الخميس، 6 أغسطس 2020

رحلة اللجوء وتأسيس الوطن


قراءة في ملحمة الإنيادة لفيرجيل. 


العمل الكلاسيكي لكل أوروبا - ت. س. إليوت 

  

افتتحت الإنيادة عصرًا جديدا من الشعر الملحمي العالمي والمتمثل بالملحمة المكتوبة. كانت العصور الأدبية والملاحم الشعرية التي سبقت عصر فيرجيل هي عصور الملاحم المنظومة شفويا والمرويَّة لسانيًا كملحمتي هوميروس، حتى جاء فيرجيل الذي عاش في القرن الأول ق. م. ليسلكَ آفاقًا جديدة في الشعر الملحمي في ملحمته "الإنيادة" التي كتبتها في السنوات الأخيرة من حياته قبل وفاته في سنة 19 ق. م. للإنيادة تأثير في الأدب الأوروبي بارز سواء في الأسلوب أو المواضيع أو عدد الأبيات، فكما يشير د. عبد المعطي في تقديمه للإنيادة (طبعة المشروع القومي للترجمة) أنَّ الملاحم الشعرية الأوروبية التي تلت ملحمة فيرجيل بقيت محافظة على ذات عدد أبيات الإنيادة البالغة 9896  أو تجاوزتها بقليل. لذلك فقد أصبحت الملحمة الشعرية بعد عصر فرجيل مختلفة عن تلك التي سبقتها لا سيما في مجال التدوين، إذ أصبحت الملحمة مكتوبة عكس ما كانت سواء مكونة من أناشيد متعددة أو ينظمها عدد من الشعراء أو قد يطرأ عليها تغيير الرواة مع احتفاظها بالفكرة العامة ونسق الأحداث وتسلسلها. لكن مع بدء عصر التدوين الأدبي امتلكنا مخطوطات موثوقة تنسب هذه الأعمال لشعرائها وتُمكننا من الوقوف على النص الكامل كما نظمه الشاعر عكس ما سبق. فعلى سبيل المثال فإنَّ محلمتا هوميروس ما زالتا حتى اليوم مثار جدل حول شاعرهما الحقيقي أو هل هما شاعر واحد أو عدة شعراء، وعن أصول ومنابع أناشيد الملحمتين، وعلى الرغم من تقييدهما كتابةً بعد أكثر من قرنين على شيوعهما شعرًا مرويًا فإنَّ التثبت اليقيني من صحتهما كما نُظما أو هل نظما كتابةً بطريقة ما أو شفويًا تبقى أسئلة تحتاج إلى إجابات كُتبت فيها البحوث والدراسات قديمًا منذ السكندريين وحتى وقتنا المعاصر. لقد شرع فيرجيل بالنظم كتابةً ليسد الباب أمام ذرائع كثيرة قد تتأتى عن النظم الشفوي، وهذا التدوين ليس خاصًا بفرجيل دون غيره بل هو نتيجة للتطور البشري والتقدم اللغوي والكتابي المتزامن مع تطور الحياة البشرية. إذ عاش فيرجيل في حقبة رومانية متقدمة ومتطورة رغم الاضطراب السياسي الذي شهد نهاية الجمهورية الرومانية باغتيال يوليوس قيصر ونشوء الإمبراطورية مع أول أباطرتها أغسطس في سنة 27 ق. م. الذي جمعته علاقة صداقة مع الشاعر فيرجيل يُختلف في أسباب نشوء هذه العلاقة أو زمن نشوئها لكن الثابت هو الصداقة التي جمعت الاثنين وكانت إحدى الأسباب الرئيسة في كتابة الملحمة. 

درس فيرجيل في روما ونظم الشعر ونشره كما في ديوان الرعويات، وديوان الزراعيات الذي نظمه بطلب من الإمبراطور لتشجيع الزراعة في إمبراطورية روما بعد كثرة الحروب والجنود والابتعاد عن الزراعة في محاولة لتشجيع الزراعة واستثمار الأرض بعد أن وطَّدت الإمبراطورية نفسها وبدأت بالبحث عن الاستقرار. بقي كتابة ملحمة تكون إرثًا وطنيًا لروما حلمًا يراود فيرجيل كما يُشير د. عبد المعطي وتدل عليه بعض أبيات فيرجيل في أشعاره التي سبقت الإنيادة. 

بدأ فيرجيل كما تشير المصادر بنظم الإنيادة في العقد الأخير من حياته في اثني عشر كتابًا عشوائيا إذ من المرجَّح أنه كتب مسوَّدات نثرية لخطوط العمل الرئيسة، ومما يذكر في هذا الجانب إنشاده بعض كتب الملحمة على الإمبراطور أغسطس وزوجته. لكنَّ المؤسف في الأمر أنَّ فيرجيل مات قبل أن يُكمل تدقيق وتنقيح ملحمته فطلب قبيل وفاته حرق مخطوطات العمل. إذ ارتحل فيرجيل في أيامه الأخيرة إلى اليونان في رحلة انتعاش وتنشيط الفكر من أجل إكمال عمله لكنه مرضَ واشتدَّ مرضه في رحلة العودة قبل وفاته على سواحل إيطاليا في الميناء. 

فمن نشر العمل وكيف وصل إلينا؟ يُذكر أنَّ الإمبراطور أغسطس طلب من القائمين على أعمال فيرجيل وهما فاريوس وتوكَّا نشرَ الإلياذة كما تركها مؤلفها، فنُشرت الإنيادة ووصلت إلينا بعدها. وتُطرح أسئلة عن أسباب أوامر أغسطس بنشر العمل. يبدو أنَّ كتابة هذا العمل كان بطلب من أغسطس أو أنَّ أغسطس كان على دراية بكتابة هذا العمل ودوافعه الذي استمدَّه فيرجيل من التاريخ الروماني والمعتقدات والأساطير من أجل كتابة عمل بطولي وطني يرفع من اسم روما عاليًا. وتُشير شادي بارتش -التي ستُنشر ترجمتها عن الإنيادة في شهر تشرين الأول القادم من هذا العام- "أنَّ آينياس كان يُعدُّ خائنًا قبل عصر فيرجيل وساعد الإغريق في أخذ طروادة. غيَّر فيرجيل فهمنا لتاريخ روما، وما فقده القرَّاء تاريخيًا معرفة أنَّ وصف فيرجيل في الإنيادة كان ذا وعي سياسي ذاتي ومصممًا ليؤطر توسِّع الإمبراطورية الرومانية كما هي فاضلة ومكلَّفة إلاهيًا. فهو يكتب ملحمة شعرية تشير إلى ذاتها ويقول انظر، أنا في طور إبداع أسطورة وطنية" وتضيف شادي قائلة: "الإنيادة في الواقع قصة عن كيفية إعادة كتابة شخصية وإدخالها التاريخ محولةً إياها من شخص كان مُنتقدًا إلى شخص مُشادٍ به". 

وما يمكن استنتاجه مما سبق أنَّ إنيادة فيرجيل قد لا تكون ذات دوافع أدبية ووطنية فحسب بل وذات دوافع سياسية. وقد يكون سبب كتابتها الحقيقي واستمرار العمل عليها مدة عقد من السبب هو التقاء مصالح الإمبراطور أغسطس مع طموح الشاعر ليخلِّد اسمه وروما في ملحمته الشعرية. 





رحلة اللجوء وتأسيس الوطن 


تروي ملحمة الإنيادة رحلة القائد الطروادي آينياس مع قومه بعد خراب طروادة على يد الإغريق ليبدأ رحلة التيهان في البحر واللجوء إلى جزر مختلفة من أجل تأسيس وطن جديد وبناء مدينة ترث مجد طروادة لكن الآلهة دائما ما كان لها رأي آخر وأنَّ الوطن الموعود للطرواديين لا بد أن يكون في مدينة لاتيوم بالقرب من شواطئ لافينيوم في إيطاليا. إيطاليا هي الوجهة التي سعى لها الملك الطروادي الجديد لكنها وجهة ليس سهلًا الوصول إليها وتلعب الآلهة متمثلة بجونو زوجة جوبيتر دورًا في إعاقتهم عن تحقيق مبتغاهم. 

إنَّ أبرز ما يُلاحظ في الإنيادة نقطتان رئيستان في العمل: الأولى اللجوء والمكوث المؤقت في مملكة القرطاجيين في ليبيا وملكتهم ديدو، وهي من المحطات الأخيرة التي وطأت أقدام الطرواديين شواطئها قبل الوصول إلى وجهتهم المنشودة. وفي حضرة الملكة ديدو يقصُّ آينياس ما حدث قبل سقوط طروادة وحيلة الحصان الخشبي ثم الاجتياح الإغريقي للمدينة الحصينة ليهرب آينياس، ابن الإلهة فينوس حاملًا والده أنخسيس فوق ظهره وجارًا ابنه أسكانيوس معه، من المدينة نحو شواطئ طروادة ليلتقي مع قومه الفارين والناجين من مذبحة المدينة لتمخرَ سفنهم عباب البحر بحثًا عن وطن جديد. 

