الاثنين، 6 أغسطس 2018

أكبر مما يعتقدون - محمد عواد.


كتاب مقالات للإعلامي الرياضي محمد عواد، قد تقرأ كتابا ما وتُعجب بكاتبه وتتعرف عليه ويجذبك فكره أو عمله وتبحث عن كتبه الأخرى، لكن أن تقرأ لكاتب -كما حدث لي- وأنت تُتابعه وتقرأ له بصورة يومية في عصر السوشيال ميديا، تفهم فكره ولديك معرفة مُسبقة بآرائه وأسلوبه، ستكون تجربة القراءة له محفوفة بالمخاطر، فماذا سيبقى له ليُبهر القارئ  أو يُجعله يُعجب بعمله وأفكاره؟ قد أكون صارما في تعاملي مع الكتب وكيفية استقراء النص، لكن هذه الصرامة تُضفي لآلية القراءة عناصر تُمكنك من الكتاب الذي بين يديك وتدلك على مكامن القوة فيه. مقالات رياضية، معلومات قد لا تغيب أكثرها عن المتابع اليومي لأحوال الكرة وأخبار لاعبيها، لكن ما قام به محمد عواد في هذا الكتاب، هو تسليط الضوء على الجانب الخفي من عالم الرياضة عامة وكرة القدم بصورة خاصة، وعلى الجانب المنسي أو المتناسى في عالم الرياضة وأهلها، مقالات تُعيد توجيه ذهن القارئ إلى الطريق الصحيح الذي يجب عليه التعامل مع الرياضة بطريقة ينصب جزءٌ كبير منها على الجانب الإنساني للرياضيين، وكيف يمكن لرياضة من الرياضات أن تكون مثالا لك في جوانب حياتك كافة. ما قام به محمد عواد في مقالاته الرياضية هو رسم كرة القدم والرياضات الأخرى بصورة لم يغب عنا جانب منها، نحن كمشاهدين ومشجعين لفرقنا ننظر لما يهمنا لاعبنا المفضل ونادينا الذي نُشجع بصورة كبيرة ضمن التسعين دقيقة لا أكثر، نهتم بسوق الانتقالات، من سيأتي من سيرحل، تركيزنا منصب على ما نحبه فقط في هذه الرياضة وتلك وأثناء وقت ممارستها من قبل هؤلاء الرياضيين، لكننا ننسى عوائل اللاعبين مشاعرهم، حياتهم الخاصة، أطفالهم، مدارس أطفالهم. وأكثر ما لفت انتباهي وشدني من المقالات هي تلك التي تركز على الجانب الإنساني والعائلي من حياة الرياضي، ونحن الآن في موسم الانتقالات الصيفية، قد كنت مهتما باللاعب الذي سيأتي لناديّ  ومن سيرحل كأنهم قطع غيار لا أكثر قبل قراءتي المقالة التي تحدث فيها أوليتش لاعب بايرن ميونيخ السابق عن رغبته بمعرفة مصيره في حالة مغادرته أو تجديد عقده، لكي يعرف أعليه أن يسجل أبناءه في المدرسة أم ينتظر الفريق الجديد والمدينة الجديدة، بعد قراءة المقالة، تغيّر الأمر كثيرا فحين أقرأ عن انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر، فأول شيء يخطر في ذهني حال أسرته وكيف سيتأقلمون مع المدينة الجديدة، الأبناء والمدارس الجديدة، الزملاء، نمط الحياة التي تغيرت، وأجد نفسي مجبرا على الاعتراف أن هذه المقالة وغيرها أحيت بداخلي التعاطف مع اللاعبين وأسرهم بطريقة لم أشعر بها مُسبقا رغم أني أشاهد كرة القدم منذ ستة عشر عاما. 
قد يظن القارئ لما أوردته سالفا أن الكتاب يُركز على الرياضة والجانب الإنساني منها، إلا أن إحدى فوائد هذا الكتاب هو استغلال حوادث الرياضة التي نعرفها جميعا كأمثلة حياتية نستفاد منها على المستوى الشخصي أو الجماعي، تنمية بشرية عن طريق الرياضة، ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تبرز خبرة محمد عواد في مجال الأعمال والإدارة ضمن هذه المقالات، فهي مليئة بالنصائح التي يحتاجها أي منا في حياته العملية، لا يبخل بهذه النصائح في مقالاته، ومن عنوان الكتاب "أكبر مما يعتقدون" تبرز قيمة المقالات أكبر مما قد يظن القارئ للعنوان، فما يُثري به القارئ وما يكتسبه يجعل للكتاب قيمته الأدبية كذلك، القيمة الإنسانية التي يسعى لأجلها أي أديب من خلال تسليط الضوء على العادي والمألوف والارتقاء به لمصاف غير المألوف والمميز. هي ليست مجرد مقالات رياضية، بل مقالات حياتية يحتاجها الجميع.

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

قصيدة النثر - سوزان برنار.


(سواء أكتب الشاعر شعرا أم نثرا، وسواء نحت في المرمرِ أم صب تماثيلهُ من البرونز… فهذا رائع، والشاعر حر) فيكتور هيجو، تمهيد "ديوان الشرقيات".


كتاب قصيدة النثر لسوزان برنار، هو الكتاب الذي يمثل المرجع الأول والأهم لقصيدة النثر، وفيه تبحث سوزان عن تاريخ قصيدة النثر وبداياتِها في القرن الثامن عشر، ودور الترجمة في إضفاء بعد حيوي لغوي وشعري للقصيدة عند ترجمة الشعر من لغة إلى أخرى، مستعرضة شعراء قصيدة النثر كبودلير ورامبو ولوتريامون ومالارميه، وتأثر قصيدة النثر بالحركات الشعرية والأدبية كالرمزية والطبيعية والتكعيبية والدادائية والسريالية. الكتاب غني بالأطروحات والآراء وسير شعراء قصيدة النثر.


