إيليس دافيدسون في كتابها "Gods and Myths of Northern Euorpe" هذه الخلاصة من ولادة العالم مجددًا وربطها بالمؤثر الديني المسيحي بعد وصوله إلى الأراضي الإسكندنافية واصفةً إياها بالنظرة الضيقة التي تُضيع الكثير من أهمية القصيدة، وأنَّ هذه القصيدة لم تكن ارتجالية جمَّعت مفاهيم متباينة في نص واحد، مستندةً فيما ذهبت إليه في أنَّ بعض المفاهيم حول نهاية العالم كانت معروفة في الحقبة الوثنية. ففي الدراسة الشهيرة التي أجراها العلامة الدنماركي، أولريك، على هذه القصيدة بالعودة إلى الفولكلور الشعبي مسلطًا الضوء على نصِّها، وجد أن الكثير من المعتقدات الشعبية الشائعة في الدنمارك ومناطق أبعد تحتوي أخبارًا عن نهاية العالم، وابتلاع الشمس من عملاق، وأسطورة غرق الأرض في النهاية، والسفينة المصنوعة من أظافر الموتى. وأشارت إيليس أيضا إلى وجود أساطير موازية لما في قصيدة فولوسبا في ميثولوجيا أمم أخرى كما في المعتقد الإيراني الذي ينصُّ على تكريس الأظافر للطائر أسكوزوشتا Askozushta خشية أن تُستخدمَ من قوى الشر. وكذا الحال في التراث الأدبي السلتيّ وأسطورة عن المعركة بين الآلهة والعمالقة في سهل فسيح يموتُ فيها معظم الآلهة، وما من دليل عن المحاكاة أو الاستعارة ما بين الشعبين السلتيّ والنورمانديّ لكن المفاهيم التأسيسية في القصتين تبدو متشابهة. ومن المواضيع الأخرى التي لم تتفرد بها قصيدة فولوسبا حسب إيليس هو تحرر الوحوش، ففي القصيدة Eiriksmal، وهي من قصائد البلاط تعود إلى القرن العاشر الميلادي، المؤلفة في وفاة إيريك، ملك النرويج، يُسأل أودين لماذا تسبب في مقتله؛ يجيب بأن الذئب يراقب مساكن الآلهة، ويتضمن هذا الجواب أن إيريك كان مطلوبًا من أودين لكي ينضم إلى حشد المحاربين للتأهب من أجل المعركة العظيمة الأخيرة، وكذلك فإن أسلوب الشاعر وتضمينه يفرض أن الراجناروك موضوع مألوف لمتلقيّ قصيدة الشاعر. تُكمل إيليس قائلةً ما من شكِّ كبير في كون أفكار دمار العالم وتحرر الوحوش مألوفة في الفكر الوثني، ولمن الملاحظِ تماما وقتها أن تتجنَّبَ قصيدةٌ من القرن العاشر أو الحادي عشر -كما سيُبتُّ الحكم بهذا- التأثيرَ المسيحي. وعند ذكر التشابه وفقًا للدراسة المسيحية ما بين بوق هيمدال وبوق جبرائيل أو الإشارة إلى ذنوب البشرية أو عود بالدر، فإنه سيكون إما تأثيرات مُبهمة لهذا الإيمان الجديد وإما معرفة مُحكمة لأفكار موازية في ذهن الشاعر. لكن هذا أمر مختلف تماما من افتراض أنَّ كلَّ فكرة الراجناروك في القصيدة محاكاةٌ تامةٌ وإعادة صياغة للأفكار المسيحية حول يوم القيامة. ولا يمكن للمرء إلا أن يشعر بأنَّ هؤلاء الدارسين ينطلقون في مسعًى من التفاصيل المنعزلة والنظريات الشخصيّة، ورفضوا أن يقعدوا لقراءة القصيدة مجددًا بعقّلٍ مُتفتّح. 