كانت موضوعة اللجوء جليَّة عن آينياس وقومه عند الوصول إلى أي جزيرة جديدة وليست مملكة القرطاجيين بمنأى عن هذا، فيحاولون إما البدء ببناء مدينة لهم أو خطب ود السكان الأصليين لمساعدتهم وتكوين علاقة صداقة معهم ملتزمين بسلوكيات وديَّة ومبتعدين عن أي عنف أو خصومة إلا ما يحدث عن زلل غير مقصود كما في جزيرة الهاربيات. لكنَّ هذا اللجوء، والذي تمثَّل بشكل تام عند الملكة ديدو، تحوَّل إلى مأساة تقع فوق رأس المضيف، إذ تقع الملكة ديدو في حبه وتطلب منه البقاء معها إلا إنَّ أوامر الآلهة تُحتِّم عليه إكمال رحلته لتهوي ديدو في بؤسها وحبها الضائع وألمها في فراق آينياس وتنتحرَ بسيفه في نهاية تراجيدية زاخرة بالحب والمشاعر والتعارض ما بين نداء الآلهة ونداء المشاعر وكيف اتَّبع آينياس أوامر الآلهة بكل إخلاص وتفانٍ. 

يتفق الكثيرون على أنَّ الرمزية في عمل فيرجيل مجسَّدة في شخصيات المحلمة فمثلا آينياس يرمز إلى العبودية للآلهة والإخلاص والالتزام بأوامرها، وترمز ديدو إلى الضعف السياسي، ويرمز مشهد حمل آينياس لوالده وجر ابنه إلى الاهتمام بالماضي الغابر الذي لا نفع فيه وتجاهل الحاضر الناشئ كما صوَّرت بعض اللوحات هذا الموضوع في عصر النهضة وما لحقه. ولعلَّ فيرجيل كان يرمز بهذا التصوير إلى ضرورة التخلص من الماضي الذي يشكِّل عبئًا والتطلع إلى المستقبل الواعد، ولعل مصداق هذا موت أنخسيس مبكرًا في الملحمة وبقاء أسكانيوس حيا وشبَّ في الوطن الجديد.     

أما النقطة الرئيسة الأخرى، وهي الغاية من العمل وربما ذات الدوافع السياسية في صنع الأسطورة الوطنية، فتتمثل في تأسيس الوطن الجديد في لاتيوم - إيطاليا. إنَّ لاتيوم ليست محض أرض جديدة لتأسيس وطن إنما وعد الآلهة كما صوَّرها فيرجيل وكما أشارت شادي بارتش إنَّ الأمر تعبيرٌ عن تبرير وجود هذه الإمبراطورية الرومانية "المكلَّفة سماويًا". التكليف السماوي والإلهي لتأسيس وطن لا يمكن أن نمرَّ عليه مرور الكرام بأي حال من الأحوال فهو المحرك لرحلة آينياس في البحر وتحمله وقومه مشاق وصعوبات وهو محور العمل أيضا، فكان بإمكانه وقومه لولا وجود هذا الأمر الإلهي الاستقرارَ في أي جزيرة وصلها أو حتى البقاء في مملكة القرطاجيين وتزوِّج الملكة ديدو في تحالف لا يتكرر له في كل مرة وفي كل أرض، لكن سبق الأمر الإلهي بالذهاب إلى لاتيوم اتباعَ أيّ خطّة بديلة. يبدو الأمر شبيهًا بما تحتويه التوراة من نصوص وعد الرب لبني إسرائيل في تمليكهم أرض كنعان وقد يكون فيرجيل اطلع على الديانة اليهودية وتأثَّر بها لا سيما وأن الإمبراطورية الرومانية قد توسَّع ملكها وامتد سلطانها في قارات العالم القديم الثلاث. لذا فمن غير المستبعد أن تكون فكرة الأمر الإلهي لآينياس في إقامة وطن جديد في لاتيوم مقتبسة ومستوحاة من الوعد الإلهي العبراني في منح أرض كنعان لبني إسرائيل. وحتى بعد وصول آينياس إلى لاتيوم وإرسال وفد إلى ملك لاتيوم "لاتينوس" فإنَّ النزاع ينشب بين الفريقين بسبب جونو* التي لم ترد الخير للطرواديين، لتنشب حربًا ما بين الطرواديين اللاجئين في لاتيوم وبين اللاتين أتباع الملكين لاتينوس وتورنوس. يتأسس وطن الطرواديين الجديد أو -كما طلبت جونو من جوبيتر بمحو اسم طروادة بقولها:   


لقد سقطت طروادة وليسقط اسمها حيث سقطت-


وطن أسلاف الرومان واللاتين الجديد في لاتيوم، لكنه تأسيس تمَّ بالسيف والدم والقوة غصبًا، فيتحول اللاجئون إلى غزاة في إعادة مشهد خراب طروادة على يد الإغريق لكن هذا الخراب الجديد الذي وقع على لاتيوم تمثَّل في تمازج دماء جديدة مع دماء اللاتين وتقاسم قومٍ غرباء لأرضهم وخيراتهم وملكهم. 

نُفِّذ الأمر الإلهي في تأسيس وطن جديد للطرواديين في لاتيوم في نهاية المطاف، لكنَّه على حساب آخرين وبالدم المسفوك وبضرب السلاح المؤيَّد بالآلهة. لنصل إلى استنتاج مفاده: إنَّ أرض روما هي تخصيص من آلهة للاتين وإنَّ هذه الإمبراطورية قامت برعية الآلهة وإشرافهم وقبل كل شيء هم مفوَّضون بتأسيس مدينة سماوية على الأرض. كل هذا يمنح إمبراطورية روما في عصر فيرجيل عبر هذه الملحمة البعد الديني والأسطوري والتاريخي لأحقيَّة وأفضيلة هذه الإمبراطورية والمدينة على ما سواها، وتربية الناشئة على هذا الفضل والتكريم الإلهي للاتين في وطنهم وكيف أنَّ أجدادهم جاءوا إلى هذه الأرض بتوجيه وعناية سماوية وليست مجرد أرض وطأوها صدفةً بل هي قدرهم وإرثهم الذي حصلوا عليه من الآلهة. لذا فلا نستغرب من أمر الإمبراطور أغسطس من نشر الإنيادة، وما كان للإنيادة فيما بعد من قيمة أدبية وثقافية واجتماعية في روما وأوروبا. 






على خطى هوميروس 


اتَّبع فيرجيل في ملحمته الشعرية خطى هوميروس في كثير من خطوط عمله الشعري الرئيسة وأحداثها المحورية والثانوية أو حتى بعض التفاصيل الضمنية الطفيفة وخلق شخصياته بالتوازي مع شخصيات هوميروس بشكل لا يسمح بالشك بأنَّه قرأ ودرس وهضم ملحمتي هوميروس ثم أعاد صياغة ملحمته متتبعًا وبدقة لا متناهية ملحمتي هوميروس فيما يخص ركائز العمل وأحداثه وشخصياته. ولربما تكون هناك بحوث متخصصة تبحث في التشابه في الأساليب اللغوية المستخدمة والتراكيب في هذه الملاحم الثلاث، والأمر بحاجة إلى الاطلاع على الملاحم الثلاث بلغتها الأصلية وهذا الأمر بعيد عن يدنا في الوقت الحالي وقد نحصل على مثل هذه البحوث في حالة وجودها مستقبلًا. لكن ما سأذكره هنا فهو يخص تشابه خطوط العمل الأساسية والأحداث والشخصيات ما بين الإنيادة وبين الأوديسة والإلياذة. 



- تتشابه الكتب الستة الأولى في الإنيادة مع رحلة عودة أوديسيوس إلى إيثاكا في الأوديسة. تبتدئ رحلة آينياس بمغادرة شواطئ طروادة بحثًا عن أرض لاتيوم التي ضمنتها الآلهة لهم وأمرتهم بالوصول إليها، ليمرَّ في رحلته بعدد من الجزر ويواجه مصاعب مختلفة ويفقد من رفاقه ويقضي وقتًا لاجئًا مع قومه عند ديدو ملكة القرطاجيين في أرض ليبيا ثم الذهاب في رحلة إلى العالم السفلي مع الكاهنة سابيلا قبل أن يصل في الكتاب السابع إلى لاتيوم. سبق وقرأنا شيئًا مشابها في الأوديسة ورحلة أوديسيوس بعد أن يغادر شواطئ طروادة ثم يتيه في البحر ويضيع بين الجزر باحثًا عن سبيل العودة إلى إيثاكا في رحلة استمرت عشر سنوات كاملة، فيواجه السيكلوب بولوفيموس العملاق وآكلي لحوم البشر وتحتجزه الساحرات ويرحل إلى هاديس من أجل نصح وإرشاد العرَّاف الطيبي تايريسياس ثم الوصول إلى جزيرة الفياكيين وملكهم ألكينوس الذي يكرم وفادته ويرسله مع بحارة فياكيين مختارين إلى جزيرة إيثاكا التي يصلها في النشيد الثالث عشر في الأوديسة. 