اقتباسات من الكتاب:

  • سبق لي أن قلت أن قصيدة النثر تفترض إرادة واعية للانتظام في قصيدة، وينبغي أن تكون وحدة عضوية مستقلة، مما يتيح تمييزها من النثر الشعري الذي هو ليس غير مادة، وشكل من الدرجة الأولى إن شئنا، يمكننا انطلاقا منه أن نبني كذلك مقالات وروايات وقصائد. وسوف يقودنا ذلك إلى التسليم بمعيار "وحدة العضوية": فمهما تكن القصيدة معقدة وحرة في مظهرها فإن عليها أن تكون وحدة واحدة، وعالما مغلقا، خشية أن تفقد صفتها كقصيدة. وإذا ما أضفت إلى ذلك أن القصيدة هي تنسيق جمالي متميز وإنها تختلف عن القصة القصيرة والمقالة (مهما تكن شاعرية) فكأنما نقول أشياء بدهية، ونقتحم أبوابا مفتوحة؛ والحقيقة أن من الصعوبة بمكان هنا أن نرسم الحدود. ويمكن أن يحدث على سبيل المثال أن تعنون القصيدة "حكاية" والعكس صحيح.



  • تأثير الترجمات:

1- إن الأب (بريفو) الذي أراد أن يبين أن القافية ليست جوهرية في الشعر، يقدم برهانا بـ"نجاح عدد من الترجمات المكتوب ب(النثر الشعري) فنقلت إلى لغتنا كل مفاتن الشعر الأجنبي من دون اللجوء إلى القافية… وإن "لهذه القصائد وزنها، مع أن هذا الوزن ليس موحدا". وهذه ملاحظة ذات أهمية قصوى: إذ نصل في الواقع هنا إلى أحدى النقاط الجوهرية لمساق "تجاوز فن النظم" الشعري.


2- إن المترجمين في الواقع هم أول من أصر على ضرورة تحرير اللغة الشعرية، وإعطائها أكثر تنوعا وسحرا. كان (هوبير) الذي ترجم "الجرة المكسورة" لـ(جيسنير) يوضح أنه يفضل "استخدام الكلمة الحقيقية"- أي "الجرة" وليس "الكأس" أو "الوعاء" - بدلا من كلمة نبيلة ولكن غامضة لا تنسجم مع المعنى.





  • يحتل رامبو في تاريخ قصيدة النثر مكانة راجحة، مركزية ولا تعوض وذلك لسببين:

أولا: لأنه أشار وبقوة إلى العلاقة الضرورية بين الصيغة الشعرية الجديد وذلك البحث عن المجهول الذي جعل من الشعر الحديث محاولة ميتافيزيقية أكثر من كونه شكلا فنيا.

ثانيا: لأنه بعدما ربط المثال بالمفهوم، أراد أن يصبح هو نفسه "سارق النار" وأعطى نموذج قصيدة النثر الأصلية تماما من حيث المفهوم والتقنية، ومارس تأُيره في الشعر اللاحق كله، هذا التأثير الذي لا يبدو عليه أنه على وشك أن ينطفئ.





  • عظام شعراء الرومانتيكية الثانية يقرنون البحث عن أشكال تعبيرية جديدة بمفهوم ميتافيزيقي للشعر، ويعدون قصيدة النثر (بوعي أو دون وعي) على أنها في آن واحد تمرد على نظام الأعراف الاجتماعية والفنية، وأداة "بحث روحي" لبلوغ المجهول أو المطلق.



  • قصيدة النثر في الواقع مبنية على اتحاد المتناقضات ليس في شكلها فحسب، وأنما في جوهرها كذلك: نثر وشعر، حرية وقيد، فوضوية مدمرة وفن منتظم… ومن هنا يبرز تباينها الداخلي، وتنبع تناقضاتها العميقة الخطرة- والغنية؛ ومن هنا ينجم توترها الدائم وحيويتها.



  • ولدت قصيدة النثر من رغبة في التحرر والانعتاق. ومن تمرد على التقاليد المسماة "شعرية" وعروضية، وعلى تقاليد اللغة.



  • ولا يهم إذا ما كانت القصيدة مكتوبة بالشعر أو النثر، وإنما المهم أن نجد فيها ذلك
    "النغم الجوهري" الذي يمنحنا أصالتها ويجعل منها عالما صغيرا يحتل مكانه وسط عالم أوسع.



  • بعد عام 1930 أصبحت قصيدة النثر شكلا شعريا ذا أهمية من الدرجة الأولى تستجيب لمصادر إيحاء جديدة كثيرة مما تستجيب لطموحات فنية. فبعد عام 1930 لم تعد قصيدة النثر "جنسا" مستقلا أو ضربا من ممارسة المهارة بل هي أحد الأشكال التي يحتاج إليها عمل أدبي قيد التأليف وتبقى -مع ذلك- مستخدمة إلى جانب الشعر النظامي والشعر الحر.



  • وتهدف قصيدة النثر خلال تلك الحقبة كلها إلى "الفعالية" أكثر مما تهدف إلى الجمال الشكلي وتريد أن تكون أداة قوة أكثر من كونها "شيئا جماليا" فهي ترمي لأن تصبح "سحرا إيحائيا" مع بودلير، أو أن تقودنا نحو المجهول مع رامبو، أو أن تتمرد على الخلق وآلية اللغة مع لوتريامون، أو أن تسعى لبلوغ المطلق مع مالارميه عن طريق تركيب حاذق لأزلية البيت الشعري و"تماسك" النثر.



  • وربما تكون معركة الأنواع والأشكال هذه قد سمحت في الأقل لقصيدة النثر بأن تبسط ميدان إمكاناتها، وللمفاهيم الشعرية الجديدة أن تتحدد معالمها لأن الشعر ليس وقفا على شكل أو نوع معينين. إنه رؤية للعالم وتجربة روحية أكثر مما هو فن ومجموعة طرائق. كما أن التجربة الداخلية للشاعر وموقفه أمام الكون هما اللذان يحددان الشكل الشعري الواجب استخدامه.