الأربعاء، 26 مايو 2021

بساتين البصرة - منصورة عز الدين

(رحلة الأرواح في عالم الأحلام)


انطلاقا من مبدئه في أنَّ الفن لا بد أن تكون غايته في ذاته، فقد رفض أوسكار وايلد أن يحكم على العمل الفني في حمله أو أدائه لرسالة أخلاقية وقال في كتاب الناقد فنان إنه لا يوجد كتاب أخلاقي أو غير أخلاقي فإما أن يكون مكتوبًا جيدًا وإما سيئًا. يستحضرني هذا كثيرًا حينما أقرأ أي رواية فلا أبحث فيها عن أي رسائل أو غايات أخلاقية أو حتى توثيقية، أو لأقل إن ما يشدني إليه هو هل كُتب النصُّ الأدبي جيدًا؟ وكيف كُتبَ؟ وأين تكمن أصالته وكيف تلتقي بُنياته الداخلية مع بعضها، شخصياته ولغته وسرده؟ فإذا أجادَ الكاتب في لملمة وبناء عمله من الداخل تتجلى أهدافه الأخرى في متن عمله دون حاجته إلى الإشارة إليها بوضوح. فالوضوح الذي شدَّد عليه بعض الكتَّاب ليس في سرعة فهمه بل في الأصالة غير المعقَّدة ولا المتحذلقة التي يتفتَّح بها العمل بسلاسة ويعود في دورته لينغلقَ على نفسه، وما بين انفتاح وانغلاق تتبدل العوالم وتتغير الأماكن وتحضر شخصيات وتغيب إلى أن يصل العمل إلى خط النهاية. في بساتين البصرة لمنصورة نتلَّمس هذا لكن تفتُّح العمل وانغلاقه في دوراته المتعاقبة والمتغيّرة تتقارب إلى درجة التداخل وسرعان ما تبتعد إلى درجة التنافر لتعود فتجمعها الأحلام أو أرواح الأحلام العابرة لحدود الزمان والمكان والحقيقة والخيال والواقع والمحال. ما بين سرد قصصي تتناوب الشخصيات على أخذ زمام السرد الأجزاء التي تخصها، في طاولة سردية، كتلك التي كانت تجمع عليها شهرزاد أبطالها، ليقصوا نيابة عنها قصصهم وأخبارهم والأحداث التي عركتهم الحياةُ في أتونها في مدينة البصرة في القرن الأول الهجري إلى سرد بأسلوب ما بعد حداثي حيث سفر روحانيّ يبقى محط شكٍّ هل هو تناسخ هندوسي أو هلوسات مرضى نفسيين وحديث أمواتٍ، إلى سرد منظوري يتعدد الساردون في تناول القصة الواحدة من عدة زوايا لينوب هؤلاء الساردون عن السارد العليم، وإلى السرد المتموضع بؤريًا حيث السرد محدود بقدرة كل سارد بما يملكه من معرفة ويتمكن من رؤيته فهم يبقون محبوسون ضمن مدياتهم المراقبة والمتأملة والساردة لا يتجاوزونها. لكن هؤلاء الساردون لا يؤدون وظائفهم السردية في معزل عن طبيعة النص وبنيته وتوزعه إلى أجزاء متعددة قائمة بنفسها، لها مكانها وزمانها وشخصياتها وكل جزء من أجزاء النص مقسَّم إلى نصوص أخرى قائمة بذاتها هي الأخرى. ولا شك أن الكاتبة وخبرتها وممارستها لفن القصة القصيرة مكَّنها من بُنية هذه النصوص نصًا نصًا فتجمعه مثل حبَّات في سلك، ثم تجمع حبَّات السلك مع حبَّات أُخَر مختلفة الأحجام والألوان، ليكتمل في النهاية عِقد القصة لكن السلك هنا ليس ماديًا بل أثيرًا متخيلًا من عالم الأحلام. 

إنَّ الأحلام في النص تلعب دور الممر بين العوالم والشخصيات، ويقتحم الحلمُ الواقعَ، لنجدَ في الختام أنَّ النص بأكلمه قد يكون حِلمًا، فثمة تشابه خفي بين الشخصيات رغم اختلاف زمانها ومكانها، فنحن لا نتعرف على هشام خطَّاب تماما حتى يصبحَ يزيد بن أبيه، ولا نقف عند واصل بن عطاء حتى يتراءى لنا الزنديق، ولا تحكي لنا مجيبة قصتها حتى تحضر بيلا أو ميرفت أو أيًا ما يكون اسمها، يتعدى هذا التجاوز والتداخل ليصل إلى النبات فهل هو ياسمين أو بومباكس، وهل ما كتبه يزيد بن أبيه ومالك بن عدي وواصل بن عطاء ومجيبة مكتوب أصلًا أو أنه من تهيُّؤات هشام وولعه المشبوب بالكتب التراثية وبحثه الدائم عنها وعلاقته السيئة مع أمه وهجران أبيه لهما وعلاقته الغريبة مع أستاذه الزنديق الذي آثر عيشًا غامضًا؟ فنحن نعلم بإقرار هشام أن نصوص يزيد ومالك وواصل ومجيبة قد كتبها هو مستعينًا بما نسخه من فقرات من الأصل الذي امتلكه أستاذه وحفظه في ذهنه، وفي خضمِّ كل هذا التداخل والتلاعب يبزغ سؤال من كتب نصَّ ليلى؛ النص الوحيد الذي كتب بضمير الشخص الثالث، السارد العليم، فبدلًا من سماع صوتها سمعنا صوت ساردها، فهل ليلى حقًا أمٌّ لهشام أو أنها نسخة مستقبلية من مجيبة الأمر الذي يثيره قتل هشام لها، أفيكون قد انتقم من مجيبة بقتله ليلى ثم ابتعاده عن بيلا التي ربما يرى فيها ظلًا لمجيبة، كل هذا يقودنا إلى أنَّ يزيد ثم خَلَفَه أو يزيد نفسه في عالم جديد يمثلان الذَّكَر الكاره للمرأة والمنتقم من نوعهن بسبب خطأ امرأة ارتكتبه بحقه، وهنا لا بد من استحضار شهريار الموتور وانتقامه المَرَضَيّ من النساء. 