ونقف الآن بشكل موجز على التشابهات ولمن يحب الوقوف على التفاصيل فكل ما عليه هو قراءة العملين، ولا يعني وجود التشابه هو التطابق التام فيبقى لكل حدث في العملين سماته الخاصة وتفاصيله: 


1- يقص آينياس على الملكة ديدو رحلته من شواطئ طروادة حتى مملكتها وما مرَّ به ورفاقه من مصاعب كما قصَّ أوديسيوس على الملك ألكينوس رحلة عودته والصعاب التي واجهها وإكرام الاثنين لآينياس وأوديسيوس. 


تهوي ديدو في غرام آينياس وتطلب منه الزواج والبقاء معها لكن الأخير الممتثل لأمر الآلهة يرفض عرضها ويرحل مكملا رحلته إلى لاتيوم. أما في الأوديسة، يعرض الملك ألكينوس على أوديسيوس الزواج من ابنته الأميرة ناوسيكا وإكرامه بالهدايا والخيرات لكن أوديسيوس يرفض هذا العرض المغري ويرحل على متن سفينة الفياكيين إلى موطنه إيثاكا. 

2- يتكرر التشابه في حالة ديدو ورفضها واعتراضها على رحيل آينياس مع حالة الإلهة كاليبسو التي احتجزت أوديسيوس سبع سنوات كاملات وأحبته حبًا جمًا قبل أن يجيئها أمر آلهة الأوليمبوس بتحريره، فتعدُّ كاليبسو الأمر كما لدى ديدو نوعًا من بغض الآلهة لها وعدم رغبتهم في أن تكون سعيدة مع من تحب. 


تتمُّ مغادرة الاثنين أوديسيوس وآينياس من جزيرة كاليبسو وأرض القرطاجيين بعد أوامر الآلهة وإن كانت رغبة أوديسيوس وآينياس سلفًا الوصول إلى وجهتهم المنشودة لكنها في الحالتين لم تحدثا لولا الأوامر الآلهة رغمًا عن رغبة وأمنية مضيفتيهما وآسرتيهما.

 

يشبه دعاءُ ديدو على آينياس بعد أن شاهدت سفنه تمخر مبتعدةً دعاءَ بولوفيموس على أوديسيوس بعد أن يكشف له الأخير هُويته الحقيقية. تدعو  ديدو على آينياس أن يستجدي المعونة، ويُثقل بالحرب وبأسلحة شعب جسور، ومنفيًا عن وطنه ومحرومًا من عناق ابنه، ويشهد مصرع رجاله ولا يستمتع بمملكته وبلا رغبة في الحياة، ولا يختلف هذا الدعاء كثيرا عن دعاء پولوفيموس سواء في لفظه أو معناه إذ يطلب من أبيه إله البحر بوسيدون فإما ألا يتركه يعود إلى بلاده أبدا أو يعود بعد أن يشقى ويعاني المحن في موطنه ويفقد رفاقه ويعود إلى موطنه على متن سفينة غرباء.  

         

3- يشبه ذبحُ آينياس وقومه عددا من الثيران بعد أن يصلوا إلى جزيرة الهاربيات حيث يجدون قطعان الثيران لتهاجمهم إثرها جموع الهاربيات ثم تتنبأ لهم كيلاينو بمواجهة السوء والصعاب في البحر قبل الوصول إلى سواحل إيطاليا- ما قام به رفاق أوديسيوس مع قطيع الشمس المقدس للإله هيليوس وذبحهم من بقره ثم دعاء الأخير لزيوس طالبًا منه الانتقام من رفاق أوديسيوس فيستجيب زيوس لدعائه ويحطِّم سفينة أوديسيوس ويغرق رفاقه.  


4- يشبه طلبُ شبح أنخسيس، والد آينياس، من ابنه الذهاب إلى العالم السفلي واللقاء به من أجل معرفة الطريق إلى لاتيوم، الوجهة المقصودة لتأسيس الوطن الجديد- نصيحةَ سيرسي من أوديسيوس الذهاب إلى منزل الأموات "هاديس" ولقاء العرَّاف تايريسياس ليرشده طريق العودة إلى إيثاكا ويتنبأ له بقادم أيامه. 


5- رحلة آينياس إلى العالم السفلي رفقة الكاهنة سابيلا ولقائه لعدة شخصيات ورؤيته لعدة مشاهد- مشابهة لرحلة أوديسيوس في منزل الأموات والتقائه بعدد من الشخصيات التي عرفها أو التي لم يعرفها. 


يطلب بالينوروس، رفيق آينياس، من آينياس دفن جثته التي غرقت في البحر مثلما طلب إلبينور من أوديسيوس دفن جثته التي لم يدفنها أوديسيوس ورفاقه في جزيرة سيرسي فيستجيب الاثنان لطلب شبحي رفيقيهما. 


 يحاول آينياس بعد أن يلتقي شبح والده أن يضمه لكنه يفشل في ضم الشبح، وهو ذات الفعل إذ حاول أوديسيوس ضم شبح والدته أنتيكليا في هاديس لكنه يفشل كذلك. 


- تتشابه الكتب الستة الأخيرة من الإنيادة مع ملحمة الإلياذة لهوميروس. يخوض الطرواديون بقيادة آينياس معاركًا مع اللاتين بالقرب من معسكراتهم وبعد كسر شوكة اللاتين يتوجهون نحو مدينة لاتيوم. تتأرجح كفتا الانتصار ما بين الجيشين فتارة تميل لصالح الطرواديين وأخرى لصالح اللاتين وتنتهي بانتصار الطرواديين ومقتل الملك تورنوس على يد آينياس. تتلاقى خطوط هذه الأحداث مع حرب وحصار الآخيين لطروادة وكيف دارت المعارك بين الطرواديين والآخيين متأرجحة الانتصار بينهما من حين إلى آخر لتنتهي بمقتل الأمير الطروادي هيكتور على يد البطل الآخي، ملك الميرميدونيين، آخيلوس. وبموت الاثنين تورنوس وهيكتور تنتهي الملحمتان فيجتاح في إثر موت هيكتور الآخيون مدينة طروادة الحصينة بفضلة حيلة أوديسيوس مع الحصان الخشبي، ويستوطن الطرواديون في الإنيادة في مدينة لاتيوم التي أمرتهم الآلهة بالتوجِّه إليها. ثمة العديد من التشابهات ما بين الملحمتين مما يؤكد بما لا شكَّ فيه أنَّ فيرجيل استعان بأحداث الإلياذة في نظم المعارك وإعادة خلق شخصيات جديدة متخذَّا النموذج الهوميري مثالًا يحتذي به وقوالب يستخدمها في عمله:


1- يتحصن الطرواديون بالقرب من شواطئ لاتيوم ثم يهجم اللاتين عليهم بقيادة تورنوس في غياب آينياس الذي ذهب لعقد تحالف مع الملك إيفاندروس من أجل هزيمة اللاتين. أما في الإلياذة فإن الإغريق يتحصنون ويعسكرون بالقرب من شواطئ طروادة ويهجم عليهم الطرواديون ويكادون يهزمونهم وكذا الحال في غياب بطلهم آخيلوس بسبب خصامه مع ملك الآخيين أجاممنون. 

 

2- تتشابه مهمة يوروأليوس ونيسوس السرية في معسكر اللاتين وما أوقعاه قتلا وذبحًا في اللاتيين قبل موتهما على أيدي مقاتلي تورنوس- مع مهمة أوديسيوس ورفيقه ديوميديس في معسكر الطرواديين ثم مصادفتهما دولون الذي كان مرسلا لتجسس على معسكر الآخيين ليمسكا به ويأخذا منه المعلومات قبل قتله ثم وصلا بعدها إلى معسكر الطراقيين حلفاء الطرواديين ووقعا فيهم قتلًا ونهبًا ثم عادا سالمين.  

 

3- يتشابه طلب فينوس من زوجها فولكانوس صنع عدة حرب لابنها آينياس مع طلب حورية البحر ثيتيس من هيفايستوس صنع عدة حرب لابنها آخيلوس. وحاكى فيرجيلُ في مقطع صناعة أسلحة آينياس هوميروسَ وصناعة درع آخيلوس حيث رسم ونقش فولكانوس العديد من الرسوم على الدرع كما فعل هيفايستوس. 


4- توازي شخصية البطل اللاتيني حيلف الطرواديين "بالاس ابن إيفاندروس" الذي يقتله تورنوس مع شخصية باتروكلوس الميرميدوني الذي يقتله هيكتور الطروادي. ويتشابه رثاء حصان بالاس "ميزنتيوس" لصاحبه مع بكاء الخيول على باتروكلوس. وعلى الرغم من أنَّ لمقتل باتروكلوس أثره البارز في عودة آخيلوس إلى حرب طروادة بعد نأيه عنها بسبب خلافه مع أجاممنون فإنَّ لمقتل بالاس على يد تورنوس وارتداء الأخير لعدة بالاس الحربية نقطة مفصلية تنتهي بها الملحمة، إذ يتغلب الغضب على حكمة آينياس إذ يرى حزام بالاس على تورنوس بعد أن تمكَّن منه وطلب الأخير الرحمة إلا إن آينياس يرسله إلى العالم السفلي. (يرتدي هيكتور عدة باتروكلوس والتي هي في الأساس عدة آخيلوس منحها لباتروكلوس قبل أن يسمح له بقيادة الميرميدونيين في قتال الطرواديين الذين قاتلوا داخل معسكرات الآخيين). 