  • لقد كررت القول مرارا بعدما قلت في الباب الذي خصصته لجمالية قصيدة النثر أن الشروط العضوية لقصيدة النثر مضاعفة: فهي الشكل الشعري لفوضوية محررة في صراع مع القيود الشكلية. وكذلك نتيجة لإرادة تنظيم فني يسمح لها أن تتخذ شكلا وتصبح كائنا موضوعا فنيا. وإذا لم ينفذ واحد من هذه الشروط فإن قصيدة النثر محكوم عليها بالموت، تارة بالشيخوخة والشكلية وقلة الطاقة الحيوية، وتارة بالعجز عن أن تتخذ شكلا وبقلة الحدود والذوبان في النثر البحت.



  • ويمكننا التسليم على أية حال بأن الشعراء الحقيقيين حينما يأتون إلى النثر بعد ما كتبوا بالشعر فإنهم لا يأتون إليه برغبة في أن يمنحوا أنفسهم تسهيلات أكثر، وأنهم في الأقل قد قدموا البرهان بأنهم كانوا قادرين على الكتابة بالشعر وإنهم لم يتنازلوا عن ذلك إلا رغبة في "شيء آخر". هل ينبغي أن نستنتج من ذلك أن قصيدة النثر "التي يبتكرها نثري مطلق على نحو منتظم" هي "اعتراف بالعجز" على الدوام؟ هذا ليس أكيدا- ولكن أمثلة هؤلاء "الناثرين المطلقين" قد تكون نادرة جدا حتى أننا نستطيع أن نغض الطرف عنها" فـ ألوزيوس بيرتران نفسه نجهل أشعاره قد كتب شعرا، ولا شيء يمكن أن يؤكد لنا أن لوتريامون لم يكتب شعرا.



  • وبهذا فإن قصيدة النثر -وهي نوع من التمرد والحرية- تعني ثورة الفكر، ومظهرا من مظاهر النضال المتواصل للإنسان ضد مصيره أكثر من كونها محاولة لتجديد الشكل الشعري.

تطور الرواية الحديثة - جيسي ماتز




هذا الكتاب هو أحد الكتب ضمن سلسلة تختص بالرواية الحديثة وتطورها تعمل الأستاذة لُطفية الدليمي على ترجمتها، مشكورة، وقد ترجمت ونشرت أيضا كتاب الرواية المعاصرة لروبرت إيغلستون، لتُثري المكتبة العربية ذات الفقر الواضح -كما تشير- للكتب التي تتناول الرواية الحديثة، والتي لا تستغني أي مكتبة في العالم أن تحتوي أكبر عدد ممكن الكتب والدراسات لأجل فهم الرواية والعمل على تطويرها فهي كما توضح الأستاذة لُطفية في تقديمها لهذا الكتاب مجيبة عن سؤال لماذا الرواية؟ فتقول الرواية نوع من الذاكرة الجمعيّة المميزة لكل جغرافية بشرية، الرواية اليوم تؤدي عمل الأسطورة في الأمس،  الرواية تقوم على التخييل وتقوم داخل فضائها، تستحث على التفكير والخيال، خاصة مع تطور التقنية وتحول العالم إلى أشبه بسلة خوارزميات، ركد فيها الخيال البشري، إذن فالرواية هي الإناء الذي يحوي ويحفظ الخيال والفكر البشري وإبقائه في إطاره الإنساني التحليلي بعيدًا عن تحوله إلى جزء من العالم التقني المحيط به، والذي يقوم بكل شيء نيابة عنه تقريبا. وكذلك لكون الرواية وخاصة من تطور علم النفس، يُمكن أن تؤدي دورًا علاجيا لبعض الذي يعانون الاضطرابات الذهانية، نظرا لما تقدمه من مساحة لإبراز وإعلاء الأصوات المكتومة في داخل النفس البشري. ومن أهم ما تذكره عن دور الرواية هو فتح آفاق جديدة أمام الوعي البشري والخيال الإنساني. 

مقدمة الكتاب الذي يفتتحها جيسي ماتز بسؤال، أية حداثة؟  
وهو تقديم عن معنى الحداثة وما هي الرواية الحديثة، وكيف نعرف الرواية الحديثة، والتي يعرفها بأنها "تلك الرواية التي أنشأت قطيعة مع الماضي، وجعلت من نفسها شكلا جديدا، ومهدت الطريق أمام الحداثة المستقبلية. 
ويأخذ أربعة أمثلة عن الرواية الحديثة في بدايات القرن العشرين والتي تمثلت في أربعة شخصيات روائية هي: جيمس جويس وجين تومر وفرجينيا وولف وغريتورد شتاين. وبعد عرض الصفات الحداثية في رواياتهم، يلخصها في هذه الصفات: "وضع الواقع موضع المساءلة الروائية، وتشظي العمل الروائي واحتشاده بالجمل التلقائية والأصوات الشخصية من داخل الرواية". والحداثة كما يُبين مستشهدا بعديد الأمثلة، مرتبطة بالحركة المستمرة، اللا توقف، في عالم متجدد باستمرار، فالرواية الحديثة هي التي تقرأ الواقع المتغير وتحاكي تغيره وتتجدد باستمرار، فهي في حالة انزياح عن الماضي والتصاق بالمستقبل الآتي، هي اللا تموضع واللا تخندق، هي الحاضر الذي يسعى إلى الأمام دائما بطرق مختلفة لا تُشابه سابقاتها. 