لا يجب أن نتعامل مع كل هذا التعقيد دون أن نضع احتمال تعاملنا مع النصِّ الحُلْميّ، وأن ما نقرأه ليس بالضرورة يُقصدُ به شيئًا أو يهدف للوصول إلى نقطة معينة أكثر من عبثية الحلم الذي يفقد الزمان سماته بالطول والقصر والسرعة والبطء ويفقد المكان حدوده وأبعاده، فالاقتراب والابتعاد والتغيّر والثبات والكبر والصغر والإدراك والالتباس والوضوح والغموض كلها تتمزج في بوتقة واحدة، لتصبح أي محاولة لفهم كنه هذا المزيج أو محاولة فصله ضربًا من الجنون فهو بمثابة أن تلبس الخيال ثياب الواقع وتتعامل مع غير الموجود كأنه موجود، وما هذه بطبيعة النص ولا بالطريقة المثالية للتعامل معه. 

لا يتحدث النص عن شخصيات بل عن أفكار تحضر في دنيا الأحلام، أفكار لأشخاص غير موجودين في عوالمهم التي يعيشون فيها، وربما تكون نسخهم الأصلية هي الموجودة فعلا لكن كيف السبيل إلى التيقن من هذا ونحن نعلم أن النص جزء من هشام أو يزيد الميْت، يزيد الذي هو ظلٌّ أو شخصٌ خلقه وَهْمُ فكرة ظنَّت من زياد بن أبيه، القائد الأموي ووالي البصرة، أنه يزيد بن أبيه. إنَّ الخيالية والحُلْمية مادة هذا النص وشخصياته وأفكاره، فليس ثمة مركزية في النص ولا حقيقة واحدة ولا عالم واحد ولا ذات واحدة، فالتعددية أو التشتتية هي التي تجعل النص يبقى دائرا في دوامات تتغيَّر بعد كل دورة فالنص يبدأ في نقطة واحد وينتهي في نقطة اثنان يبدأ منها وينتهي في نقطة واحد أو تبدو أنها النقطة واحد نفسها لكنها نقطة جديدة لها سياقاتها وعالمها، فيتركب النص عالمًا إثر عالم لكننا لسنا متأكدين من أن هذه العالم المُركَّب في النهاية لا يوجد إلا في حِلْم هشام.       