تقص الملحمة مراسم جنازة موت باتروكلوس وبالاس، لكنها تأخذ مساحة أكبر في الإلياذة سواء من خلال تصوير المشاهد المرتبطة بحرق جثمان باتروكلوس أو ما تبعها من مسابقات رياضية أقامها آخيلوس على شرف موت صاحبه باتروكلوس.


يعقد اللاتين والطرواديين سلمًا وتوقفًا عن القتال مدة اثني عشر يومًا بعد موت بالاس، وهو مثل سلم الإغريق والطرواديين بعد استلام جثة هيكتور من قبل والده بريام والذي امتدَّ لاثني عشر يوما أيضا.

  

 5- بدا واضحًا أنَّ آينياس في الإنيادة يوازي شخصية آخيلوس في الإلياذة أو حتى هو نظير من نظائرها سواء في الشجاعة والإقدام أو قيادة جموع الطرواديين. أما شخصية الملك تورنوس فهي موازية لشخصية هيكتور سواء فيما فعلته بجموع الطرواديين أو في كونها صاحبة قضية مشروعة في قتال غزاة وذود عن الوطن والأهل. أما موت هيكتور وتورنوس على يدي آخيلوس وآينياس تباعًا وتحقيق القاتلين ما أراداه وإتمام ما نويا عليه سلفا يجعل هذه الشخصيات الأربع تلتقي في العديد من الخطوط والنقاط سواء على المستوى الذاتي الخاص بها أو المستوى الموضوع المتعلق بأحداث الملحمتين. 


- تلعب الآلهة دورًا في تسيير الأحداث في الإنيادة كما لعبته في الإلياذة والأوديسة. ويعي فيرجيل دورها في ملحمتي هوميروس لذا فهو يعمل على متابعة خطو هوميروس في تصوِّراته العقائدية بخصوص الآلهة على الرغم من الفارق الزمني الكبير ما بين عصر هوميروس وفيرجيل. فيتشابه حضور الآلهة الكبير في الإنيادة لحضورها الفاعل والمباشر في الإلياذة. ويجد القارئ لملحمتي هوميروس أنَّ دور الآلهة في الأوديسة يأخذ نمطًا جديدًا مختلفًا عن دورها في الإلياذة مما يُبرز تطوّر وتغيَّر في مفهوم الآلهة في عصر الأوديسة عن عصر الإلياذة، لكن فيرجيل يختار إعطاء الآلهة دورًا شبيهًا بدورها في الإلياذة إذ إنَّ عصر آينياس مقرون بعصر الإلياذة سواء زمنيًا أو في التصورات الاعتقادية بما يخص عالم الآلهة والسماء. نتيجة لهذا الاتباع الفيرجيلي لهوميروس فثمة عدة توازيات وتشابهات في دور الآلهة لدى الشاعرين:


1- تدعو فينوس تدعو جوبيتر في إيقاف معاناة الطرواديين في البحر كما فعلت أثينا بدعائها لزيوس أن يوقف معاناة أوديسيوس. 


2- يشبه غضب جونو على آينياس ورفاقه في البحر والصعوبات والمشاق التي يواجهونها ويتحملونها في رحلتهم إلى لاتيوم غضبَ بوسيدون على أوديسيوس. 


3- يتشابه حال جونو وتذمرها من أوامر جوبيتر لتذمر هيرا من أوامر زيوس في الإلياذة. إذ طمحت الأولى إلى استمرار معاناة آينياس وعدم تحقيقه مبتغاه في الوصول إلى لاتيوم وكذلك سعت إلى إشعال نار الحرب بين الطرواديين واللاتين في كل مرة يبدو الصلح ومعاهدات السلام أقرب بين الفريقين ولم يهدأ لها بال حتى رأت نار الحرب تتأجج ما بين الأمتين. وكذا الحال مع هيرا التي سعت بكل جهد وقدرة ممكنة في تدمير الطرواديين ومدينتهم الحصينة على يد الآخيين لكنها دائما ما كانت تواجه تعنُّت وأوامر زوجها وأخيها "زيوس" كبير الآلهة. 


4- أما جوبيتر في الإنيادة ونظيره زيوس في الإلياذة فلهما القول الفصل والأمر الأعلى في تحديد مصير كل شيء في الملحمتين أحداثًا ومصائر مدن ومقادير البشر. وأبرز تشابه متطابق بين دوريهما ذاك المشهد الذي يضع فيه زيوس قدريْ آخيلوس وهيكتور في كفتي ميزان ليطيش قدر هيكتور تحتل ثقل قدر آخيلوس الذي كُتب له الانتصار على منافسه، ويتكرر ذات المشهد بالتمام والكمال تقريبًا عندما يضع جوبيتر قدر آينياس وتورنوس في كفتي الميزان لترجح كفة آينياس على منافسه. 


5- تشابه حدث صناعة هيفايستوس وفولكانوس عدة الحرب لآخيلوس وآينياس بطلب من أمهما في الإلياذة والإنيادة، وقد ذكرتهما في فقرة التشابهات الثانية. 



على الرغم من كل هذه التشابهات فتبقى لكل ملحمة شعرية خصوصيتها ومزاياها وأساليبها وهذا لا يعني بحال من الأحوال أنَّ ننكر قيمة الإنيادة أو التقليل منها أو ننكر أنَّ فيرجيل سار في ذات طريق هوميروس في ملحمتيه ولم يشأ أن يخرج عن الخطوط الرئيسة التي رسمها هوميروس إلا في بعض المواضع كإضافته لقصة الملكة ديدو ورحلة البحث عن الوطن وتأسيسه. ويتبادر سؤال في نهاية المطاف هل ستكون الإنيادة على ما هي عليه لو لم يكن هناك إلياذة وأوديسة؟ وما شكل الإنيادة الذي ستكون عليه لو لم يتبع فيرجيل هوميروس في ملحمتيه؟ والتساؤل الأخير هل سينظم فيرجيل ملحمته الشعرية لو لم يكتب هوميروس ملحمتيه أو لم يصلا إلى يدي فيرجيل؟ تبقى هذه الأسئلة مطروحة بهذه الصياغة أو بأخرى ولا أرى شخصيًا أن فيرجيل سيحقق ما حققه في ملحمته لولا شاعر الملاحم الأول والأعظم عبر العصور هوميروس. 




____

 * لا بد من فهم دوافع عداء جونو للطرواديين حتى نقف على أسباب كرهها لهم. لكن في البداية يجب معرفة أنَّ آلهة روما لا تفرق عن آلهة الإغريق في شيء سوى الأسماء: 


جوبيتر = زيوس 

جونو = هيرا 

مينيرفا = أثينا

فينوس = أفروديت 

فولكانوس = هيفايستوس

ميركوريوس = هرمس 

نبتونيس = بوسيدون

أبولو = أبولو 

لكل إله إغريقي نظيره الروماني في ميثولوجيا الأمتين، ونقرأ في الإلياذة انقسام الآلهة فريق إلى جانب الإغريق وآخر إلى جانب الطرواديين. لكن ما يهمنا من كل هؤلاء الآلهة ثلاث فقط وهنَّ: 

جونو (هيرا) ومينيرفيا (أثينا) وفينوس (أفروديت). تبدأ قصة عداء هيرا وأثينا للطرواديين ووقوف أفروديت معهم حين تخاصمت الإلهات الثلاث على من الأجمل بينهنَّ واتفقن على طلب التحكيم من أول عابر، فكان أول عابر هو باريس ابن بريام الذي كان متوجها نحو مملكة أبيه طروادة، ووقع اختيار باريس على أفروديت لتغضب منه هيرا وأثينا ويحقدن عليه مبغضاتٍ وكارهات. استثمرَّ فيرجيل من هذه التاريخ الميثولوجي الإغريقي في ملحمته باستمرار عداء جونو للطرواديين وما جلبه عليهم هذا العداء من مصايب ومصاعب.    

الثلاثاء، 28 يوليو 2020

العودة إلى إيثاكا - الجزء الثالث.

قراءة في أوديسة هوميروس.


نساء الأوديسة 


تلعب النساء في الأوديسة دورًا مهما لم تلعبنَه في الإلياذة، فالنساء في الأوديسة شاخصات في كل أناشيد الأوديسة تقريبًا- إلاهاتٍ وبشرًا ووحوشًا وأشباحَ نساء ميتات كـ: أثينا وسيرسي وكاليبسو، وبينيلوبي وهيلين وناوسيكا وأريتي ويوروكليا، والسيرينس والسكولا والخاروبديس، وتورو وأنتيوبي وألكميني وأخريات، إضافة إلى شخصيات نسائية عديدة من خادمات ووصيفات. ولحضورهن هذا دور في تسيير عجلة الأحداث وتعجيل رحلة العودة أو إعاقتها وعند الوصول إلى الذروة في نشيد المذبحة فإن السبب خلفه هو المرأة، وبعد أن يقتصَّ أوديسيوس منتقمًا من الخطَّاب فإنه لا يعفو عن الخادمات الخائنات والآثمات اللاتي ارتكبن الفاحشة مع الخطَّاب ودنسنَ بيتهن ليُقتلن مشنوقات كذلك.  