شمل الفصل الأول من الكتاب على بدايات الرواية الحديثة التي تمثلت في الكاتب الأمريكي هنري جيمس، والروائيون الحداثيون الأوئل وبمقدمتهم جويس وولف وفوكنر وهمنغواي ود.هـ لورانس، فالحداثة الروائية هي التحرر من التعقيدات والقيود الماضية، والنظرة التقليدية والبحث عن الجدّة والحداثة، وتحديث الرؤى للحياة وماهية وهيئة مضيها وتقدمها ونقل هذه الرؤية الجديدة إلى الرواية من خلال الشخصيات، وجعلها أكثر واقعية في الطرح أو التعامل مع الذات والآخر والواقع، ببساطة ووضوح ومباشرة، دون إثقالها بعناصر غير حية أو سرد لما هو غير ذو تأثير على الشخصية أو ذي صلة بالواقع. ولا يعني الانحياز نحو البساطة البدائية السذاجة، بل البساطة التفكيكية لهذا الواقع وللنفس البشرية. وشمل الفصلان الثاني والثالث الواقع في الرواية الحديثة والأشكال الجديدة في الرواية الحديثة. إذ الواقع  في الرواية الحديثة لم يعد شيئًا خارجا عنا وينبغي للروائي وصفه، بل بات عملية اشتباك مع الوعي (مجموعة أفعال شخصية، أداء سيكولوجي، شيء في حالة جريان من الصيرورة والتغيير).  
فهو أكثر دقة وانغماسٍ مع الواقع الملموس الذي يعيش فيه الإنسان، حيث يعمد الروائي الحداثوي على تفكيكه ومساءلة المُسلَمات، واختبار الحقائق، وعدم الالتزام بالطريقة التقليدية في التعامل معه ونقله إلى الرواية، بل نقل الرواية إلى الواقع. 
كما أن للحداثة تأثيرٌ على الواقع الروائي مما أدى إلى ظهور تحديث للواقعية في الرواية، فكان لازما أن يتغير الشكل الروائي من الداخل في ثورة تحديثية على الشكل القديم، وما يناقشه هذا الفصل من تحديثات التي طرأت واتسمت بها الرواية الحديثة ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول هو اختفاء لشخصية البطل وظهور وما يسمى اللا بطل أو ضديد البطل Anti-hero في الرواية، والقسم الثاني يختص بالحبكة، ومفهوم جديد للحبكة، فلم تعد الحبكة تعني تغييرا في المواقف والشخصيات، بل أصبحت في مدى الحفاظ على الأفكار والتوجهات، والرغبات، وعدم التخلي عما تروم إليه أو تؤمن به الشخصية. القسم الثالث ما يخص السارد العليم الكلي المعرفة، هو الآخر انتابه التغيير، فقد كان السارد شخصا عليما بكل ما سيدور في الرواية، وللشخصيات، ونهايات الأحداث، وفي خضم الحداثة والتطور المستمر من الذي له بإمكانه الإجابة على كل هذه التساؤلات المتشككة والمظاهر المزيفة؟ يتساءل جيسي ماتز. هذا ما دفع الروائيين الحداثيين تجاه النظرة المتموضعة بؤريا Focalization، من خلال التركيز على جانب محدد من الحياة، التي تستطيع الشخصية إدراكه. القسم الأخير وهو الذي شمل السرد الخاص بوعي الشخصيات، فلا يمكن الاستمرار بسرد وعي الشخصيات، بذات الطريقة التي تُسرد بها الشخصية من الخارج، وكان للتطور السردي دوره التأثير في سرد الوعي، من خلال لغة خاصة والمنطق وتراكيب الجمل والهيكل العام للسرد، يكون فيها تدفق الأفكار والجمل، دون تدخل مباشر من السارد "وذلك بغية جعل السرد أكثر صدقية وخليقا حقا بكشف انفعالات العقل المختلفة".
والفصول الثلاثة اللاحقة الأخرى، فهي عن معضلات الرواية الحديثة، وتناول قضايا الواقع، ومساءلة الحداثة. إذ يأخذنا جيسي ماتز لمعرفة المعضلات الجديدة التي تواجه الرواية الحديثة، والتي تتمثل بعنصرين رئيسيين هما التعامل مع الزمن ليس باعتباره خطا زمنيا واحد كما اعتادت الروايات أن تستخدمه كترتب زمني تتابعي (كرونولوجي)، بل من خلال التعامل معه بطريقة مغايرة تشمل عدم الترتيب والقفز والتركيز على الصعوبات في سرد الأحداث الماضية بصورة زمنية منتظمة ومتسلسلة وأفضل مثال على هذا التحديث الزمني في الرواية هي رواية البحث عن الزمن المفقود للروائي الفرنسي بروست. والعنصر الثاني الذي يمثل معضلة تعاملت معها الرواية الحديثة وإن بصورة أقل من تعامل الروائيون الحداثيون من الزمن الروائي هو المكان ليس كأنه خلفية ثابتة في الرواية تدور فيه الأحداث، بل جعلوه أكثر تماهيا في الرواية وأكثر تخصصا وتحديدا في تناول المكان في الوقت التي أصبحت فيه المدينة أكثر مساحة وتوسعا. وفي الفصل الخامس تناول متشعب للمواضيع التي عالجتها الرواية الحديثة، ودخولها إلى محاكاة الواقع ومشاكله وكيفية الدفاع عن قضايا معينة أو كشف اللثام عن أخرى، حيث لا بد أن يكون للرواية دورها الجدي والحقيقي مع ما يشهده  هذا العصر من تطورات ومستجدّات وما جلبه من تغييرات سواء على  المستوى السياسي والعسكري المتمثل في الإمبريالية الأوروبية في أفريقيا أو الهند، والحقائق  التي حاول بعض الروائيون مثل كونراد وإي. أم. فوستر الكشف عنها، حول مساوئ الاستعمار التي تتنافى مع روح العصر والحضارة التي يتم الحديث عنها والعمل بمقتضاها.
الفصل السادس ومساءلة الحداثة، حيث جرَّ الروائيون الرواية من عليائها وجعلها تلامس الأرض الصلبة كما فعل روائيون كثيرون أمثال لورانس وجويس وهيمنغواي وكاثر. وكما يقول لوكاش على الرواية الحديثة أن تنسق بين متطلباتها الجمالية الداخلية الجديدة مع الأشكال الجديدة مع المسؤولية المجتمعية. وكذلك الانفتاح أكثر على الأنماط الثقافية الدنيا. إضافة لدور التقنية الحديثة وتداعياتها ومساهمتها في بعث أنماط إلهامية جديدة.
الفصل السابع ورواية ما بعد الحداثة، أصاب الروائيون في النصف الثاني من القرن العشرين، شعور بنضوب واستنفاد للرواية الحديثة، مما أدى إلى شيوع نزعة جديدة ما بعد حداثية، يعمل جيسي ماتز في هذا الفصل على تتبعها، ومميزاتها التي اختلفت عن الرواية الحديثة إذ جاءت تفكيكية ومضادة لكل صفات الرواية الحديثة، سواء من خلال النظرة للواقع والسرد والحبكات والشخصيات واللغة الروائية كوسيط بين الواقع والرواية. أما الفصل الثامن من الكتاب، والحداثة ما بعد الكولونيالية في الرواية في المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار الأجنبي، وهذا النوع من الرواية يمثل مرحلة الصراع الثقافي والحياتي مع بقايا الاستعمار وتشكيل ثقافي ذاتي كلي لهذه المناطق. والتي أنتجت أشكال أدبية جديدة، استثمرت من فترة الاحتلالات مادة خصبة في كتابة الرواية للتعبير عن الحياة المجتمعية الجديدة التي تبلورت من جديد واستعادت ذاتيها، وعملت على رتق الصدع الذي نشأ في فترة الاستعمار من أجل الالتحاق بركب العالم الجديد. 
يختتم الكتاب باستنتجات وقراءات لوضع الرواية الحديثة  أو المعاصرة أو رواية ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية، ومواضيعها المتنوعة ما بين الانفتاح على الآخر والتعددية الثقافية، والعولمة وعالم ما بعد الكولونيالية أو ما بعد القومية، وما جلبته التكنولوجيا من تطورات وقفزات تقنية وما دخل إلى الرواية من خلال ما بات يُسمى بالرواية الرقمية Digital Novel واستثمارها للتقنية الرقيمة في سرد الرواية. عالم اليوم الذي يبدو إلى أنه أكثر قربا واتصالا بين أجزائه المختلفة والمتباينة عرقيا وثقافيا ودينيا وحضاريا أكثر من أي وقت خالٍ، كل هذه المواضيع فرضت نفسها على الرواية وألقت بظلالها على الروائيين من أجل ظهور تحديث جديد للرواية سواء في تعاملها مع الواقع أو قضاياه أو حتى لغة التواصل بين الواقع والقارئ ودور الكاتب الوسيط بين الاثنين. 