النص المتحرك


تطغى الحركية على النص، فلا يثبت في مكان أو زمان محددين أو يدور حول شخصية دون أخرى، فهو دائم التنقل حتى فيما يخص النص نفسه فهو يتوزع على نصوص متعددة وهذه النصوص هي الأخرى تتوزع على نصوص أخرى، وتستمر الحركية مما يجعل إمكانية تعقب النص ومآلاته ليس بالمهمة اليسيرة، ويأخذ من عالم الأحلام سمة اللا تموضع فهو يبدأ من نقطة مجهولة ولا ينتهي في نقطة معلومة بل ينطلق دون أن يعي القارئ أين وقف أو سيقف. فينسحب مصيرُ النص المجهول المتحرك على مصير الشخصيات جميعًا باستثناء ليلى ويزيد بن أبيه اللذين نعلم بموتهما لكن وكما كان موت يزيد بن أبيه ليس النهاية فلا شيء يُمكن أن يؤكد أن موت ليلى هو نهاية شخصها وتوقف حياتها عن الحركة. تشمل الحركية بُنية النص المتركِّبة من عوالم مكانية مختلفة التي تبدو وكأنها تجري في عوالم متوازية رغم الفارق الزمني الذي هو الآخر متغيّر من نص إلى آخر حتى ذلك الذي النص المتكون من نصوص داخلية فإن الزمن فيها متغير وليس واحدًا، فمثة حركية ما بين الزمن الحاضر إلى الماضي البعيد والقريب ومن الماضي إلى المستقبل ومن المستقبل إلى الماضي، حتى داخل الزمن الواحد فثمة تفاوت وليست جميعها في آن واحد أو متتابعة مباشرةً دون وجود فارق كبير، فتتداخل هذه العوالم الزمنية والمكانية فتضيع الشخصيات بين هذه العوالم وتفقد إحساسها بالذات والزمان والمكان هذا الفقدان الذي يمنعها من التيقُّن من كل شيء فتصبح مُركَّبة من عدة شخصيات في شخصية واحدة، فتنتقل من شخصية إلى أخرى، حتى تلك التي لا تعاني من انخراط في عالم الأحلام ولا الابتعاد عن الذات هي ذات شخصية متحركة لا تثبت على واحدة كما هو الحال مع ميرفت التي تحاول التشبًّه ببيلا تشبُّهًا يُقصيها عن ذاتها ويُقصي الآخر عنها. لم تتوقف الحركة حتى في التنقل المكاني لكل شخصية فهشام ينتقل من المنيا إلى القاهرة ثم يعود إلى المنيا، ومجيبة ترحل من البصرة إلى بادية السماوة حيث عاشت ردحًا من الزمن قبل أن ترحل إلى بغداد، الكل يتحرك ولا يستقر في الأحلام والروح والجسد على حدٍ سواء.    

تخرج هذه الحركية النصَّ بأكلمه من العاديّة والكلاسيكية إلى النص التجريبي الإبداعي بتقنياته السردية الحداثية وما بعد الحداثية والحفاظ على صلته مع أسلوب الرواية العربية الذي يعتمد على تعددية الرواة والأسانيد في السرد، فليس ثمة مركزية ولا منظور واحد بل ثمة صوت وحضور لكل الشخصيات الرئيسة (باستثناء ليلى التي حضرت لكن بضمير الشخص الثالث) وبجمع كل النصوص تشكَّل لدينا النص الروائي. يبقى السؤال عن اعتماد لغة ذات مستوى واحد تقريبًا رغم الاختلاف الزمني الكبير بين القرن الهجري الأول وزماننا الحاضر في الألفية الثالثة الميلادية التي يبدو التسويغ الوحيد المقبول لهذا التماثل اللغوي هو في كون نصوص البصرة لم تُنقل كما كُتبت في الأصل الذي احترقَ وانتهى إلى الأبد بل إنَّ من دوَّنها هو هشَّام سواء بما نسخه من فقرات أو تذكره، فهي نصوص ذات لغة تعود إلى لغة هشام لا الشخصيات في زمنها رغم محاولته الإبقاء على النَفَس والأسلوب اللغوي لذلك العصر لكنه لم ينجح إلا في الحفاظ على طبيعة النص الاعترافية والتقريرية لا أصالته اللغوية، وبهذا تُثار الشكوك حول السارد العليم الوحيد في الرواية في الجزء الخاص بليلى، الذي يبدو أنه هشام مما يدفع إلى الظن بأن هذا النص بأكمله مكتوب من هشام وكل شخصياته ليست إلا توهمات وخيالات في ذهن هشام الذي كتبهم وكتب نفسه.   



الأربعاء، 5 مايو 2021

الفرق بين القصة والحكاية


أثناء قراءتي لهذه القصص، خطرَ في ذهني سؤال عن الفرق ما بين القصة والحكاية، وهل هما واحد وأنا أقرأ في كتب عديدة وشروح فقد التمست نوعا من التداخل وعدم التفريق بينهما وكأنهما شيء واحد، كلمتان مترادفتان تشيران إلى جنس أدبي واحد تكون فيه واقعة واحدة رئيسة وشخصياتها هي الأساس الذي يُروى. 

تفرق معاجم اللغة العربية كلسان العرب لابن منظور وأساس البلاغة للزمخشري ومعجم العين للفراهيدي بينهما فتشير إلى الفعل حكي وحكي الحديث وحكاية من المحاكاة، ولا تسمى حكاية إلا بمحاكاة شيء آخر كما يذكر الشيخ محمد الحسن ولد الددو. أما قصَّ وقصة وقِصص فهي القصة المعروفة سواء في وقتهم أو وقتنا. ولم أجد فروقا أخرى مثرية في كتبهم تزيل هذا اللبس (ولعل هناك فروق ذكرت قد أعرفها مستقبلا). 