يبدأ دور النساء في الأوديسة بدعاء الإلهة أثينا لأبيها زيوس وطلبها أن يُعفى عن أوديسيوس ويعود إلى أهله بعد قرابة عشرة سنوات من تيهانه في البحر، فيستجيب زيوس، كبير الآلهة، لدعائها ويُرسل من أجل تحريره إلى كاليبسو. تأخذ كاليبسو الدور التالي باحتجازها لأوديسيوس في جزيرتها مدة سبع سنوات كاملة وفي مطلع الثامنة يأتيها الأمر الذي لا تستطيع رفضه بالسماح لأوديسيوس بأن يرحل عن جزيرتها لتطيع الأمر بعد لأي ساخطة من أمر الآلهة الذين لا يتركونها تعيش بسعادة. وبعد أن يترك كاليبسو ويرحل على طوف في البحر يراه بوسيدون فيغضب ويسلط عليه غضب البحر والريح وبعد أن يتحطم طوف أوديسيوس ويبقى عائما في البحر تظهر له ربة البحر "ليوكوثيا" وتمنحه خمارا يبسطه تحت صدره وترشده إلى طريق النجاة، وتكمل نجاته أثينا التي أوقفت الريح، ثم يصل أوديسيوس إلى جزيرة الفياكيين ويلتقي بالأميرة ناوسيكا التي كانت تغسل الثياب مع وصيفاتها فتستجيب لمناشدته إياها وطلبه المساعدة وتطلب منه أن يغتسل ويلبس وتأخذه معها إلى والده الملك ألكينوس الذي يساعده بالعودة إلى موطنه إيثاكا.

أما فيما عاناه أوديسيوس في جزر البحر والمخاطر فيبرز دور الساحرة سيرسي وكيف أرشدته الذهاب إلى منزل الأموات "هاديس" والذهاب إلى لقاء العرَّاف تايريسياس الطيبي الذي يُنبئ أوديسيوس بالقادم من الأيام والأحداث التي سيواجهها.     

تلعب أثينا دورًا مهما وبارزًا على كل النساء في الأوديسة ابتداءً من دعائها لتحرير أوديسيوس ثم ظهورها لابنه متجسِّدة بهيئة مينتور ونصحها إياه ومساعدته بالذهاب عبر سفينة إلى نسطور ومينيلاوس للتقصي عن أخبار أبيه ثم الظهور له في الحلم تحثّه على الاستعجالَ بالعودة إلى إيثاكا. وبعد أن يصل أوديسيوس إلى إيثاكا فتكون أثينا باستقباله وتحوله إلى متشرد عجوز حتى يصل إلى بيته. هناك في بيته فإنَّ أوديسيوس يواجه نساء بيته سواء من أسأن له أو أحسنَّ إليه ويكون لمربيته يوروكليا دورٌ في معرفة هُويته من خلال نَدبة ركبته. ويحظى أوديسيوس مجددًا بمساعدة أثينا في مذبحة انتقامه من الخطَّاب إذ جعلت رماحهم تطيش عنه نحو الأرض والجدران، ويكتمل دورها في نهاية الأوديسة بإيقاف المعركة التي كانت على وشك النشوب بين أوديسيوس ورفاقه وبين ذوي الخطَّاب الذين جاءوا للانتقام. وفي نهاية المطاف فإن بينيلوبي هي المرأة التي نالت قصتها أحد أجزاء مواضيع الأوديسة الثلاثة، سواء في مغازلة الخطَّاب لها، أو علاقتها مع ابنها تيليماكوس، أو في انتظارها لأوديسيوس مدة عشرين عاما، أو اختباراها أوديسيوس بعد أن عاد وانتقم من الخطَّاب. فلها دورها في الأوديسة الذي يجعل من نساء الأوديسة الكفة الأثقل والحضور الأكبر مقابلة مع رجال الأوديسة ودورهم في تسيير الأحداث وتغيير مسار عجلتها.    



آلهة الأوديسة 


على النقيض من الإلياذة فإن لآلهة الأوديسة حضور باهت ومقتصرٌ تقريبا على أثينا، وبوسيدون في أكثر من موضع، إلا إنَّ الدور الذي لعبته الآلهة في الإلياذة وتجسُّدها وتدخلها المباشر في سير الأحداث وإنقاذ الأبطال من مصيرهم أو تعجيله لا يتكرر في الأوديسة. ويدل هذا على التطور في تصوِّر الآلهة وعالمها في المِخيال الهوميري والإنساني في وقته ويزيد الأمر على ذلك إن آلهة الأوديسة تتعامل مع شخصيات محددة هم الجيل السابق للإلياذة، أما الأجيال اللاحقة فقد حُرمت من هذه المعاملة الخاصة التي تمحضها الآلهة للبشر سواء أفي صالحهم كانت أم في عكس ذلك. ولعل مِصداق هذا ما حدث في النشيد السادس عشر عندما التقى أوديسيوس بابنه تيليماكوس، فبعد أن يكشف أوديسيوس هويته لنفسه بمساعدة أثينا التي أعادت إليه هيئته الأصلية وتكون غير مرئية في عين تيليماكوس. يقول هوميروس (ترجمتي عن الإنجليزية): 

"... مرئيةٌ لأوديسيوس

لكن تيليماكوس لم يستطع رؤيتها، أو يحس بوجودها هناك- 

لا تُظهر الآلهة أنفسها لكلِّ امرئ حيّ. 

رآها أوديسيوس، وكذلك الكلاب؛ ما من نباح الآن، 

أنَّت الكلاب، وارتدت مبتعدة مرعوبة عبر الساحة". 16:180


يكشف هذا على كون أوديسيوس وجيله من الأبطال هم متفردون في علاقتهم مع الآلهة ومساعدتهم لهم أو غضبهم عليهم، وهم بذات الوقت يمثلون حدًا فاصلًا ما بين مرحلة كانت الآلهة في تماس مباشر تتأثر بتقصير البشر في حقوقها وأضاحيها معها فتغضب وترضى وتفرح وتحزن  كما حدث مع مينيلاوس الذي أضاع طريق العودة لأنه لم يقدم القرابين قبل أن تغادر سفينته أرض مصر أو في نصيحة هيرمس لأوديسيوس بأن يأكل من العشبة التي تبطل سحر سيرسي فلا ينفع معه أو في مساعدة إله الريح أيولوس لأوديسيوس فجمع له الرياح في كيس كبير من أجل أن يعود إلى إيثاكا لكن جشع رفاقه يُفسد هذا، وبين مرحلة أخرى تتسامى فيها الآلهة عن البشر وتتجه نحو الأخذ بحالة الإلوهية بشكل تامٍ ومنفصلة عن البشر كليًا، فكثيرًا ما جدَّف تيليماكوس بحق الآلهة واتهامه إياها أنها السبب فيما يحصل في منزله مع الخطَّاب وتمرُّ هذه التجديفات دون أي اعتبار يُذكر عكس لو فعله أوديسيوس أو غيره ممن ترضى أو تغضب عليهم الآلهة بسبب أفعالهم. 

ونرى أيضًا أن الآلهة في الأوديسة تخضع إلى زيوس كبيرها تمامًا فلا تُعارض أمره وتنفذ جميع ما يطلبه عكس ما كان يحدث في الإلياذة إذ قد تحدثها نفسها بمخالفته أو تتجاوز حدودها معه مثلما حدث مع هيرا، لكن في الأوديسة فتختفي جميع هذه الاستثناءات وتبقى الأمور كلها بيد زيوس صغيرها وكبيرها، كما حدث في دعاء أثينا لأبيها فهي لا تستطيع أن تفعل شيئًا دون زيوس الذي يطلب من هيرمس أن يذهب إلى كاليبسو وينقل لها قرار الآلهة بتحرير أوديسيوس. وكذلك في انتقام بوسيدون من أوديسيوس بموافقة زيوس بعد أن استجاب لدعاء ابنه بولوفيموس أو انتقامه من الفياكيين الذين ساعدوا أوديسيوس في العودة إلى إيثاكا إذ يمنحه زيوس صلاحية فعل ما يريد. وفي دعاء هيليوس، صاحب القطيع المقدَّس الذي ذبح منه رفقاء أوديسيوس، طالبًا من زيوس الانتقام له فضرب سفينة أوديسيوس بصواعقه فحطّمها  وأهلكَ رفاقه. وهكذا فثمة مستوى جديد في الأوديسة في عالم الآلهة السماوي مختلف كثيرًا عن عالم الإلياذة السماوي، ويُصبح فيه زيوس أكثر تفرَّدًا في الحكم والمشيئة وتغيير الأحداث وتنفيذ الأقدر، ومستوى جديد في علاقة الآلهة المرتبطة بالبشر إذ بلغ نهاية مرحلة التواصل المباشر والتدخل الشخصي وشرع المستوى الجديد للآلهة بالانفصال التام عن عالم البشر وانتهاء حقبة كانوا فيها لا يفرقون كثيرًا عن البشر في عواطفهم وما فاقوهم إلا بالقدرات المميزة التي يتمتعون بها كونهم آلهة.     