لقراءة وتحميل ملخص الكتاب الكامل في هذا الرابط: 

الأربعاء، 25 يوليو 2018

سلسلة الثابت والمتحول - الجزءان الأول والثاني.

الثابت والمتحول 
بحث في الاتباع والإبداع عند العرب.

هو الكتاب الأول من أربعة أجزاء للشاعر السوري أدونيس، وهذا الكتاب في الأساس هو رسالة تقدم بها أدونيس إلى جامعة القديس يوسف ببيروت لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي.

يقدم أدونيس في هذا الكتاب موضوع جدلي ومهم ومؤثر في مسار المجتمع العربي الإسلامي بعد الرسالة المحمدية في إطار السياسة والدين وتأثيرهما على مسار الأدب العربي الشعر-. حيث يفصل أدونيس بحثه أو كتابه إلى قسمين يمثلان المحورين الرئيسين وهماالاتباع والإبداع، منطلقا من الاتباع في الأدب ورابطا إياه بمفهوم الاتباع الديني -العقائدي المتمثل بتعاليم الإسلام، والسياسي الذي تمثّل بالخلافة-. بداية مع دور العقيدة الإسلامية وتحكّمها في مواضيع الشعر ودلائله وأغراضه، مبتدأً من النبي محمد ونزولًا لأصحابه والخلفاءحيث تم الحكم على الشعر بمواضيعه وأغراضه، فمدحوا ما يتوافق مع رسالة الإسلام وأثنوا على شعرائه، وذموا ما خرج عن قيم الإسلام وأخلاقياته وذموا أصحابه والتي وصلت في مواقف شتى للقصاص من أصحاب وخاصة من هجو النبي أو من كتبوا في المحرمات
أما السياسة التي استخدمت الشعر كنوع من الإعلام الذي يصب في خدمة السلطة والحاكم وهذا ما كان واضحا بصورة جلية في عهد الأمويين، حيث أصبح الشعر وسيلة للشعراء لدعم السلطة في سياستها، ومصدرا لرزق الشعراء، بمواضيع شعرهم ومدحهم للأمراء
وينطلق الاتباع السياسي من خلافة النبي ومبايعة الناس للمهاجرين الذين تمثلوا بخلافة أبي بكر ومن ثم عمر وعثمان وعلي، رغم اعتراض الأنصار ورغبتهم بها وفي هذا المقام يرد أبو بكر الصديق بقوله "نحن الملوك وأنتم الوزراء"، وكانت سياسة هؤلاء هي اتباعية لنهج النبي، وكذا باقي جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية التي تمثلت بالشعر، بمواضيعه والتي بقيت ذات المعايير التي تحكم على الشعر منذ حقبة ما قبل الإسلام عند العرب مع فرق نوع المواضيع التي تخدم مصلحة الدين والدولة
يربط أدونيس ما بين الاتباع الديني والاتباع الشعري، وبما أن الدين موروث ثابت وأصيل غير محدود بزمن متجدد دائما لا يبليه عصرٌ ولا زمان، أبدي خالد، ولأنه نزل باللغة العربية متمثلا بالقرآن الكريم كأول مصدر تشريع ، التي هي لغة قريش، أصبح الشعر الجاهلي مرتبطا بالدين الذي رفعت رايته الخلافة التي تمثلت بقريش، فآخذ من الدين صفة التجدد الدائم والكمال المطلق، وأن أفضل الشعراء هم الأوائل وكل من يأتي بعدهم هو بمرتبة أدنى،  وعليه أن يلتزم بالماضي، كونه هو الكمال للشعر، والقالب الذي لا يجب أن يحيد عنه، والشاعر مهما كان عصره وزمانه، سيكون مجبورا على العودة إلى الوراء، فالكمال يقبع خلفه لا أمامه، والمستقبل الشعري، كان في الماضي وبقي هناك، وبمرور الزمن يبقى هو النير الخالد المستقبلي الحاضر دائما، وإن أردت الكمال فعليك العودة إلى الوراء وليس التقدم إلى الأمام، واكتسب هذه الميزة لارتباطه بالدين والعقيدة الدينية الثابتة والكاملة في كل العصور.
وهذه نقطة مفصلية، الشعر أصبح مؤطرًا بإطار قُدسي، لا يُعّدل ولا يُرمّم وكل محاولة للخروج عن المسار الذي وضعه الأوائل -شعراء الجاهلية-، هي محاولة ثورة على الأصيل، وستبوء بالفشل، فالجديد لا يتجدد والخالد لا يموت، والكامل لا يكتمل، وأصبحت أي محاولة تجديد غير مجدية لأنه يُحكم عليها من قبل النُقّاد بأحكام الشعر المتعاهد عليها، ولا يُمكن الاحتكام إلى الجديد الذي يجب أن يُثبت قواعده أولا، ولا قواعد إلا بقوالب الشعر القديم.
 وهنا يبدو الأمر أقرب للغز منه إلى محاولة التجديد، لأنه لا يُمكن لأي تجديد أن يرى النور إلا بحدود القديم، ولا يمكن للجديد أن يبني قواعده بذاته، إلا إذا ارتبط بالقديم الذي لا يسمح له بالتغيير؛ فيبقى حبيسٌ له أبد الدهر