وأما مرحلة البحث الثانية فكانت في تقصي الآراء الحديثة والمعاصرة عن الفرق بين الحكاية والقصة وفرق دلالتهما وفنيّتهما وهل يصح أن نقول حكاية إطارية أم قصة إطارية أم الاثنين؟ سأورد أدناه آراءً مفرّقة قد بدت لي واضحة ويمكن الاعتماد عليها في تمييز الحكاية عن القصة.


- القصة جنس أدبي، خاضع للنقد.. الحكاية تكاد تكون موروثا شعبيا، تولع به القصاصون الشعبيون (القصخون)، ولا يندرج ضمن الأجناس الأدبية كونه لا يخضع لمعايير النقد.


- الحكاية هي الاحداث والوقائع مجردة من أي اشتغال فني، فإذا صغتها في تقنية سردية، وأسلوب أدبي صارت قصة. وهذا تفريق أكاديمي. 


- إن الفرق بينهما هو أن الحكاية ليست نتاج خيال فردي، بل هي ظاهرة اجتماعية على الرغم من أن الحكاية تحكمها شأنها شأن القصة مبادئ السرد، لهذا ميز النقاد على مر التاريخ بين الحكاية والقصة. بالإضافة، إلى أن النص الحكواتي يحافظ على ثباته عبر الزمن من خلال تناقله عبر الأجيال، لهذا نجد أن الحكايات ليس لها مؤلف معين. وهناك أيضا موضوعات الحكاية التي تدور حول مفاهيم أساسية مثل الوجود والإيمان والموت، وزمن الحكاية مختلف، وأخيرًا، يكون مضمون الحكاية اكثر صدقًا من القصة.


- إنَّ غرض الحكاية عرض مشكلة ومحاولة حلها التي قد تنجح أو تفشل.  أما القصة فهي تسعى إلى إقامة حجة إلى أن جميع مسارات حل المشكلة قد جُرِّبت، وأن مسار البطل قد يؤدي إلى النجاح أو الفشل. وفي السيناريو الناجح، فإن رسالة أحداث  القصة تدعم مسارا معينًا على وجه الخصوص، وفي السيناريو الفاشل فإن رسالة أحداث القصة تحمل رسالة مناقضة لذاك المسار المحدد على نحو مقصود. 

يمكن استخدام الحكاية في عرض فشل أو نجاح هذا المسار أو ذاك، أما استخدام القصة فهو في إثبات أن ذاك المسار هو الوحيد الفاشل أو الناجح. 

وخلاصة الفروق أن الحكايات لا تكون في الغالب قصصا معقدة وتنزع إلى أن تكون مباشرة وغير معقدة وذات توسع موضوعاتي محدود. وكلا القصة والحكاية صالحان وذوا بنيّة نافعة اعتمادًا على غرض المؤلف وتوضحيه في آلية حل المشكلة في حكاية أو إلى مناقشة حل مشكلة محددة في قصة. 


مما يمكن استنتاجه من كل هذه الفروق، أن الحكاية ذات هيكيلة واضحة ولا تحمل أي سمة من سمات التعقيد الفنية أو المرضوعية وهي بهذا أقرب ما تكون إلى الحكايات الشعبية التي تتسم بقصرها وغرضها المباشر، في حين أن القصة هي جنس أدبي أكثر تعقيدا له سماته الأسلوبية والموضوعية والفنية واللغوية لذلك فهو أقرب إلى الصنعة والبُنية المحددة سلفا موضوعا وفكرة وأسلوبًا، والتي تطورت عبر قرون حتى أصبحت اليوم جنسًا أدبيا قائما بنفسه وله أنواعه وفروعه. ومن هذه التفرعات التي تكاد تكون أصلا قائما بذاته: القصة القصيرة جدا، والتي هي نسخة مصغّرة من القصة ولا يمكن بحال من الأحوال أن نسميها حكاية قصيرة جدا التي تنطبق على الأمثال الشعبية التي غالبا ما تكون ذات حكاية أساس شكَّلته.

في الختام فإن التسمية "الحكاية الإطارية" كما أراها هي الأصح لأنها وكما ورد من الفروق أعلاه وفي أمثلة حوار  ديبيا والملك  وشهريار وشهرزاد، فكلاهما حادثة مباشرة غرضها هو تجميع القصص التي يرويها ديبيا أو شهرزاد لا أكثر، فتبدو ثانوية إذا ما قُوبلت بموضوع القصص التي تضمها.



مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...