تتمة الأوديسة في الأدب العالمي*


تعد شخصية أوديسيوس الإغريقية (عوليس باللاتينية) واحدة من أهم الشخصيات الخيالية والمؤثرة في الأدب العالمي. فمغامرات بطل هوميروس صاحب أشهر رحلة عودة إلى بلاده في ملحمة الأوديسة وصاحب فكرة حصان طروادة الذي كان سببا لتدمير المدينة العصية على الغزاة كما في الإلياذة، لم تنتهِ بعودته إلى إيثاكا. 

فكان الشاعر Stesichorus من أوائل من تأثروا بأوديسيوس وكتبوا مغامرات جديدة له في القرن السادس قبل الميلاد، وتأثر به الشاعر الروماني فرجيل في ملحمة الأنيادة، التي تعد أصلا للأدب الروماني كحال ملحمة الإلياذة في الأدب الأغريقي. ولم تكن الإنيادة تتمة لمغامرات لكنَّها كانت ذات سياق شبيه ومقابل للأوديسة عبر رحلة الطروادي آينياس الذي سيصبح الجد الأعلى للرومان. واستمر حضور أوديسيوس في الأدب العالمي، فيجعله دانتي (الذي اتخذ شخصية أوديسيوسية متنقلة في دوائر الجحيم شاهدة على العذابات في الجحيم ثم يصعد إلى المطهر مختتما رحلته في الفردوس) في كوميدياه الإلهية من أهل الجحيم عقابا له على حيلة طروادة. لكن دانتي يصف سعي عوليس الدؤوب للمعرفة ليبدو بصورة بطولية أكثر من كونها ملعونة. ويخبره أنَّه بعد تركه جزيرة إيا Eëa والإلهة سيرسي، تقوده رغبته لنيل الخبرات "المعرفة" إلى المجهول دون التوقف في إيثاكا، فيرى جبلا مظلما لكنَّ زوبعة ترسل إلى سفينته وتدمرها ويتبلعه البحر بعدها.

وأتمَّ نيكوس كازانتزايكس رحلات أديسوس في ملحمته الشعرية الأويسة- تتمة عصرية. وهي محلمة شعرية مكونة من 33333 بيتٍ شعري (كل بيت مكون من 17 مقطعا شعريا كما في شعر الهايكو الياباني، مقسمة على أربعة وعشرين جزءا كما في النسخة الأصلية للأوديسة) بدأ نيكوس بكتابتها بعد عودته من ألمانيا إلى كريت عام 1924 ونُشرت عام 1938 وكان قد كتب سبع مُسوَّدات مختلفة. ويعدها نيكوس أهم أعماله التي أبان فيها عم سعة إطلاع بالميثولوجيا. وفي هذه الملحمة يغادر أوديسيوس إيثاكا بعد عودته متجها نحو إسبارطة حيث التقى بالمُغُوية هيلين وأقنعها بالهرب معه. استقرت هيلين في كريت لكن أوديسيوس ذهب يستكشف مصر ووسط أفريقيا ووجد مدينة لأهلها دين جديد، وفي النهاية مات أوديسيوس في مياه قارة أنتاركتيكا بعد محاولته تدمير جبل جليدي. 

لم تتوقف مغامرات أوديسيوس ولا إثمارات التأثر بشخصيته التي امتازات بالذكاء والثقة بالنفس والقدرة على التخفي والتعامل مع الأوضاع المختلفة، وانتقلت إلى القصص التراثية اليابانية، فظهرت لنا شخصية يوريواكا Yuriwaka، البطل الياباني الشجاع لقصة الانتقام الياباني، الذي اشتهر بقوسه الحديدي الهائل. وبعد انتصاره على القوات المغولية يخونه مرؤوسه بيبّو ويتركه في جزيرة، ويرحل ليغتصب مقاطعته. يرسل يوريواكا صقره (ميدوري-مارو) برسالة إلى زوجته، التي تتضرع بعدها في المعبد للتدخل العناية الإلهية ويعود يوريواكا إلى مقاطعته. ويخفي هويته الحقيقية حتى اللحظة التي يثبت فيها مقدرته على القوس الحديدي وينتقم لنفسه من الخائن. وحبكة القصة تشير بكل وضوح إلى أوديسيوس هوميروس على الرغم من أن بعض الباحثين نفى هذا، ويعود أقدم نص لحكاية يوريواكا إلى القرن السادس عشر. 

واستعار الشاعر ديريك والكوت من شخصيات وأحداث ملحمتي هومر الإلياذة والأوديسة في كتابة ملحمته الشعرية قصيدة Omeros والتي يتجول فيها بطل باسم "آخيل" في المياه الكاريبية. واُختيرت هذه الملحمة الشعرية من قبل الواشنطن بوست والنيويورك تايمز ضمن قائمة أفضل كتب العقد الأخير من القرن العشرين.

والعمل الأكثر شهرة الذي يعد من ثمار تأثيرات شخصية أوديسيوس هو رواية عوليس للروائي الأيرلندي جيمس جويس والتي نُشرت في عام 1922 في باريس بعد أن نشرت دوريا في مجلة Little review الأمريكية.

اُقتبِس عنوان الرواية من اسم أوديسيوس وماثلت شخصياتها أبطال الأوديسة (بينيلوبي"زوجة أوديسيوس" = موللي "زوجة بلوم"، وتيليماكوس "ابن أوديسيوس"= ستيفن "صديقه") وبالطبع (ليوبولد بلوم = أوديسيوس) الذي يقضي يومه في دبلن. تأخذ الرواية قارئها في رحلة داخل وعي أبطالها مستخدما جويس كل تقنيات تيار الوعي كالتداعي والذكريات والمونولوج الداخلي مع تدخلات سردية غير مباشرة، أضفت إلى الرواية مقاما خاصا في تاريخ تطور الرواية وأدب الحداثة. 

________

-*The Fictional 100 by Lucy pollardGott 

Writers their lives and works-


موجز الأوديسة 


تحكي الأناشيد الأربعة الأولى التي تُعرف بـ"الأناشيد التيليماكية" عن بحث تيليماكوس ابن أوديسيوس عن أبيه وصدامه مع الخطّاب الذين يتقدمون لطلب يد أمه بينيلوبي ويقطنون في منزل أوديسيوس يستنزفون خيراته شاربين خمره وآكلين نعمه. 

يذهب تيليماكوس بمشورة ومساعدة الإلهة أثينا على متن سفينة مع بحارته إلى جزيرة بولوس من أجل لقاء الملك نسطور وسؤاله عن أبيه الذي ينصحنه بعد لقائه بالذهاب إلى مينلاوس في لاكيدايمون، الذي يكرم وفادته وضيافته كحال نسطور ويقص عليه ما يعرف من خبر عودته إلى موطنه وخبر أبيه الذي حكاه له عجوز البحر  -بعد أن احتجزت الآلهة مينيلاوس في جزيرة بعد أن نسي أن يقدم الأضاحي لها- بأنه حبيس في جزيرة كاليبسو رغمًا عنه ويرغب بالعودة إلى إيثاكا ويحدثه قلبه كل حين برغبة بالعودة إلى موطنه.

وبعد أن يعرف الخطّاب برحلة تيليماكوس يتآمرون على قتله وفي مقدمتهم أنتيموس ويكمنون له في وسط البحر على جزيرة أستيريس، جزيرة صغيرة ذات ميناء ترسو فيه السفن، وتقع هذه الجزيرة بين جزيرتي إيثاكا وساموس. 

وتحكي الأناشيد أيضا عن مماطلة بينلوبي زوجة أوديسيوس موافقتها على طلب الخطّاب بكل الوسائل والحيل متأملةً عودة أوديسيوس منتظرة إياه عشرين عاما. 


يحكي النشيد  الخامس قرار الآلهة بتحرير أوديسيوس من جزيرة كاليبسو التي تهيم به حبا وتبقيه محتجزًا عندها سبع سنوات ليأتيها أمر الآلهة بإنهاء احتجازه، فتطلب منه في بداية السنة الثامنة صنع طوف ثم يُبحر بحثًا عن العودة إلى موطنه ويصل إلى جزيرة الفياكيين.


يلتقي أوديسيوس في النشيد السادس في جزيرة الفياكيين بالأميرة ناوسيكا ابنة ألكينوس فيتحدث إليها الكثير الحيل بحديث عذب حلو يستميلها إليه لتساعده فترضى وتقبل مساعدته وتطلب من أوديسيوس أن يغتسل ويلبس ثيابًا جديدة ويذهب معها ووصيفاتها إلى مدينة الفياكيين نحو قصر أبيها.


يطلب أوديسيوس في النشيد السابع بعد أن يجتمع بملك الفياكيين، ألكينوس، وزوجته أريتي، أن يساعده في العودة إلى بلده، فيكرم وفادته ويطعمه ويعده بالمساعدة بإرساله إلى موطنه رفقة رجاله الفياكيين الأقوياء، ويحكي لهم كيف احتجزته كاليبسو ثم اطلقت سراحه في بداية السنة الثامنة. وهو أول بروز لأوديسيوس القاص. 