أما الإبداع، فهو كذلك مرتبط سياسيا ودينيا، كقاعدة انطلق منها الرغبة بالتغيير، ويستشهد هنا أدونيس بحركة الخوارج، وخروجهم على عثمان، بسبب فساد من ولّاهم على الأمصار وعدم معاقبته لهم وعزله للفاسدين، ومن ثم تمثّلت بالتعارض بين علي ومعاوية، وكل الحركات السياسية والثورية التي شهدتها تلك الفترة ضد نظام السلطة العام، من أجل تصحيح الأوضاع وتعديلها، وعزل الولاة الذي سرقوا مال العباد باسم مال الله، وظهور رغبة في الخروج على المتعارف عليه، والمقدس، الذي أخذ قدسيته من الدين -وهنا اقصد الخلافة-، ويناقش أدونيس مفهوم الخلافة والملوكية والإمامة -عند الشيعةليضع الأمر على حجر اختبار بين هذه المفاهيم الثلاثة وكيفية الخروج والتغيير واللذين ينبعان من مفهوم الإبداع، والتحرر من المتوارث،  وبظهور هذه الحركات السياسية، ظهر الإبداع الشعري، وهنا خروجه عن مواضيعه التقليدية، ليعبر عن أهداف هؤلاء -واجهة إعلاميةالتي صدحوا بها ضد النظام الفاسد -وفق إيمانهم-.
لكن الخروج عن المألوف في شعر العرب لم يبتدئ بالخروج عن الموروث من خلال الحركات السياسية والثورية ضد السلطة، فقد كان خروج امرؤ القيس بشعره هو البداية، في استحداث مواضيع جديدة، كانت تتميز عن المتعارف عليه، والتي جعلت أباه يقوم بطرده، لأسباب أخلاقية اجتماعية تمثّلت في شعره وأغراضه وكما وُصف (تعهّر بشعره)، وكذلك في معايير النقد الشعري السائد آنئذ، كالقياس من الواقع، ودنو الهمة التي تتعارض مع كون امرؤ القيس ملك وابن ملوك، والأوصاف التي كان يستخدمها في عرض صفات فرسه التي أراد بها مدحا، ولكن هذه الأوصاف تُظهر بشكل نقصية لا مزية، وهذا ما لم يعهده العرب في شعرهم

وينتهي الكتاب بشعر جميل بثينة، ونظرته للمرأة، وتغير مفهوم المرأة ما بين السابق  وما وصفه وبيّنه وعاشه جميل، حيث تمثل بثينة بالنسبة لجميل، الأنثى الخالدة التي لا تكبر ولا يصيبها الدهر بآفاته، فهي كالنار التي تضطرم في صدر جميل فتبقي حبه لها ملتهبا وتؤذيه بذات الوقت، فالنظرة إلى المرأة تغيّرت مع جميل، عن المنحى التي كانت تُوصف به في شعر الأقدميين، وهذا التجديد يمثل نقلة فريدة في الخروج عن المألوف والإبداع في الشعرويقارنه مع امرؤ القيس، فشعر امرؤ القيس عن المرأة شعر يمثل نزوة جسد وضرورة يومية عكس جميل الذي يكون حبه عفيفا بعيدا عن ملذات الجسد، ولا يمثل حاجة يومية تنتهي، بل هي حاجة سامية وخالدة، أزلية وأبدية، تمثل اتحاده مع الكون والموجودات، بنظرة فلسفية وصوفية، فقيمتها ودوافعه لها ليسا مرتبطان بشخص غيرها بل هي وحدها فقط، وإن أي أنثى أخرى لا يمكن لها أن تُصيّر جميل لحال آخر، وهذا ما يفرق به عن شعر امرؤ القيس في المرأة -قاصدا النساء جميعاولن تفرق معه هذه أو تلكهذا التجديد في مفهوم المرأة في الشعر، يمثل حركة الإبداع في المواضيع التي تطرق لها شعر الأقدمين.