في النشيد الثامن يستمر ألكينوس في إكرام أوديسيوس ولمّا يعرف بعد حقيقته، ويقيم مباريات في رياضات مختلفة على شرف الضيف الذي كان يثقل الحزن قلبه. فيتحداه يوروالوس مستخفا به فيشترك أوديسيوس في رمي الجلة فيبهر الحضور برميته ويبزُّ الفياكيين بمهارته، ثم يكرمه ألكينوس والملوك ويطلب منه التعريف عن نفسه بعد أن طلب أوديسيوس من المنشد ديمودوكوس أن ينشد عليهم قصة الحصان الخشبي فذرف أوديسيوس الدموع السواجم مما أثار فضول الملك ألكينوس. 


يقص أوديسيوس في النشيد التاسع على الملك ألكينوس وزوجته أريتي قصته بعد مغادرة مدينة إليوس (طروادة التي خرّبها الآخيون). فكانت أول جزيرة يصلها ورفاقه هي جزيرة السيكونيس حيث قاتلوا وغنموا وسلبوا وبعد هذا القتال أبحروا وبقوا في البحر تسعة أيام ثم وصلوا إلى جزيرة آكلي اللوتس، ومن يأكل هذه النبتة يفقد الرغبة بالعودة إلى بلاده، وبعد الهرب من هؤلاء يصلون إلى جزيرة السيكلوب ويدخلون إلى كهف العملاق ذي العين الواحدة، پولوفيموس، الذي يأكل بعضا أصحاب أوديسيوس فيدبّر له حيلة بعد أن يسقيه الخمر ويقول له إن اسمه "لا أحد" (Nobody) ثم يفقأ عينه بعود ضخم ثم يخرج مع رفاقه من الكهف مستترين تحت الخرفان. يعلن أوديسيوس عن اسمه بعدها پولوفيموس الذي يتضرع لأبيه بوسيدون أن ينتقم من أوديسيوس فإما ألا يجعله يعود إلى بلاده أبدا أو يعود بعد أن يشقى ويعاني المحن في موطنه. 


يصل أوديسيوس ورفاقه في النشيد العاشر بعد أن هربوا من السيكلوب إلى جزيرة أيولي حيث يقيم آله الريح أيولوس، الذي يكرمهم ويمنح أوديسيوس كيسًا جمع له بداخله الرياح التي تعيق رحلته  ليعودَ إلى وطنه بأمان وعلى مشارف شواطئ إيثاكا يغفو أوديسيوس ويظن رفاقه أن أيولوس منحه كنوزًا في هذا الكيس استأثر بها لنفسه، فيفتحون الكيس في غفلة النوم من أوديسيوس فتخرج الرياح من الكيس وتتيه السفينة في البحر مجددًا وبعد أن يستيقظ أوديسيوس ويرى فعلة أصحابه يحدث نفسه في حالة يأس بالانتحار بأن يرمي نفسه من أحد جانبي السفينة السوداء ويهلك في البحر. يعود بعدها أوديسيوس ورفاقه إلى جزيرة أيولي لكن إله الريح يرفض استقبالهم هذه المرة. 

يصلون بعدها إلى جزيرة اللايستروجونيين الآكلين للحم البشر حيث يسكن في بيت مرتفع الملك أنتيفاتيس زوجته البدينة الذي يمسكون بأحد رجاله. يهرب أوديسيوس مجددًا ويصل إلى جزيرة الربة الساحرة سيرسي التي سحرت رفاقه وحولتهم إلى خنازير لتحتفظ بهم إلى الأبد وأثناء ذهاب أوديسيوس إلى منزلها وسط الغابة بعد أن يعرف بأمر رفاقه يأتيه هيرمس، رسول الآلهة، ويعطيه عشبة إذا أكلها تبطل سحر سيرسي وهذا ما حدث، لتكرمهم بعدها سيرسي وتعيد إلى أوديسيوس رفاقه وتضطجع معه في فراشه إذ أوصاه هيرمس بعدم رفض طلبها هذا لكي تطلق سراحهم. تنصح سيرسي بعدها أوديسيوس بالرحيل إلى منزل الأموات، حيث هاديس وزوجته بيرسيفوني، ليستشير روح العراف الضرير تايريسياس الطيبي.


يصل أوديسيوس ورفاقه في النشيد الحادي عشر إلى أوقيانوس ثم ينزل بعدها إلى عالم الأموات ويلتقي أولًا برفيقه إلپينور الذي يموت عند سيرسي بعد أن يسقط على رأسه ولم يدفنه أوديسيوس فيطلب منه إلپينور أن يدفنه ليرتاح (وهذا سبب عودة أوديسيوس إلى سيرسي). ثم يلتقي أوديسيوس بروح أمه، ثم العرَّاف تايريسياس ذو الصلوجان الذهبي الذي يرشده إلى طريق العودة ويُنبئه بمصيره كليًا وما يحدث في موطنه في طلب الخطّاب يد زوجته ثم يتنبأ له بما سيفعله أوديسيوس بعد أن يقتل الخطّاب في ساحة بيته ويرشده لطريقة فك لعنة بوسيدون عليه. ثم يلتقي بعدها بأرواح نسوة هنَّ: تورو، أنتيوبي، ألكميني، ميجارا، إيبكاستي، خلوريس، ليدي، إفيميديا، فايدرا، بروكريس، أريادني، مايرا، كلوميني، إريفولي، ثم يرى أخريات يتعذر عليه ذكرهن جميعًا. ثم يلتقي بروح أجاممنون الذي يذكر له خيانة زوجته له كليتمنسترا رفقة إيجيسثوس وقتلهم إياه. ثم يلتقي آخيل، ثم يرى آخرين ومشاهد من الجحيم، ثم يرى سيسوفوس، وهرقل، ثم يبارح أوديسيوس عالم الأموات. 


يعود أوديسيوس ورفاقه في النشيد الثاني عشر إلى جزيرة سيرسي ويدفن رفيقه إلپينور. وقبل أن يغادر أوديسيوس سيرسي تكرمه وترشده كي يتجنب شرور رحلته المتمثلة أولا بـ إلهات السيرينيس ذوات الغناء العذب الساحر الجاذب للرجال ليقتلنهم إذ تطلب منه أن يضع الشمع في آذان رجاله وأذنيه أما إذا أراد الاستماع لغنائهن فليربطه رجال إلى صاري السفينة ويشدو وثاقه إذا أمرهم بفكه عند سماع أغاني السيرينيس. ثم ترشده لتجنب وحش سكولا التي تقطن في كهف فوق  جزيرة في طريقه وكذلك على الجانب الآخر المقابل لسكولا تُوجد وحش خاروبديس المقدسة الغاطسة تحت ماء البحر، ثم تحذره من الأخذ من ماشية جزيرة الأغنام التي يملكها هيليوس هوبيريون. 

ينجو أوديسيوس من شرور السيرينيس والسكولا والخاروبديس لكن رفاقه لا ينفذون أوامره ويذبحون من بقر هيليوس الذي يطلب من زيوس الانتقام له فيدمر سفينة أوديسيوس ويُهلك رفاقه ويعود بعدها أوديسيوس وحيدًا من طريق البحر الذي جاء منه ناجيًا من شرور سكولا وخاروبديس ويصل بعدها إلى كاليبسو. 


يصل أوديسيوس في النشيد الثالث عشر إلى إيثاكا بعد أن يوصله إليها طاقم الفياكيين. يتوهم أوديسيوس في البداية بأن الفياكيين نكثوا وعدهم وتركوه في جزيرة ما لكن أثينا تظهر له وتُعلمه الحقيقة ثم تدبّر معه خطّة يعود عبرها إلى منزله وينتقم من الخطّاب الذين يستنزفون خيراته ويعرضون الزواج على زوجته ويتآمرون على قتل ابنه. وتحول أثينا أوديسيوس إلى شيخ جوّال وترسله إلى راعي خنازير أوديسيوس- يومايوس. 


في النشيد الرابع عشر يكرم يومايوس، الراعي المخلص والأمين لأوديسيوس، الشيخَ الجوّال ويطعمه اللحم ويسقيه الخمر ويبثُ له لواعج قلبه وحنينه إلى سيده التائه أو الميّت أوديسيوس وما يحصل لخيراته وممتلكاته من استنزاف واستهلاك من قبل الخطّاب الوقحين، ويقص عليه أوديسيوس قصة مختلقة عما مرَّ به وينبؤه أنه سمع من ملك أكرم وفادته في مصر أنَّ أوديسيوس عائد لكن يومايوس لا يُصدق به. 


ويعود تيليماكوس في النشيد الخامس عشر إلى إيثاكا بعد أن جاءته أثينا في المنام تحثه على الإسراع في العودة إلى إيثاكا تاركا مينيلاوس وزوجته بعد أن حمّلوه بالهدايا الثمينة من ذهب وأوانٍ ورداء من نسج يدي هيلين الجميلة، ويتجه بعد وصوله مباشرة إلى رعاته.


يكشف أوديسيوس نفسه في النشيد السادس عشر عن هويته لابنه تيليماكوس ويخططان معا لطريقة للانتقام من الخطّاب. 


يصل أوديسيوس رفقة يومايوس في الكتاب السابع عشر إلى منزله ويلتقي بالخطّاب والشحَّاذ المشرَّد آيروس، ويكرمه تيليماكوس ويطلب منه أن يتسول من الخطّاب ليكرموه لكن آنتيموس، أسوأ الخطّاب وأكثرهم شرًا، يسيء إليه. 


يتعارك في النشيد الثامن عشر أوديسيوس مع إيروس ويهزمه وينال تكريم الخطّاب وتسمع بينيلوبي به وتطلب من يومايوس أن يأتي به بعد أن سمعت أنه يعرف أخبارا عن زوجها لكن أوديسيوس، الذي ما يزال شيخا متسولا متنكرا بفضل أثينا، يطلب من يومايوس أن يخبرها أن قدومه الآن أمام أعين الخطّاب فيه ضرر وأذية وأنه سيلتقي بها بعد أن يحل الغسق وينتشر الظلام. وفي هذه النشيد تُنهي بينلوبي حالة المماطلة في موضوع الزواج وتنزل وإلى الخطّاب وتُخبرهم أن أوديسيوس طلب منها إذا تأخرت عودته ونبتت اللحية في وجه تيليماكوس ابنه فإن لها أن تتزوج من أي رجل يُعجبها.


يجتمع أوديسيوس في النشيد التاسع عشر مع بينيلوبي وتطلب منه أن يحكي لها قصته فيروي لها أكاذيب ويحكي لها عن أنباء عودة زوجته مما يثير أشجان بينيلوبي وتذرف الدمع حزنا ثم تطلب من خادمتها المسنِّة (مرضعة ومربية أوديسيوس) يوروكليا التي تكتشف عند غسلها لقدمه الندبة في ركبته التي تعرض لها من ضربة ناب خنزير عندما كان شابا، وتحاول أن تشير إلى سيدتها بينيلوبي بأن زوجها هنا لكن أوديسيوس يهددها بالقتل إذا كشفت هويته ولم تفهم بينيلوبي الإشارة كذلك وتلفتْ أثينا اهتمامها إلى شيء آخر، ثم تقول بينيلوبي لأوديسيوس بأنها ستقوم غدا بوضع مسابقة الفؤوس الاثني عشر المثبتة على الأرض ومن يدخل السهم من حلقاتها جميعا تتزوجه ويطلب منها أوديسيوس ألا تُرجئ المسابقة حتى يستطيع الخطّاب شدَّ القوس. 


أما النشيد العشرون فهو يحكي عن اجتماع عدة بشائر بعودة أوديسيوس.


يجتمع الخطّاب في النشيد الحادي والعشرين في محاولة شد وتر قوس أوديسيوس وتسديد رمية عبر الفؤوس المثبتة في الأرض لكنهم يفشلون ثم يطلب أوديسيوس المتنكر المشاركة فيرفضون لكن تيليماكوس وبينيلوبي يمكنانه من هذا. 


وتقع في النشيد الثاني والعشرين المذبحة داخل ساحة منزل أوديسيوس وينتقم منهم أوديسيوس مع ابنه تيليماكوس وراعي الخنازير يومايوس وراعي البقر فيلويتيوس، ولا ينجو من المذبحة سوى النذير ميدون والمُنشد فيموس بشفاعة من تيليماكوس.


أما النشيد الثالث والعشرون فهو عن لمِّ شمل أوديسيوس وزوجته بينيلوبي التي لا تصدق عودته حتى تختبره فيقص عليها كيف صنع السرير وشجرة الزيتون في غرفتهما وبعدها يذهبان إلى غرفتهما ويقص عليها أوديسيوس ما وقع له من أحداث خلال رحلة العودة ونبوءة طيف تايريسياس الضرير الطيبي في منزل الأموات بشأن رحلته إلى أراض بعيدة ولقائه بأناس لا يعرفون شيئا عن البحر ثم عودته ليموت بسلام وسط أهله ورعيته ومملكته.

 

يتوزع النشيد الرابع والعشرون على جزأين: الأول هو مشاهد من منزل الأموات حيث كان أجاممنون يقص على آخيلوس ما حدث بعد مقتله في طروادة ثم تصل أشباح الخطاب ولقاء أجاممنون بـ أمفيميدون. والجزء الآخر لقاء أوديسيوس بأبيه لايرتيس ثم استعداد ذوي الخطّاب للانتقام لكن أثينا تتدخل بشكل مينتور ويحل السلام.




جدول لأحداث أناشيد الأوديسة وتسلسل وقوعها الصحيح 



الحدث الرئيس 

النشيد 

تسلسل الأحداث كما وقعت

تيليماكوس والخطاب

1

بعد مغادرة إليوس يصل أوديسيوس ورفاقه إلى 

١- جزيرة السيكونيس 

٢- آكلو اللوتس 

٣- السيكلوب 

(النشيد التاسع

تيليماكوس والخطاب 

2

٤- جزيرة إله الريح أيولوس.

٥- أرض اللايستروجونيين.

٦- سيرسي.

(النشيد العاشر)

تيليماكوس ونسطور

3

٧- هاديس 

(النشيد الحادي عشر)

تيليماكوس ومينيلاوس

4

٨العودة إلى سيرسي.

٩- السيرينيس.

١٠- سكولا وخاربوديس

١١- جزيرة قطعان هيليوس.

١٢- كاليبسو (ذكر الوصول فقط

(النشيد الثاني عشر)

تحرير أوديسيوس من جزيرة كاليبسو ثم وصوله إلى جزيرة الفياكيين 

5

١٢- جزيرة كاليبسو 

(النشيد الخامس)

التقاء أوديسيوس بالأميرة ناوسيكا

6

١٣- أوديسيوس يصل جزيرة الفياكيين ويلتقي ناوسيكا.

(النشيد السادس)

التقاء أوديسيوس بملك الفياكيين

7

١٤- أوديسيوس يلتقي بالملك ألكينوس.

(النشيد السابع)

ألعاب رياضية احتفالا بالضيف (أوديسيوس)

8

١٥- ألكينوس يُكرم أوديسيوس ويُجري ألعاب رياضية على شرفه.

(النشيد الثامن)

أوديسيوس يقص عليهم حوادث:

  • السيكونيس 
  • آكلو اللوتس 
  • السيكلوب

9

تيليماكوس والخطّاب ثم لقاء نستور ومينيلاوس.

(الأناشيد الأربعة الأولى ووقت وقوعها قريب من وقت اتخاذ الآلهة قرار تحرير أوديسيوس من قبضة كالبسو)

أوديسيوس يكمل قصته:

  • جزيرة إله الريح أيولوس
  • أرض اللايستروجونيين الآكلين للحم البشر
  • سيرسي

10

١٦- الوصول إلى إيثاكا بمساعدة الفياكيين.

(النشيد الثالث عشر)

 عالم الأموات، هاديس.

11

١٧- أوديسيوس ورواعي الخنازير يومايوس.

(النشيد الرابع عشر)

- العودة إلى سيرسي.

  • السيرينيس.
  • سكولا وخاربوديس
  • جزيرة قطعان هيليوس.
  • كاليبسو

12

١٨- تيليماكوس يعود إلى إيثاكا 

(النشيد الخامس عشر)

- أوديسيوس يصل إلى إيثاكا 

13

١٩- أوديسيوس وابنه

(النشيد السادس عشر)

- يومايوس يكرم وفادة أوديسيوس المتنكر.

14

٢٠- أوديسيوس يصل بيته

(النشيد السابع عشر)

- تيليماكوس يعود إلى إيثاكا بعد رحلته للقاء نستور ومينيلاوس.

15

٢١- أوديسيوس يتشاجر مع إيروس

(النشيد الثامن عشر)

تيليماكوس يلتقي بأوديسيوس الذي يكشف هويته لابنه ويطلب منه عدم كشفها حتى ينتقم من الخطّاب.

16

٢٢- أوديسيوس المتنكر يلتقي بينيلوبي، ويوروكليا تعرف هويته من ندبة ركبته.

(النشيد التاسع عشر)

- أوديسيوس يصل إلى منزله متنكرا.

17

٢٣- اجتماع البشائر بعودة أوديسيوس.

(النشيد العشرون)

  • الشجار بين أوديسيوس وإيروس.
  • تكريم الخطّاب له.

18

٢٤- المسابقة وسحب أوديسيوس لوتر قوسه.

(النشيد الحادي والعشرون)

  • التقاء بينلوبي بأوديسيوس (المتخفي).
  • معرفة يوروكليا لأوديسيوس من خلال ندبة ركبته.
  • بينلوبي تُعلم أوديسيوس بخبر المسابقة.

19

٢٥- أوديسيوس ينتقم من الخطاب.

(النشيد الثاني والعشرون)

اجتماع البشائر بعودة أوديسيوس.

20

٢٦- أوديسيوس يجتمع بزوجته أخيرا.

(النشيد الثالث والعشرون)

المسابقة وسحب أوديسيوس لوتر قوسه.

21

٢٧- أوديسيوس يلتقي أباه، والسلام يحل على إيثاكا 

(النشيد الرابع والعشرون)

المذبحة تحل بالخطّاب.

22


أوديسيوس وبينيلوبي معا أخيرا.

23


لقاء أوديسيوس بأبيه لايرتيس ثم السلام على أرض إيثاكا.

24



الجزء الأول

الجزء الثاني

مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...