يبقى هذا الموضوع شائكًا ومتداخلا، فمفهوم الاتباع والإبداع وتقييده بقيود عقائدية أضْفت عليه، صبغة الجمود، والجمود هنا التمام والمثالية، قد يختلف القارئ مع بعض ما طرحه أدونيس، فهو يُعبّر عن رأيه ورؤيته الخاصة، وتحليلاته الشخصية، لكنه سيثير الكثير من التساؤلات التي يجب البحث والكتابة حولها، فالشعر العربي، ليس مجرد كلامٌ موزون مقفى؛ بل حياة كاملة وكما وُصف بأنه سجل العرب، وهو خاضع لقوانين، قد يكون الخروج عليها والثورة الإبداعية نقلة نوعية تمثل عصرا جديدا من الحداثة الأدبية الشعرية العربية، من يدري














الكتاب الثاني من سلسلة الثابت والمتحول.
تأصيل الأصول

ويُكمل أدونيس ما بدأه في كتابه الأول حول الاتباع والإبداع عند العرب، فيبدأ بتأصيل أصول الاتباع، في الدين والسياسية منذ نهاية العهد الأموي حتى أوائل القرن الرابع الهجري، ويأخذ الشافعي رحمه، الفقيه العالم، مثالا في دراسة التأصيل والاتباع في الدين، حيث يُعتبر الشافعي أول من "أصّل الأصول"، وعنه يقول الأمام أحمد بن حنبل: "كان أفقه الناس في كتاب الله عزل وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
دراسا وموضحا أراء الشافعي الفقهية والشرعية في الدين، ومسالكه وقواعده في الاتباع والاجتهاد والقياس، وما ارتبط بهذه القضايا الفقهية والشرعية بالسياسة والمواقف الشرعية من ولاة الأمر والخروج عليهم

وفي الفصل الثاني، يبحث في تأصيل الأصول البيانية - الشعرية عند العرب، متخذًا الأصمعي والجاحظ، مثالين للشعر واللغة، فيبحث في آراء الأصمعي وطرقه في تصنيف الشعراء، ما بين شاعرٍ وفحل، فيوضح منهج الأصمعي الصعب في تصنيفاته للشعراء فلا يكاد يرى الأصمعي شاعرًا ليصنفه فحل من فحول الشعر إلا إذا امتاز بأربع خصال هي:
١الحظوة، المنزلة والمكانةو٢والسبقو٣الأخذ من قولهو٤اتباع مذهبه
ويعتمد الأصمعي في تصنيفاته على مبدأ الأولية الجاهلية، والأولية هي رمز الصحة، لأنها رمز الفطرة
وأما الجاحظ، فيوضح آراءه الثابتة في أن قيمة الشعر العربي لغةً وفائدةً فهي مقصورة على العربي، لأن الشعر لفظ، وبما إن المعنى موجود في كل اللغات، فتكون بلاغته وبيانه في اللفظ، وهذا ما يجعل الشعر العربي مقتصرا على العربية فقط، فهو يفقد قيمته إذا تُرجم إلى لغة آخرى، فالمعاني واحدة في كل اللغات، لكن اللفظ هو ما يختلف، حيث يكون للفظ الكلمة وقعها على إذن المتلقي، وتفقد ذاك الوقع إذا تُرجمت إلى لغة آخرى، فيزول التأثير اللغوي الذي لن يفهمه سوى العربي من الشعر العربي

القسم الثاني من الكتاب فهو في تأصيل الإبداع والتحول، ويبدأ بالحركات الثورية، متخذًا منها منطلقًا، لبدايات التحول والتغيير ومن ثمَّ الإبداع، الذي يواجه الاتباع، ويعاكسه، ويأخذ من ثورة الزنج والقرامطة، مثالين للتحول ومحاولة تحسين ظروفهم السيئة التي عاشوا فيها، وسوء ولاة الأمور التي دفعت الناس للثورة ضد هؤلاء الولاة، والمطالبة بحرياتهم، وحقوقهم التي سُلبت




والفصل الثاني في الابداع والتحول، فهو يشمل الموقف الديني، المنهج التجريبي وإبطال النبوة، ويطرح أربع شخصيات لدراسة فكرها ومنهجها التجريبي، وهذه الشخصيات هي ابن المقفع، وابن الراوندي، ومحمد بن زكريا الرازي، وجابر بن حيان، حيث يعتبر ابن المقفع أول من أخذ موقفا من الدين منتقدا إياه والله والنبي، متاخذا العقل مقياسا له، فهو ذو منهج عقلي لا يعتمد على القرآن أو السنة، وأما ابن الراوندي وبن حيان فقد وصل معهم المنهج العقلي إلى ذروته، فابن الراوندي يعتمد على العقل في ردوده وحججه ضد الدين وما جاء به النبي، منكرًا قيمة الأنبياء ومكذبًا إياهم، وابن حيان الذي اعتمد على المذهب التجريبي، فهو يعتبر مؤسس النزعة التجريبية العلمية، ونحا في علم الكيمياء منحى عقليا اختباريا مستبعدا الخوارق، وهو بهذا يختلف عن منهج أهل الكيمياء اليونانيين، الذين يستخدمون الخوراق في التفسيروبهذا يكون ابن حيان عقلاني والحق عنده بالتجربة والدليل العقلانيوأما الرازي فهو انتقد النبوة، معتمدًا على العقل وحده في نقدها وتفنيدها، وإننا من خلال العقل فقط بإمكاننا معرفة الخير والشر والجيد والسيئ ولسنا بحاجة لنبي، فإذا كنا نميز بعقولنا سقطت الحاجة للرسل، فيكذبهمومما سبق نرى أن هؤلاء لم يعتمدوا على مذهب الاتباع، بل عمدوا إلى المذهب العقلاني في تفسير الدين وما ورثوه، وبذلك يمثلون مرحلة أولى من الثورة على الموروث، معتنقين اللا دينية الربوبية.

والفصل الثالث، في الإبداع هو شعرية الصوفية، وعلاقة الظاهر بالباطن، وبدايات الصوفية مع أبي يزيد البسطامي، ومنهجه وأوقواله البينّة الكفر، والتجرؤ على الذات الإلهية، التي لا أرى فيها نوعًا من الإبداع، بل هي كفر محظ، تجعل من الإنسان شريكا لله، وتُنزل من قدر الله، فيجعلون من أنفسهم في موقع أفضل من الله أحيانا، فيقول البسطامي "سبحاني سبحانيويقول "ضربتي خيمتي بإزاء العرشويقول "لأن تراني مرة خير من أن ترى ربك ألف مرة"، فهذا المنهج الذي اتبعه البسطامي، منهج كفري، وضال، ليس فيه أي إبداع ولا قيمة له إلا ببعض الشطحات الفلسفية

والفصل الرابع هو في الإبداع والحداثة في الشعر عن أبي نؤاس وأبي تمام، والتجديد الذي سار عليه الشاعران، في اللغة والمفردات والاهتمام بالمعنى وإشباعه بالمغزى والاستنباط كما في شعر أبي تمام، مخالفا بذلك المنهج القديم المتبع في قياس اللفظ على المعنى ومطابقته إياهواستخدام الخيال والبعد عن الواقعية كما في شعر أبي نؤاسوالتجديد في شعرهم يكمن في الخروج من التعبير الطبيعي إلى التعبير الفني
وكما يقول أبو نؤاس:
غير أني قائل ما أتاني * من ظنوني مكذبًا للعيان

القسم الثالث من الكتاب، في جدلية الاتباع والإبداع، الفصل الأول يبحث في معنى القديم والحديث، مفصلًا أكثر مما جاء به في تأصيل الإبداع، وفي مفاهيم السنة والقياس والإبداع (البدعة في الدين)، وفي هذا الفصل لم يأتِ بالشيء الجديد فهو شبه تكرار لما في التأصيل غير أنه توسّع أكثر.

الفصل الثاني في الحركة اللغوية، وتأثيرها على الشعر، والاختلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة، فمدرسة الكوفة اعتمدت المذهب السماعي في اللغة والشعر، وأما البصرة فاعتمدت المذهب القياسي، مما أدى إلى خلاف بين هذين المدرستين، وبالتألي تأثيرهما على نقد الشعر، من ناحية تجديده والمحافظة على حداثته، وإن اختلاف لغة الشعر بين لغة الحضر ولغة البادية، جعل الشعر القديم هو المعيار في لغة الشعر، فلغة الحضر، بعد أن اختلط العرب وتمدّنوا، مالت إلى السهولة واللين، فرّقت لغة الشعر، مما أدى برفض الكثير للغة الشعر الجديدة والمحدّثة

الفصل الثالث في الحركة الشعرية، ويأخذ أدونيس الصولي والآمدي، كمثالين للنقد الشعري، اللذان تكفّلا بنقد الشعر لغةً ومعنى ولفظا، فتناولوا شعر أبي تمام والبحتري والخلاف الذي دار بين أنصار الاثنين، شعر مَن أجودُ مِن مَن؟ موضحًا منهج الاثنين في نقد الشعر، وتبرز قيمة شعر أبي تمام، لفلسفة شعره، فشعره يحمل من المعنى أكثر مما يبرزه اللفظ، فيدعو قارءه أو سامعه إلى الاستنباط والتفكير، وهذا ما خالف به الشعر القديمالجاهليالذي يوازن ما بين اللفظة والمعنى، فتبقى اللفظة مقياس للمعنى، ولا يحيد اللفظ إلى معنى آخر، لكن شعر أبي تمام، على عكس ذلك، فالمعنى عنده مُضمر وما اللفظ إلا بوابة لفهم المعنى، وهو الخيال الشعري، الذي أبدعه، والصور الشعرية، التي أساء الكثير فهمها، ومنهم الآمدي الذي ينقد بعضا من شعر أبي تمام، فيقول ناقدا هذا البيت

أجدر بجمرةٍ لوعة، اطفاؤها      بالدمع، أن تزداد طول وقود 

(وهذا خلاف ما عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها، لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبرد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجد، ويعقب الراحة)

ففي رأيه الكثير من القصور، فهو لم يبلغ المعنى الذي أراد أبو تمام إيصاله، فالمعنى واضح وبيّن، أن الدمع لا ينفع ولا يجدي، فكأنه وقود يزيد حريق جمر اللوعة، بدل أن يخمدها، ومن هذا المثال بإمكاننا أن نقيس على المعيار الذي كان متعارفا، في نقد الشعر، والذي فيه الكثير من الخلل، فهو يجعل من الكلمة جامدة، ومحبوسة في قالب اللفظ، فينكر جمال الصورة الشعرية إن لم تأتِ كما هو متعاهد عليه.
وينهي الكتاب بخلاصته منه، ويحاول أدونيس ربط الإبداع في الشعر، وسعة اللفظ وإمكانياته في احتواء معانٍ متعددة، تدعو للغوص من أجل فهمها وتخيّل الصورة الشعرية بجماليتها، مع ما يتبعه الصوفية بعلاقة الظاهر مع الباطنالتجربة الباطنية-، وأن المعبر عنه لا يساوي العبارة، فالعلاقة فيها الكثير من الرمزية، وهي ليست علاقة مطابقة، كما عهده العرب في شعرهم.




الجزءان الثالث والرابع:




























مذكرات عوليس

مذكرات عوليس   ١ أكتوبر . عوليس الرواية التي فصلت تاريخ الرواية إلى جزئين ما قبل عوليس وما بعد عوليس كما يصفها م...